المولدي اليوسفي: مقارنة بين أحداث 11 سبتمبر ومقتل خاشقجي

المولدي اليوسفي

قد يبدو الحديث عن التشابه بين مقتل خاشقجي وأحداث 11 سبتمبر مستغربا فالحدثين مختلفين في العوارض الذاتية وفي مساحة الفعل وفي الفاعلين نوعية و تكوبنا و عزما و حزما. يشدنا هنا، فعلا، الاختلاف ففي احداث 11 سبتمبر اتضح ان فريق التنفيذ مدرب بمهنية و عازما حازما ايمانا بما يفعل اما في مقتل خاشقجي فيظهر الفريق اقرب للرعونة مضطربا مرتابا لا ثبات و لا ايمان ينزل  بفندق ليغادره بعض ساعات فاقد الثقة بالنفس و بجدوى ما فعل وهو ما ظهر جليا في حركات القنصل وهو يرافق مصور وكالة رويترز للأنباء داخل أروقة القنصلية في حين كان فريق احداث 11 سبتمبر اسطوري في رباطة الجأش و هو يتجه نحو الموت هنا يكون الفرق بين الايمان بالفعل فالفاعلين كانوا معتقدين أنهم مارون إلى جنة الرحمان و نعيم  لا يفنى و رضاء من الله أهم. هذا ما تربوا عليه واستوعبوه يقينا. في حادثة اغتيال خاشجي كنا امام  أداء مرتزق والفرق كبير. كما ان الاعداد لم يكن جيدا لان الفعل كان مستعجلا لم يكن عملا في مسار استراتيجي كما كان الحال عند القاعدة.

لكن رغم هذا نجد تشابها بين الحدثين في لا يظهر و هو المنتفع و هي أمريكا ففي الحالتين كانت المخابرات الامريكية على علم و في الحالتين لم تمنع بل ساعدت و في الحالتين تتحصل أمريكا على الغنيمة المالية و توظف التبعات لغايات سياسية دولية:

ففي احداث 11 سبتمبر:

–  تخلصت امريكا من برجين مهددين بسقوط كارثي فكان انهيارهما في الحادث اخف كما تظهر ذلك الصور الموثقة للحادث الذي رتبت له بتزامن اصطدامهما بالطائرتين و انفجار ما زرع تحتهما من الغام. ثم غنمت الإدارة الأمريكية باتهام لم يعلن عنه للسعودية وظلت تبتزها إلى اليوم وغدا أكثر.

–  باتهام القاعدة التي رعتها حتى قوي عودها و الزج بطالبان في القضية ووضعها بين اختيارين احلاهما مر وهما اما تسلمها أسامة بن لادن  زعيم القاعدة أو تشن عليها حربا و الإدارة الأمريكية تعلم يقينا ان تجذر المولى عمرو من حوله يمنعه من تسليم أخ في الدين رفيق درب الجهاد لذلك كانت مستعدة للحرب قبل رد طالبان فشنت على الشرق الاسلامي حربا كانت بدايتها في افغانستان ثم امتدت الى العراق فالشام و لم تنهي بعد….

في مقتل خاشقجي:

– قبل الحادثة مباشرة هرسل ترامب ملك السعودية بطريقة تعمد بها اذلاله محقرا اياه ناعتا سلطانه بالضعف. اذ ذكره مرات أنه لا يصمد أسبوعين دون حماية الولايات المتحدة الأمريكية. ليبين انه منطقيا عليه ان يدفع المال مقابل هذه الحماية. و لان خاشقجي استهجن هذا السلوك في أحد تغريداته على تويتر و لان ابن سلمان صرح ان المملكة السعودية تحمي نفسها بالسلاح الذي تشتريه من مالها و أنها بذلك غير مدينة في هذا لأي كان….و لان ترامب كان على علم بأن ابن سلمان يسعى للتخلص من خاشقجي الذي ينقده و يدعو لإطلاق مبادرة تحيي الربيع العربي و بث وعي وطني عربي و هو ما لا يرضاه لا ترامب و لا الصهاينة لم يسع لحفظ خاشقجي و هو يعلم ما ينتظره في القنصلية السعودية بل أرجح أن يكون ترامب  من مهد للجريمة و هذا دهاء سياسي يحسد عليه وجعل فوائده مضاعفة:

1- فهو يتخلص من شوكة بدأت تنبت في طريقه و هو مشروع خاشقجي الذي كان، لو طور، سيقلق العواصم الغربية التي تتاجر بحقوق الانسان في مجال المفاهيم لكن تمنع تطور كل ما قد يحققها في مجال الواقع في البلدان التي تحافظ على استغلالها.

2- يحكم وثاق غفير حدثته نفسه برفع صوته فيزيد في اذلاله واستعباده فبوقوع الجريمة يغنم ترامب ما ستدفعه المملكة السعودية التي لن تجد من يحميها من الرأي العام الدولي سواه.

3 – ورط تركيا بجعل ترابها مسرحا للجريمة و معلوم ان لترامب ثأر عند الحكومة التركية هدفه رفع الإقامة الجبرية و المنع من السفر على القس برانسون خاصة بعدما فشلت العقوبات الاقتصادية في الفل في العزيمة التركية. الا انه بحريمة قتل خاشقجي غنم ترامب حرية القس برانسون. اذ استوعبت الحكومة التركية الخطة فاستعجلت اخف الاضرار فكان سراح القس قرار محكمة تركية مستقلة….

4- على مستوى السياسة الدولية تغنم أمريكا مزيد اذعان السعودية لما تريده خاصة مع ما لحق آل سعود من عزل إقليميا و هو ما لا يترك لها الا مزيد الاقتراب و الرضوخ للصهاينة و هم مثل أمريكا لا حدود لجشعهم.

يبقى سؤال مطروح هل التسجيلات التي تتحدث عنها الجهات التركية كلها من ساعة المغدور ام هناك مصادر أخرى ….ما هي؟ اين و لماذا وضعت؟ هل علمت جهات تركية بما كان سيحدث فاتخذت احتياطات فمن اعلمها و لماذا؟…. لا وجود لخدمة مجانية في هذا المجال……كما يبقى قتل جمال خاشقجي قرار ترمبي لا جدال فيه.

و يبقى الأهم تبلور وعي وطني عربي بما يحاك للمنطقة العربية و الايمان في المقابل بقدرة الشعب العربي على قلب المعادلة و قد كان هذا واضحا في افشال صفقة القرن…..فالتخطيط الامبريالي ليس قدرا محتوما بل يواجه ان صدقت النوايا و وجد العزم و الحزم.

(أستاذ علم اجتماع سياسي بالجامعة التونسية)

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. نشاركك الرأي في كل ماقلته وطرحت إلا ما ذكرت ؛
    ( و يدعو لإطلاق مبادرة تحيي الربيع العربي و بث وعي وطني عربي و هو ما لا يرضاه لا ترامب و لا الصهاينة لم يسع لحفظ خاشقجي و هو يعلم ما ينتظره في القنصلية………… )
    هل الصهاينة وترامب لايرضون بما حدث ويحدث الآن في سوريا وليبيا واليمن وتونس ؟ كل هذا الدمار والخراب وخسارة الأرواح وهتك الأعراض والجوع والقحط وهجرةونزوح ملايين البشر لايرضى به الصهاينة ولا ترامب !!!.
    لا ياسيدي اعتقد انه اكثر مما يحلم به هؤلاء قد حدث للعرب جراء هذه الفوضي .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here