الموازنة والدبلوماسية والتجارة… تداعيات انسحاب بريطانيا بالنسبة للاتحاد الأوروبي

بروكسل ـ (د ب أ) – ليس هناك شك في أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) في آذار/مارس المقبل، بعد عضوية استمرت 46 عاما، ستكون له تَبِعات على الأعضاء الـ 27 الباقين في التكتل، على المدى البعيد.

فيما يلي لمحة سريعة على الآثار المحتملة لبريكست على باقي دول الاتحاد.

وفقا لبيانات تعود لعام 2017، تعد بريطانيا صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، كما تحتل المرتبة الثالثة بين الدول الأعضاء من حيث التعداد السكاني، بعد ألمانيا وفرنسا.

ولم يتضح بعد النهج الذي ستسلكه عملية انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد، ولكن غياب لندن عن التكتل من شأنه أن يُخلِّف أثارا كبيرة في المجالات الآتية:

موازنة الاتحاد الأوروبي بريطانيا من أهم الدول الأعضاء التي تقدم مساهمة صافية في موازنة الاتحاد الأوروبي، ومن المتوقع أن يترك الخروج فجوة تمويلية تصل إلى 14 مليار يورو (حوالي 9ر15 مليار دولار) في الموازنة المقبلة، التي تستمر سبع سنوات.

ويأتي ذلك في الوقت الذي يواجه فيه الاتحاد الأوروبي مزيدا من التكاليف لمواجهة تحديات تشمل الهجرة غير الشرعية وتهديدات أمنية.

وتبعا لذلك، فإن الدول الأعضاء الباقية مطالبة بأن ترفع حجم مساهمتها في الموازنة عن النسبة الحالية، 1 بالمئة فقط من إجمالي الناتج المحلي لكل دولة.

ولكن المفاوضات بشأن الموازنة الأوروبية عقب خروج بريطانيا، ستختلف بشكل كلي، وسيكتنفها التوتر، وربما تثور خلافات حادة.

السياسة الخارجية بعد رحيل بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، سيفقد التكتل عضوا دأب على الأداء بقدرات فائقة في مجالي السياسة الخارجية وشؤون الدفاع، ليبقى له صوت وحيد ضمن الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن الدولي، ألا وهو فرنسا.

ولطالما احتفظت لندن بعلاقات وثيقة بينها وبين واشنطن، كما أنها مرتبطة بمجموعة من المستعمرات البريطانية السابقة في بقاع شتى من العالم، والتي تنضوي تحت التاج البريطاني، دول “الكومنولث”.

كما أن بريطانيا هي ثاني أكبر مساهم في موازنة منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بعد الولايات المتحدة. وقد سعى الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز نفوذه بشأن المسائل العسكرية عبر أنماط جديدة من التعاون، ومن شأن غياب لندن أن يحد من نطاق مثل هذه المساعي المشتركة.

وفي ما يتصل بالسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، كانت بريطانيا دوما في طليعة الدول التي تأخذ بزمام المبادرة وتتبنى خطاً متشدداً تجاه روسيا، و نظام عقوبات صارم ضدها، كما كانت تناصر بقوة جهود توسيع التكتل الأوروبي.

ولعبت لندن دورا رائداً في إطار كبح جماح طموحات إيران النووية، وكانت ضمن ثلاث دول أوروبية ساهمت في التوصل إلى الاتفاق النووي بين طهران والقوى العالمية والمعروف رسميا باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة”، لعام 2015 .

أما في ما يتعلق بالسياسات التي تبناها الاتحاد الأوروبي بشأن العقوبات، فقد كان لبريطانيا ” تأثير هائل” في هذا الشأن، وفقا لتقرير معلومات مقدم للنواب البريطانيين ، وتم نشره في أيلول/سبتمبر الماضي.

وجاء فى التقرير أنه “ربما كانت بريطانيا أهم مصدر للمعلومات الاستخباراتية للاتحاد الأوروبي… وبعد الخروج، هناك احتمال كبير أن يصبح الاتحاد الأوروبي أقل حماساً بشأن العقوبات، بشكل عام.”

توازن القوى داخل الاتحاد الأوروبي أخذت مراكز النفوذ داخل الاتحاد الأوروبي في التحول سريعاً عقب تصويت ناخبي المملكة المتحدة بالموافقة في استفتاء على الانسحاب من التكتل، حيث بدأت لندن في فقدان نفوذها في بروكسل، عاصمة بلجيكا والتكتل، بحسب تقرير للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، وهو مؤسسة بحثية.

وربما يؤدي ذلك إلى إثارة القلق لدى الذين اعتمدوا على لندن في السابق كـ “رمانة ميزان”، في مواجهة محور ألمانيا-فرنسا الذي يقود دفة المشروع الأوروبي.

وفي نفس الوقت، شجع قرار بريطانيا الرحيل عن الاتحاد الأوروبي الجماعات الإقليمية صاحبة النفوذ، مثل تجمع “فيشجراد” في أوروبا الشرقية، والذي يضم أربع دول هي، جمهورية التشيك والمجر وبولندا وسلوفاكيا، ومؤخرا تجمع “الرابطة الهانزية الجديدة” الذي خرج إلى النور في وقت سابق العام الجاري، والذي يضم ثماني دول شمالية تتسم بالتحفظ على الصعيد المالي.

ومن المتوقع حدوث المزيد من التحولات في إطار قيام باقي الدول الأعضاء بتعديل أوضاعها بعد انسحاب لندن.

الأعمال التجارية

ربما يكون التأثير الأكبر لبريكست، وهو في نفس الوقت الاحتمال الاقل قابلية للتنبؤ به، هو التأثير على الشركات والأعمال التجارية الأوروبية المرتبطة ببريطانيا. فالخروج سيخلف أثارا على المستثمرين أصحاب الأصول في أسواق لندن، وأيضاً على المؤسسات الصناعية التي تمتلك خطوط تجميع في مصانع إنجليزية.

وتتراوح السيناريوهات المحتملة من “خروج سلس” للمملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، واستنساخ وثيق للقواعد التجارية الحالية من أجل تنظيم العلاقات المستقبلية، إلى خروج غير منظم، أو بالأحرى فوضوي، ينجم عنه الوقف الكامل في تطبيق القواعد الأوروبية في بريطانيا بين عشية وضحاها.

وفي أسوأ السيناريوهات، ستتكبد الشركات الأوروبية داخل القارة مبالغ باهظة نتيجة التأخيرات في وتيرة التبادل التجاري مع بريطانيا، مما يعني أن معظم هذه الشركات لن تشهدا تغيرا كبيرا، في الوقت الذي لن تطبق فيه المنتجات البريطانية المعايير القياسية لمثيلتها من الاتحاد الأوروبي. وسيواجه النقل التجاري بين بريطانيا والاتحاد المزيد من الصعوبات، وسيعاني قطاع الخدمات أيضا.

ومن الممكن أن تفقد ألمانيا وحدها 14 ألف وظيفة في مجال صناعة السيارات، وفقا لدراسة تعود لشهر كانون ثان/يناير .2018 وفي أنحاء أوروبا، قد تصل خسائر خروج غير منظم، على المدى البعيد، إلى تراجع يصل إلى 5ر1 بالمئة من إجمالي الناتج الاقتصادي سنويا، وفقا لتوقعات صندوق النقد الدولي.

السياسة التجارية كانت بريطانيا دوما مدافعا صلدا عن التجارة الحرة والنزيهة، وأحد المهندسين الرئيسيين لإقامة “السوق الأوروبية الموحدة”. وفي ظل تنامي الإجراءات الحمائية التجارية على الصعيد العالمي، مدفوعة جزئياً بالاجندة التجارية، للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سيفتقد الاتحاد الأوروبي كثيرا جهود بريطانيا في الدفاع عن التجارة الحرة والنزيهة.

وفي هذا الشأن، نوهت مفوضة التجارة بالاتحاد الأوروبي، سيسيليا مالمستروم، بتنامي التأييد من أجل تبني سياسة تجارية طموحة في أنحاء التكتل، وعلى الرغم من هذا “ستظهر أثار غياب بريطانيا بقوة”.

وقالت مالمستروم: “بالتأكيد… سنخسر صوتاً قويا داعماً للتجارة (الحرة والنزيهة) … يا له من أمر مؤسف”.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here