المواطن الليبي بين مطرقة المليشيات وسندان داعش

 

د. ابوالقاسم علي الربو

لاتزال الطريقة التي تم بها اقتحام مبنى المؤسسة  الليبية للنفط  والواقعة في قلب طرابلس العاصمة وعلى بضع كيلومترات من حصن ابي ستة يلفها الغموض وتلقي بكثير من الشكوك والريبة حول منفذيها والطريقة التي دخلوا بها الى داخل المبنى وتنقلوا من خلالها عبر طوابقه بكل اريحية وهدوء, هذا المبنى الذي  كان من المفترض من الناحية النظرية ان يكون من ضمن المباني المحصنة والتي تخضع لحراسة مستمرة طيلة الاربع والعشرين ساعة , استطاع عدد بسيط من المهاجمين  ( لايتجاوزون الثلاثة اشخاص)  من الدخول الى المبنى بكل بساطة باحثين عن الاقسام التي يستهدفونها دون غيرها وكأنهم يمثلون فيلما يتبعون فيه تعليمات واوامر المخرج بكل دقة  واحترافية. وقد اظهرت كاميرات المراقبة الموجودة بالمبنى صورا ثابثة للمهاجمين وهم يبتسمون لهذه الكاميرات وكأنهم حريصون على الظهور بهذا المظهر الهادي المبتسم والذي يدل دلالة واضحة على انهم لم يبدلوا اي مجهود من اجل الولوج الى واحدة من اهم الهيئات الليبية والتي تتحكم في كل ما يخص النفط الليبي ابتداء من المسح الجيولوجي للمناطق المستهدفة الى التسويق الدولي مرورا بكل العمليات الاخرى والتعاقدات المحلية والاقليمية والدولية هذا الاقتحام الذي ادى الى مقتل شخصين واصابة اخرون اصابات تتراوح من البسيطة الى الخطيرة.

ويعتبر الليبيون حديثوا عهد الى حدا ما بتنظيم داعش  وطرقه وادواته في عمليات التفجير والانتقام وغيرها من الاساليب التي اصبحت علامة مسجلة باسمه والتي لم يتعود عليها الليبيون الا مؤخرا بعد ان نشط هذا التنظيم في العديد من المناطق الليبية مستغلا الفوضى وانتشار السلاح وانهيار المنظومة الامنية للدولة , عرفه جل الليبيون من خلال مقاطع فيديو  انتشرت بينهم تبين عناصره يوثقون اعمالهم  داخل ليبيا والتي تباينت بين مبايعة لزعيمهم ابوبكر البغدادي واخري تصور العمليات التي يقومون بها والتي تضمنت تفجيرات وعمليات قتل وقطع للرووس وانتقام وتنكيل بالجتث وقد استهدفت  في العادة اما معسكرات او مراكز للشرطة او نقاط امنية للتفتيش , وقد تركزت معظم اعمالهم السابقة  في المناطق الشرقية والجنوبية والوسطى من ليبيا ولم يكن لطرابلس نصيبا من نشاطاتهم الا في مناسبتين الاولى عندما أستهدف فندق كورنتيا الذي يقع في قلبها بسيارة مفخخة  تلاها هجوم  قام به مسلحون اسفر عن مقتل عشرة اشخاص من بينهم خمس اجانب وقد اعلن التنظيم في حينها انه قام بهذه العملية انتقاما لمقتل عضوء القاعدة  ابوانس الليبي في السجون الامريكية وبعد هذا الهجوم الذي وقع بتاريخ 27/1/ 2015 وقع هجوم اخرعلى المفوضية العليا للانتحابات بطرابلس في شهر مايو اسفر عن مقتل 20 شخصا واصيب اكثر من عشرون اخرون بعد ان اضرموا النار في مكاتب المفوضية . وبعد هذين الهجومين لم يسجل اي نشاط لهذا  التنظيم الى ان وقع الهجوم الاخير الذي استهدف المؤسسة الليبية للنفط, وهذا الامر جعل الليبيون وخاصة القاطنون بالعاصمة طرابلس وضواحيها  يشككون في مسئولية تنظيم داعش عن هذا الهجوم رغم انه تبناه في بيان منسوب اليه تم تداوله في الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الاعلامية المحلية والعالمية  .

وقد ذهب هؤلاء المشككون في فرضياتهم الى انه هناك الكثير من المعطيات التي تثبت امكانية تطابق هذه الشكوك مع الواقع , وطرح بعض المحللين والمدونين على شبكات التواصل ملخصا لاهم هذه المعطيات , حيث اشار مجموعة من هؤلاء الى انه نادرا ما يستهدف هذا التنظيم مباني ادارية بحثة خاصة عندما تكون هذه المباني  تحت حراسة مشددة , هذا من جهة ومن جهة اخرى فان وقوعها داخل وسط العاصمة التي تشهد ازدحاما كبيرا يعيق تحرك افراد هذا التنظيم بطريقة مرنة تتيح لهم اصابة اهدافهم بدقة تجعل هذه الاهداف ليست على اولوياتها , واضاف هؤلاء الى ان المبنى الاداري  يتناوب على حراسته عدد لاباس به من الحراسات طيلة اليوم ومع هذا تمكن المسلحون من الدخول اليه بكل بساطة ودون اي مقاومة الامر الذي يلقي بشكوكه حول الجهة المنفذة , كما ان تاخر التنظيم في تبنيه لهذه العملية على  غير عادته يثير الشكوك ايضا , وهناك اتفاق شبه تام بين هولاء المدونون بان توقيت الهجوم والذي اتى بعد يوم واحد من اتفاق المليشيات مع مندوب الامم المتحدة في مدينة الزاوية على وقف اطلاق النار  والبدء في الاعداد لجعل العاصمة خالية من كل التشكيلات المسلحة يجعل شكوكا اخرى تحوم حول هذا العمل ومنفديه.

, هذه النقاط وغيرها تمت مناقشتها انطلاقا من مبدا انه اذا اريد معرفة الفاعل فيجب معرفة المستفيد, والذي اراد من خلال هذا العمل التاكيد على ان العاصمة ليست امنة وان تنظيم داعش قد وجد فيها مناخا خصبا لتنفيذ مخططاته الرامية الي بث الخوف والفزع خاصة بعد ان اصبحت المنطقة الشرقية محصنة ضد هذه العمليات وبالتالي بعث رسالة مفادها انه ليس هناك بد من الاستعانة بالقوات الموجودة للتغلب على هذا التنظيم ومحاربته. كما ان البعض الاخر اشار الى ان المليشيات الموجودة بطرابلس هي ايضا قد تستفيد من هذه الاعمال لتبين من خلاله ان العاصمة لن تكون بامان اذا ما تم خروج هذه التشكيلات منها وان تنظيم داعش لديه عناصرنائمة  داخل العاصمة وهي تنتظر الظروف المناسبة لتنفيذ عملياتها ,  وخروح المسلحين حسب الاتفاق الاخير من العاصمة  سيكون احد هذه الظروف التي ينتظرها  هذا التنظيم وبالتالي يجب اعادة النظر في الانفاق الذي رعته  الامم المتحدة حتى تكون العاصمة محمية من الاعمال التخريبية التي سينفذها هذا التنظيم اذا ما خرجت هذه المجموعات.

  وبعيدا عن كل هذه التحليلات والتخمينات ومدى قربها او بعدها عن الحقيقة الغائبة سيبقى المواطن وحده من يدفع الثمن وهو الواقع بين مطرقة هذه التشكيلات وسندان هذا التنظيم  , وسيظل المواطن نفسه هو من اتفق الجميع على زيادة معاناته والامه وسيبقى الوضع على ما هو عليه  سائرا الى الاسوا مالم يكن هناك ارادة قوية من اصحاب القرار وبمساعدة اقليمية ودولية  بالخروج من هذا المازق وهذا لايتاتى الا بمساعدة جميع الليبيين والابتعاد عن نظرية المؤامرة وشيطنة الاخر.

 كاتب ليبي

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

3 تعليقات

  1. التغيير يبدء بالنفس أولا لا بالإستعانة بالغرب ومن يعادينا لتحقيق الديموقراطية والحرية وتبادل المناصب السياسية والقضائية والعسكرية بين جميع المواطنين من له ما يقدم أفضل بدون تمييز وعنصرية بينهَم. تأمر على البلد وخيانة البعض وإسقاط والقضاء على نظام القذافي لم يبدل شيء ما كان يطمح إليه المواطن ومن تأمروا وخانوا إخوانهم جاؤوا بالأسوء وهم أكثر طمعا وتعانقا بمسخ ونجس الدنيا.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here