الموناليزا تتحلل من وقار اللوفر وتتسكع في شواهد حجرية لعصابات السلاح !

  monaliza

لندن ـ “رأي اليوم”:

 

من أرخ لتاريخ الوجود البشري منذ بدء الخليقة وشهد على وجوده ومراحل تطوره الزمنية كان الحجر ، ومن يؤرخ لنهاية الإنسان ، هو أيضا شاهد الحجر ..

يا للمفارقة ..

هناك حس فني للوجود يتجلى في مفارقاته ، فحقبة العصور الحجرية القديمة التي بدأ بها السلم الزمني كانت بمثابة البوصلة التي ترشدنا إلى بواكير التكوين وحيثياته . من الحجر تحديدا الذي وضح بمقاربة كبيرة الفواصل الزمنية وامتداداتها ، واستنادا إلى جدران الكهوف السحيقة ومنحدراتها الصخرية تحت الكتل الحجرية فإن الرسومات المتفرقة التي تم العثور عليها هناك ، حددت ملامح المراحل وطبيعة الحيوات ما قبل الحجر وبعده ، بالحجر وحده .

من أربعين ألف سنة وفي إسبانيا –بشكل خاص –  كانت الكهوف خارطة الطريق إلى العصور ، عبر الفن ، فالرسومات التي أظهرت أسرابا لغزلان برية وحيوانات وأيدي بشر بنفس تجريدي هائل كانت من وجهة نظر بعد الأكاديميين والباحثين حيلة من الحيل التي ابتعها القدماء في غزوات القنص ، أو هي عند شعوب أخرى مشاهد من احتفلات وشعائر دينية مقدسة ، لم يقم الرجال وحدهم بتشكيلها بل إن عميد جامعة بنسلفانيا اقترح الأنثى مبدعا لهذا الوشم التذكاري أو الفن الصخري  الذي حمله الحجر أمانة للعصور اللاحقة .  

 

احتيال على الاحتيال

 

لوح الشاهد الحجري على القبور هو الذي يحفظ أسماء الموتى في رحلة الزمن الصامت  ، وألواح الحجارة النيئة ” الطين ” هي التي استطاعت نقل زمن الملحمة الجلجامشية إلينا وحفظها من الاندثار في رحلة الزمن الجارف . . . فكيف يصبح الفن ابن الحجر الشرعي ورسالة التواتر المثلى بين الأجيال ؟

كله احتيال !

احتيال على الموت ، على التكوين ، على البقاء والفناء معا ، واحتيال على الحجر بالصور ، وعلى الزمن بالوشم ، وعلى النسيان بالشواهد ، وأهم من هذا كله أنه  احتيال على الاحتيال !

 

رشق بالغيم

 

منطقيا واستنتاجيا تكون الكهوف هي أول معارض فتية في تاريخ الإنسانية .

والجداريات باكورة اللوحات الملحمية في كل العصور ، وبما أن الزمن يدور ، فإنه لا بد أن يعود إلى الوراء ، وتخرج الكهوف من قمقم التاريخ السحيق ، لتجوب الشوارع في ملحمة حداثية ، تسمى فن الشوارع أو ” الجرافيتي ” ، معارض فنية  في الهواء الطلق ، جداريات معلقة على كتف السماء ، حتى كأن المدن والأحياء هي جداريات الاحتيال المعاصر التي استبدل بها فنانو الشوارع كهوف الإنسان القديم .

وإنه بانسكي !

الفنان البريطاني ابن مدينة بريستول ” 1974 ” الملثم _ الغامض _  الذي لم يعرفه أحد ، جاب شوارع المدن واقتنص الجداريات الأشهر ، ليحتال على السياسة بالفن ، ويغير المشهد النخبوي باختطاف الموناليزا التي تلتصق بجدارية اللوفر بكل بهائها وأنوثتها ليحولها في فن الشوارع إلى موناليزا شعبية في فرقة عصابات السلاح ، تحمل القذائف ، وتتحلل من   وقار الساحة الفنية الأوروبية بكل تقاليدها الصارمة ، في جداريات المدن المفتوحة والأرصفة المتسكعة !

إنه التسلق الرشيق على حائط المجاز ، خربشة على مرايا الحجر بريشة الماء ، كأنه يرشق الغيم على صفحة السماء !

 

فن يتسلح بالشوارع ليكافح الاستبداد

 

يراه جوناثان جونز في تقريره في الغارديان ملك الشوارع ، المحتال ،  ولكنه يضع سيناريو فريدا من نوعه ، إذ تخيل الفنان الأمريكي ” آندي راهول ” ( 1928-1987 )    على قيد الحياة ، يرحب بفن بانسكي ، ويباركه في الساحة الفنية في نيويورك  ، خاصة وأن راهول هذا قاد حراكا فنيا اسمه ” البوب آرت ” جمع فيه عددا من الرسامين في مشروع واحد ، يضفي طابع الشعبية على الفن ، ووهو ما يرى فيه جونز إثارة للمتعة الفنية في طقوس لا تنتمي إلى المعارض المغلقة ، وقد لا يعترف بها النخبيون ، إلا أن صاحب الغارديان يؤكد أ ن الفيصل في الحكم هو الرسالة الحقيقية التي تتمثل بأسلوب نشر الفن وهي عنده أكثر أهمية من الفن نفسه .

جاء تقرير جوناثان في ظل إقامة بانسكي لمعرض مفتوح في نيويورك لشهر كامل ، ولكن كيف يعتبر هذا الفن الشوارعي ” بالمنظور الإيجابي ” إبداعا يكافح الاستبداد ؟

ربما في إثبات القدرة على التنافس الحر ، وتبني الفلسفة الأخطر بديناميكية نشر العمل الإبداعي عبر الناس ، لا عبر المختصين ، خاصة وأن هذه الاحتيالية تلاقي إقبالا من الجمعيات والمؤسسات ، وفيما بعد زادت خطورتها عندما تعرضت لقراصنة الشوارع الذين يختطفون جداريات الجرافيتي ويعرضونها للمزاد العلني من دون موافقة صاحبها !

 

النخب بانقراض !

 

وباللعب على وتر الافتراض والاحتيال ، يتوقع جونز أن هذا النوع من الانتشار السريع الذي يحصد شعبية كبرى في فترة أقل ،  سيتيح المجال لفناني الشوارع بالسير على خطى أبطال الثمانينات تحديدا 1980 ” كيث هارينغ ، شان مايكل باسكييت ،و رغم أن بانسكي قد يبدو موهوبا عاديا  ، إلا أن جونز قد لا يراه كذلك  :

(لا أحد يريد أن يكون نخبويا ويشجب فن الشوارع ، إنه طوطم مقدس ، أن تملك الحق لترسم على جداريات الآخرين في عمرنا ، فن الشوارع فن مبجل ويتجاوز النقد ..)

الكاتب تنبأ بمستقبل يمكن فيه لأي شخص أن يكون مجهولا لخمسة عشر دقيقة ، مما أثار حفيظة قرائه ، ودهشتهم ، كأن هناك صراعا على البقاء ، أو الحجر إن توخينا الدقة والمكر في التعبير .

 

فنان الظل والرقيم

 

كان يصعب على أحد معرفة بانسكي ، وبعض ما يعين من المعلومات على اكتشاف حياته لأنه كان غامضا جدا ، وماهرا بارتداء الغموض ، حتى كأنه يتسلق على الجدران بخفة الظلال ، دون أن يستطيع أي أحد الإمساك به !

أسس لمدرسة الاحتيال في العالم ، فسار على نهج ثورته الفنية هذه فنانون عديدون من بلاد كثيرة ، كالروسي نيكيتا نومرز ، والفنانة الإيطالية ألسي باسكويني ، وسام الإسباني ، وماك اللوس أنجلوسي ، وكلهم صعاليك الجدر والحجر والأزقة ..

إنه الحجر ، رسالة الرقيم إلى لوحة الإبداع المحفوظ ، في كنف الدولة الآن ، التي تسعى لجمع جداريات هذا المحتال ملك الشوارع الملثم ، لتقوم بحفظها من قراصنة الحجر ، وتتكفل برعايتها كذخر قومي للبلاد التي لا تغيب عنها الشمس !

من يدخل إذن في غيبوبة الزمن الآن ؟

هل حانت ساعة الصفر بمقيات الاحتيال ؟ هل صدق جوناثان جونز وبدأ العد التنازلي للخمسة عشر دقيقة التي يتحول فيها بعضهم إلى مجهولات في عالم لا تمكن رؤيته من وراء جدار !

 

 

 

 

 

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here