الناقد والمفكر المصري الكبير د. يسري عبد الغني ناكئا جراح الثقافة المصرية: أصفار ونكرات يهيلون التراب على رموزنا الثقافية والتاريخية والعلمية والأدبية عبر خطة ممنهجة تريد أن تشكك وتسفه كل مقدراتنا الثقافية وكل معاركنا الآن “دون كيشوتية” فارغة! ومنح التفرغ كوميديا سوداء!

القاهرة – “رأي اليوم ” – حوار – محمود القيعي:

دعا الناقد والمفكر المصري الكبير د. يسري عبد الغني الى تكاتف الأفراد والمؤسسات الرسمية، ومنظمات المجتمع المدني، عبر إستراتيجية علمية للرقي والنهوض بالثقافة المصرية، محذرا من أننا على شفا حفرة من الضياع والمزيد من التخلف والجهل والتمزق.

ونعى عبد الغني على البعض جعلهم “الخواجات” مثلاً أعلى لهم تحت مسمى ” الحداثة “، ساخرا مما يصكونه من مصطلحات هم أنفسهم لا يفهمونها، مؤكدا أننا ليس لدينا نقد أو نقاد لأننا لا نملك نظرية نقدية حقيقية.

وقال عبد الغني إننا جميعا نتحمل مسئولية ما نحن فيه من تفاهة وتسطيح يندى له الجبين!

والى نص الحوار:

*أنت مهموم بواقع الثقافة العربية عموما والمصرية خصوصا .. أين الخلل ؟ وهل هي أزمة إبداع أم فكر أم نقد؟

ـ أعيش في الحياة الثقافية في مصر والوطن العربي وأوربا منذ نصف قرن، ولي بحمد الله أكثر من 50 كتابًا في الفكر والأدب والتاريخ والنقد وتحقيق التراث، نشرت في الوطن العربي وأوربا وبعضها في مصر، بمعنى أنني أتنفس ثقافة، ورغم تقدم السن والشيخوخة فإن الثقافة ستظل زادي وزوادي إلى أن يأتي اليقين، كما سأظل أدافع عن الأصالة والمعاصرة، وعن التراث بالذات الذي هو حصننا الأخير في مواجهة ما يراد بنا من تفكيك وتشتيت وإعادتنا إلى كهوف الظلام ..

   الخلل الحقيقي أو قل الأزمة تأتي من عدم وجود إستراتيجية ثقافية حقيقية، تعي معطيات الواقع، وتتبنى آليات فاعلة قابلة للتنفيذ، بفكر استشرافي يناسب مستجدات وتطورات العصر الذي نحياه .

   بكل أسف ليس لدينا نقد ولا نقاد، لدينا بعض المجتهدين، وبعض من يجعلون الخواجات مثلاً أعلى لهم، ويصكون مصطلحات هم أنفسهم لا يفهمونها، ليس لدينا نقد أو نقاد لأننا لا نملك نظرية نقدية حقيقية، والسبب بسيط جدًا أنك لا تملك رؤية فلسفية تتطلع إلى المستقبل عبر أطر علمية تدرك الحاضر مع أخذ أعظم ما في الماضي من قيم الحق والخير والجمال.

   ودائمًا أقول بدون تعليم حقيقي محترم، وبدون إعلام يفهم دوره في عمليات التنمية المستدامة، وثقافة مستنيرة، لن نستطيع مقاومة أنواع الأمية التي أبتلينا بها، أضف إلى ذلك التعصب والتطرف والإرهاب والتواكلية والفهلوة وخفافيش الظلام .

الإبداع الحقيقي!

   الإبداع الحقيقي هو الذي يعبر عن قضايا المجتمع، يعيش بها ومعها، ويسمو بمشاعرنا وغرائزنا، ويرتقي بنا إلى الأفضل والأحسن، يبث فينا القيم الفاضلة، يعلمنا الانتماء وقبول الآخر والتسامح والكفاح والجدية، أما إذا لم يقم الإبداع بذلك، فنحن أمام مشهد عبثي، المطلوب منك أن تطبع خمسين نسخة من عمل يقال عنه إبداعًا، وتقيم فرحًا بمائة لمبة على الفيس بوك، ويكتب عنك أهل المجاملة وخلافه، لتكون أميرًا الشعراء وأميرًا الرواية وأميرًا للقصة وشيخًا للنقاد والكتاب، ولا مانع من أن تكون طه حسين أو العقاد أو مي زياده، أضف إلى ذلك سبوبة الورش التي هي نوع من النصب المنظم، المبدع لا تصنعه ورشه يحاضر فيها غير المبدعين أو المثقفين أصلاً فهذا زمن التفاهة والتسطيح ..

*من المسئول عنها ؟

ـ نحن جميعًا نتحمل مسئولية ما نحن فيه من تفاهة وتسطيح، وإن لم نتكاتف أفرادًا ومؤسسات رسمية، ومنظمات المجتمع المدني، عبر إستراتيجية علمية للرقي والنهوض بالثقافة، فنحن على شفا حفرة من الضياع والمزيد من التخلف والجهل والتمزق، أضف إلى ذلك المجاملات البغيضة والمحسوبية، والمنافع الرخيصة، والمصالح الضيقة التي تكون على حساب الصالح العام .

*أي أفق ترسمه لحلها ؟

ـ رغم مرارة الواقع فقد علمتنا الحياة أن هناك ضوءًا في نهاية النفق المظلم، لقد قابلت خلال رحلتي الحياتية عظماء وأهل فكر حقيقيين يعرفون مسئوليتهم تجاه النهوض بأمتهم، لقد افتقدنا المثل الأعلى، وجاء زمن يخرج علينا أصفار ونكرات يهيلون التراب على رموزنا الثقافية والتاريخية والعلمية والأدبية، كل ذلك عبر خطة ممنهجة تريد أن تشكك وتسفه في كل مقدراتنا الثقافية، والمحزن حقًا أن يجد هؤلاء من يؤيدهم بجهل وغباء وعدم وعي، إنهم يفعلون ذلك لأغراض معلومة معروفة بكل أسف . وأكرر بدون تعليم أو إعلام أو ثقافة مستنيرة أو إستراتيجية ثقافية ممنهجة علميًا لن نجد أفقًا للنهوض والرقي بحالنا وأحوالنا .

*كان قديما بائع الصحف ينادي بأعلى صوته: مقال العقاد، قصيدة شوقي .. الخ، برأيك ما السبب في تراجع دور المثقف وانحساره ؟ وفقد مصداقيته ؟

ـ كان شوقي وحافظ ينشران قصائدهما في الصفحة الأولى من الأهرام، أضف إلى ذلك مقالات العقاد وطه حسين وهيكل باشا، ثم بعد ذلك زكي نجيب محمود و سهير القلماوي، وبنت الشاطئ، وتوفيق الحكيم .. وإذا أحصينا سنحتاج إلى مجلدات ومجلدات لنذكر فقط أسماء هؤلاء العمالقة ..

نحن لا نعرف معنى الصحافة الثقافية أو معنى المحرر الثقافي، وكيف نعيد للصحيفة دورها التنويري التعليمي التربوي سواء أكانت ورقية أو إلكترونية، الصحافة الثقافية ليست أخبارًا مجردة، بل هي إعلام وتوجيه وإرشاد وتعليم .

أما المثقف العضوي أو الفاعل فليس له أي وجود، لو كان له وجود حقيقي لشعر الناس به، لأنه شارك في مجتمعه ومشاكله، المثقف لدينا إما يعيش في عالم السلب الأعظم، أو يسب ويلعن في الحكومات ليكون بطلاً من ورق دون أن يقدم لنا روشتة واقعية للإصلاح، هنا تكون مصداقيته، بعيدًا عن نضال الفيس بوك الذي يضر أكثر مما ينفع .

   ولا أنسى أن أدعو إلى ضرورة عودة المكتبات إلى دورها الفاعل، في المدارس والجامعات ومراكز الشباب والمصانع والشركات، كما أطالب على الفور بعودة مشروع القراءة للجميع، وكفانا خلطًا للأوراق، ابعدوا السياسة عن الثقافة، واجعلوا الصالح العام وتثقيف المجتمع هو هدفكم، لا تقدم ولا رقي إلا بالثقافة المستنيرة .

*كيف تقيم أدوار المثقفين المصريين في السنوات الأخيرة ؟

ـ لقد قلت مرارًا وتكرارًا إن المثقف المصري بكل أسف تخلى عن دوره طواعية، وأقول كفانا شماعات نعلق عليها تقصيرنا وإهمالنا، اكتبوا ولو كلمة واحدة تعطي الناس الأمل في واقع أفضل ومستقبل أحسن بالعمل والجد والاجتهاد، وكونوا مثلاً أعلى في زمن أصبحت الأصفار قدوة حسنة لشبابنا في زمن العولمة المتوحشة، إذ لم يزد وعينا بما حولنا سيدهسنا قطار التقدم السريع الذي لا يرحم .

معارك دون كيشوتية!

*قديما كانت هناك معارك فكرية ونقدية كبرى تضخ الحيوية في جسد الثقافة المصرية والعربية، برأيك ما السبب في اختفائها، وباتت المعارك شخصية لا تغني من الأمر شيئا ؟

ـ الذي يسود حياتنا المسماة ثقافية معارك “دون كيشوتية” فارغة واهمة، هدفها مجموعة صور على الفيس بوك، وفات هؤلاء المتصارعون أن الناس لا تعرفهم على وجه الإطلاق وإذا عرفتهم لا تهتم بهم لأنهم ليس لهم قضية يدافعون عنها، والقضية تتأتى من أن تعرف الناس ويعرفونك .

   لا يوجد لدينا معارك فكرية أو نقدية كما كان في الزمن الجميل، في تلك الأيام الخوالي كان هناك ثقافة ووعي وتعليم وفهم حتى في رجل الشارع العادي، رغم كل الظروف التي كانوا يعيشونها، ونحن بالطبع أفضل منهم الآن، ولا تقل لي الظروف المادية، العباقرة خرجوا من أكواخ الفقراء، والعبد لله ومعظم جيله كانوا من العصامين، ولم يأكلوا بملعقة من ذهب أو فضة، بل كانوا لا يملكون أية ملاعق .

 كانت الإذاعة التي لا يسمعها أحد الآن لأنها لم تطور نفسها هي منارتنا الثقافية، وكان التلفزيون يحاول تثقيفنا، كما كنا إلى دار الكتب والمكتبات العمة، ونشتري الكتب والمجلات المستعملة من على الأرصفة، ولم يكن لدينا وسائل تكنولوجيا المعلومات الحديثة، ولكننا الآن لم نستفد من مستجدات عصرنا التكنولوجية، ووظفناها في التفاهة والثرثرة الفارغة .

*هل أعمانا الانشغال ببارت ودريدا وفوكو وسواهم عن الجاحظ والقرطاجني والجرجاني ؟

ـ كل هذه المذاهب التي ذكرتها لها أغراض سياسية بحتة، هدفها أن تبعدنا عن هويتنا وتمزقنا وتفككنا، وكل مذهب له وقته ودوره المرسوم له، وهدفه الذي خطط له، أسألك أين البنيوية الآن وأين الذين صفقوا وهللوا لها ؟ وأشك أساسًا أن الذين يصدعون رءوسنا ليل نهار بما يسمى الحداثة أو قل التعاسة لديهم عقدة الخواجه، حتى نصفهم بأنهم مودرن أو على ثقافة متفرنجة عالية .

   بكل أسف منذ شيخنا عبد القاهر الجرجاني في القرن الرابع الهجري، وشيخنا / حازم القرطاجني في القرن السادس الهجري، لا يوجد لدينا نظرية أو رؤية نقدية، نعم هناك محاولات من منتصف القرن التاسع عشر إلى بدايات السبعينات من القرن العشرين الميلادي، ولكنها تتميز بالانطباعية و عدم العلمية في بعض الأحيان، النقد علم، نكرر النقد علم ..

*ما أسباب الانبهار بالغرب ؟ هل هي عقدة النقص ؟

ـ لو لديك تعليم حقيقي، وثقافة جادة، وإعلام يفهم رسالته، لكنت منتميًا انتماء حقيقيًا لتراثك، الذي علم الغرب وكان من أعمدة نهضته، في الغرب يعرفون تراثك ويقدرونه، وأنت هنا تسخر منه، وتقول علينا أن نلقي به في سلة المهملات، وتعطي الفرصة للأدعياء ليهاجمونه، دون أن نحاول أن نستخلص منه أسسًا لاستشراف المستقبل، ورقي الحاضر .

*وصف المرحوم د. جلال أمين قصة الحداثة عندنا بأنها محزنة، هل تتفق معه ؟ وما    الأسباب ؟

ـ رحم الله أستاذنا / جلال أمين ورحم الله والده الذي علمنا الكثير والكثير، التعاسة أو الحداثة هي حلقة من سلسلة إضعافنا، وسلخنا من هويتنا وقيمنا، لأنك لو فهمت تراثك حق فهم واستخرجت منه القيم التي تناسب عصرك وقواسمه المشتركة البناءة، لما انبهرت بالغرب، ولما صفقت لكل ناعق في البرية يأتني لنا بما يزعم أنه تجديد .

*هل فعلا المثقفون هم أقدر الناس على الخيانة كما قال لينين ؟

ـ لم يحدد لنا السيد لينين معنى الخيانة، أما إذا كان يقصد خيانة المبادئ والقيم، فأعتقد أنه صادق في ذلك، ما أكثر من يبيعون كل شيء من أجل صالحهم، جميع الفئات يا سيدي بينهم ميثاق غير مكتوب، حتى الفئات التي لا نعترف بأفعالها، أما المثقفون فلا يوجد أي ميثاق شرف بينهم، المهم صالحهم ومنافعهم، والشو الإعلامي الذي يسعون إليه .

*هل يمكن أن تشخص لنا أمراض الثقافة العربية ؟

وما العلاج؟

ـ أهم مرض أننا لا نفهم معنى الثقافة، وما دورها في تنمية المجتمعات، الثقافة ليس الشعر والقصة والرواية، بل فكر شامل يلعب دوره الحقيقي في رقي المجتمع ونهوضه، والمساعدة على مواجهة ما يسوده من أمراض اجتماعية، بعيدًا عن الادعاء والغرور والنرجسية، أما العلاج أكرر بالتعليم الحقيقي يمكن لنا أن نفهم معنى الثقافة ودورها الفاعل .

 *في قضية ” تجديد الخطاب الثقافي ” نسمع جعجعة ولا نرى طحنا، ما السبب ؟

ـ إنهم لا يفهمون مصطلحات تجديد وخطاب وثقافة، تحديد المفاهيم والمصطلحات أساس بحث أي قضية، نحن نفتقد الوعي بالمنهج العلمي في معالجة مشاكلنا، والذين يناقشون هذه القضية يجب أن يكونوا من الشباب المستنير، أما الذين أكل عليهم الدهر وشرب، أو رواد اجتماعات السبوبة، أقول لكم وأنا رجل اقترب من السبعين : أنتم لم تعدوا داخل الخدمة، آن الأوان لأن تستريحوا، وسيقدر التاريخ دوركم المشكور، أمل هذه الأمة في الشباب، ادفعوا بالشباب إلى الصفوف الأولى، علموه، ثقفوه، اجعلوه يخوض التجربة، قد يخطئ مرة ولكنه سيصيب ويقود بعد ذلك أمتنا إلى الأفضل والأحسن .

*ما رأيك في دور وزارة الثقافة وهل هي كما وصفها المرحوم الطاهر مكي ” شباك لصرف الرشاوى ” ؟

ـ لو وضعت وزارة الثقافة إستراتيجية حقيقية عبر آليات فاعلة هدفها صالح المجتمع، مع اختيار من يقومون على ذلك من الشباب الواعي المحب لهذه الأمة، أعتقد أن الأمر سيختلف، ولندعو الله بصلاح الحال والأحوال .

*ما رأيك في منح التفرغ ؟

ـ هل تريد أن تختم حديثك بكوميديا سوداء ؟، إذا أردنا أن ندعم الأدباء والباحثين الحقيقيين في بلادنا يجب علينا أن نبحث عن وسائل أخرى غير كوميديا منح التفرغ، أرى عمل دراسة علمية تقول لنا من الذي حصل على هذه المنح خلال السنوات العشر الأخيرة، على سبيل المثال، وماذا قدموا بالفعل لمجتمعهم ؟، أطالب بإلغائها على الفور، ولكم الأجر والثواب .

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. و ماذا فعل المثقفون طيله عقود للامة العربية بشكل عام

    تأملوا حولكم و لن تجدوا سوى بلدان خربه و اضطهاد و مافيات مال و تنفذ و عسكر و جماعات دينيه و جهويه و طائفية مقيته تعصر بلدان العرب عصرا

    ارجو من مثقفينا العرب ان يبحثوا في جدوى ما قدموا و سيكشفون انها ” اصفار و نكرات “

  2. ولا كلمة عن السياسة والأنظمة السياسية والسيسية والإعلام السيساوي والإعلام الناصري…حديث في فراغ،بدون ربط الثقافة بالسياسة فهذا سقط قول وحديث نفل ولا معنى له إطلاقا

  3. تفسير رائع ورؤية متكاملة. الرائد. د يسري عبد الغني لكم التحية

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here