الناقد فنانا للكاتب إوسكار وايلد

بغداد – حمدي العطار

تفتقر المكتبات الأجنبية إلى ترجمة رصينة لأعمال الكاتب المسرحي والروائي والشاعر الايرلندي (أوسكار وايلد) وهو مشهور برواياته (صورة دوريان، والامير السعيد) ولم نسمع بترجمة اعماله الا من قبل المترجم (حسن البحيري) لكن الكاتب والمترجم (قحطان الملاك) مثقف مغامر وهو يختار إحدى مسرحيات أوسكار وايلد وهي بعنوان (الناقد فنانا) مع بعض الملاحظات عن أهمية عمل لا شىيء.

يتصف أدب أوسكار وايلد بأسلوبه اللاذع وخفة دمه وفي روايته صورة دوريان الفلسفية تدور النقاشات بين السارد والرسام باسل حول لوحة رسمها لصورة شخص وسيم اسمه دوريان. ولا تبتعد كثيرا المسرحية التي ترجمها القحطان فهي عبارة عن نقاش فلسفي يخص أهمية النقد. وكما حال الفلاسفة الاغريق يبدأ النقاش بسؤال بسيط ومن ثم يتفرع ليشمل كل مناحي الحياة مع وجود نقطة ارتكاز تمثل الموضوع الأساسي. في هذه المسرحية يكون هناك سؤال يطرحه كلبرت على أر نست. وهو يخص أهمية النقاد في العملية الإبداعية “ما هي فائدة النقد؟ لماذا يجب أن نزعج الفنان بمادة النقد؟ لماذا لا يستوجب على النقاد الذين لا يمكنهم ان يخلقوا شيئا.، بأن يأخذوا على عاتقهم تقدير قيمة العمل الإبداعي؟ و ما الذي بإمكانه أن يعرفوا عنه؟

يتم توصيف أدب أوسكار بأنه (أدب ذاتي) اي الكاتب يركز على خبراته الذاتية.

ان اللغة التي تتحدث فيها شخصيات المسرحية وهي لا تتعدى اثنان وعلى ١١٧ صفحة هي لغة فلسفية راقية لا تجعل المتلقي يشعر بالملل وهذا يرجع إلى قوة الترجمة وصدق من قال المترجم مؤلف.

البعد الثقافي عند وأوسكار وايلد

اوسكار وايلد لم يشبع من الحياة فقد رحل مبكرا عن عمر يناهز 46 عاما (1854- 1900) وسبب الموت التهاب السحايا! اشتهر بحكمته فهو يقول “عندما كنت صغيرا كنت أظن أن المال أهم ما في الوجود واليوم بعد أن كبرت علمت أنني كنت على حق” كاتب مثل اوسكار وايلد لا يقدم نص مسرحي سهلا يعتمد كثيرا على الحوار الفلسفي وحسنا فعل المترجم (قحطان الملاك) حينما لم يقع في فخ الترجمة (الحرفية) أنما المنهج الذي أتبعه المترجم لتصدي للمسرحية هو ترجمة (المعاني) لذلك وفر لنا متعة القراءة البديلة للنص الاصلي من دون التفريط بالمعنى الذي يقصده اوسكار وايلد.

لنعود الى موضوع المسرحية والاجابة على السؤال (هل الناقد فنانا)؟ وبعد ان يسرد “إرنست “البعد الثقافي والتاريخي والفلسفي لعملية النقد عند الاغريق يتساءل “من هو في الحقيقة غير الإغريقي الذي استطاع ان يحلل الفن بهذا الشكل الجيد؟ بعد قراءتها لا عجب أن الاسكندرية قد وهبت نفسها بهذا الوسع الى النقد الفني” بينما في مداخلة الشخصية الثانية بالمسرحية كلبرت يرى بإنه”ليس هناك فن جميل من دون وعي ذاتي، والوعي الذاتي والروح النقدية هما واحدة” ويضيف “العصر الذي ليس فيه نقد هو إما عصر يكون فيه النقد جامدا… أو عصر لا يمتلك فنا على الاطلاق…أن الموهبة النقدية هي التي تخرج الاشكال الجديدة،الاتجاه إلى الابداع أو الاختراع يعيد نفسه”

النقد خارج الابداع

بعدها يأخذ النقاش اتجاه آخر ويطرح (إرنست) مفهوم النقد خارج الخلق والابداع! ويرى ان بعض الكتاب يتهم النقاد (بأنهم لا يقرأون كل أو لا يمرون على الأعمال التي يطلب منهم أن ينقدونها.لمعرفة غلة (العنب) ونوعية الخمر لا يحتاج المرء لأن يشرب كل البرميل!”

الموضوعية  عند اوسكاروايلد

قارئ كتب وروايات ومسرحيات اوسكار قد يتعلم (أدب النقاش) فهو مثلا في هذه المسرحية ( الناقد فنانا) يضع العناصر الثلاثة امامك بوضوح ، فأولا الموضوع وثانيا المؤيد للموضوع وثالثا المعارض، وترى ان الاختلاف بين كلبرت وإرنست لا يتجاوز الموضوعية في الجدل الى الخروج  لتناول قضايا شخصية،،فبعد نقاش حول (المزاج النقدي) يصل المتحاوران الى شيء من التعجب وهما يكتشفان حقيقة ان يكون الناقد فنانا ،فيقول كلبرت بعد ان كان يشك فيما يطرحه إرنست من ادلة وحجج وبراهين في كون الناقد فنانا ليقول “لكن بالتاكيد، النقد بحد ذاته فن، ومثلما يقتضي الخلق الفني للعمل للموهبة النقدية، وحقا، إنه فن دونها  يمكن أن يقال بأنه  لا يوجد إطلاقا” وهنا تتبادل الادوار وتتغير القناعات ليصبح المؤيد لفكرة الموضوع مستفسرا والمعارض مقتنعا، فيسأل إرنست ” لكن هل النقد هو حقا فن خلاق؟” ليرد كلبرت “بإمكاني أن أطلق على النقد بأنه إبداع(خلق) في داخل إبداع (خلق) هنا تبرز اهمية الترجمة للمعنى التي قد يفشل افضل المترجمين احيانا ويرتكبون أخطاء في فهم المعنى، لكن تتوضح هوية واسلوب المترجم حينما يذكر كلمة مرادفة للابداع ويكررها وهي (الخلق) بعد شيخوخة او موت ما يسمى بالبلاغة في الادب ظهر (علم الاسلوب) واصبحت الترجمة تعتمد على انواع متعددة من اساليب التعبير منها (الادبي والثقافي والفني) واصبح الناقد من وجهة نظر أوسكار “يعيد صيغة العمل الذي ينتقده في اسلوب لا يمكن ان يكون تقليدي أبدا” وهو يعد الناقد (أنطباعي) وليس (كمعبر)  وينتهي الفصل الاول من المسرحية وحالة عدم التأكد تسبح في فضاء وافاق الجدل الفلسفي:-

إرنست: آه! إنك تعترف، بعد ذلك، بأن الناقد من المحتمل أن يسمح له بفترات لكي يرى الموضوع كما هو في نفسه وما هو حقا.

كلبرت: أنا لست متأكدا تماما، من المحتمل أن اعترف بها بعد العشاء، هناك تأثير لطيف في العشاء.

الناقد مفسر لدى اوسكار وايلد

في الفصل الثاني من مسرحية (الناقد فنانا) اراد كلبرت الشخصية الثانية في المسرحية ان يتوسع بالنقاش  مع إرنست “المناقشات يجب ان تمس كل شيء… دعنا نتكلم حول السخط الاخلاقي، أسبابه ومعالجته…أو حول The survival The The thersites يمكن ان يفهم من هذه الجملة غير المترجمة (ولا اعرف السبب لعدم ترجمتها) بإنها تعني “الكفاح من أجل النجاة” لكن تكرار كلمة The  وما يتبعها من كلمة Thersites لم تكن تعني اي شيء!” لكن اوسكار اراد من خلال اجابة إرنست ان يشبع النقاش حول ثيمة المسرحية وهي مفهوم النقد وفنية الناقد “كلا إنني أود أن أناقش الناقد والنقد” وهنا يطرح اوسكار الناقد كمفسر حقيقي” لأن الناقد بإمكانه أن يفسر شخصية وعمل الآخرين! لكن إرنست يرى “ان الناقد المفسر سوف يعطي ليس أقل مما يأخذ، ويعير بقدر ما يستعير”

وظيفة الروح النقدية

في جوانب النقاش تبرز مفاهيم بحاجة الى الشرح والتوضيح، مثل (الروح النقدية) والذي يقول عنها كلبرت  “النقد الحق غير الذي يحمل في أعماقه الاحلام والافكار ومشاعر الاسلاف القديمة…ان اسلوب النقد ببساطة مزاجا..فالرجل الذي يتعلق بماضيه هو الرجل الذي يستحق ان لا يكون أي مستقبل ينظر إليه” ثم يتم التطرق الى (التنويرية) و(الرمزية في الشعر) و(الرومانسية)

وتنتهي المناقشة في المسرحية الى جدولة ما تم التطرق اليه ” من الصعب ان تتكلم عن الشيء من أن تفعله،،بان كل الفنون هي لا اخلاقية وكل الافكار خطره،، بأن النقد هو اكثر إبداعا من الابداع،،وان ارقى نقد هو ذلك الي يكشف في العمل الفني مالا يصغه الفنان”

نثني على جهد المترجم (قحطان الملاك) لترجمته هذه المسرحية الفلسفية التي على درجة من الصعوبة،خاصة وان اوسكار من الكتاب الذين يغوصون في أعماق الانسان للتعبير عن مشاعرهم وافكارهم

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here