المواجهة الدولية على أرض الشام تعبر خطوط السلاح النووي معركة الغوطة الشرقية أو الفصل ما قبل الختامي في حرب السبع سنوات

عمر نجيب

 وافق مجلس الأمن الدولي يوم السبت 24 فبراير 2018 بعد نقاشات ساخنة استمرت عدة أيام على قرار يدعو لهدنة 30 يوما في كل الأراضي السورية للسماح بدخول المساعدات الانسانية والإجلاء الطبي لمناطق المواجهات. وأيدت روسيا الحليفة لسوريا القرار بعد سلسلة مفاوضات وخلافات مع الولايات المتحدة أساسا، وحمل القرار رقم 2401.

وتركزت المناقشات على إعادة صياغة عدة فقرات من مشروع القرار الذي تقدمت به كل من الكويت والسويد، منها واحدة تطالب بوقف إطلاق النار بعد 72 ساعة من اعتماد القرار، التعديل نص على إشارة ببدئه ”دون إبطاء“.

وقال دبلوماسيون، طلبوا عدم نشر أسمائهم، إن موسكو لم ترد تحديد موعد لبدء وقف إطلاق النار. وذكر وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إن موسكو تريد ضمانات بألا يقصف مقاتلو التنظيمات المسلحة المناطق السكنية في دمشق أو أن يستمر دعمهم بالسلاح.

وردت دمشق وموسكو على إتهامات غربية وإسرائيلية تدعي بأن قواتهما تستهدف المدنيين، وذكرتا إنهما لا تستهدفان سوى التنظيمات الإرهابية وإنهما تريدان منع مقاتلي هذه الجماعات من قصف العاصمة دمشق ومن احتجاز السكان دروعا بشرية في الغوطة كما سبق وفعلوا في حلب الشرقية نهاية سنة2016. وإتهم البلدان واشنطن وحلفاءها بالكذب فيما يخص استهداف القوات السورية للمدنيين مشيرين إلى مثل هذا الفعل لو كان حقيقيا فإنه يضر الجيش السوري عسكريا وأخلاقيا ويعتبر إهدارا لذخيرته وأسلحته لأنه يترك مسلحي التنظيمات المسلحة في مأمن وبالتالي لا يسهل اخراج التنظيمات المسلحة وهزيمتها.

 مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة، بشار الجعفري، دعا إلى تطبيق القرار الجديد على كل الأراضي السورية بما فيها عفرين والأراضي التي تحتلها القوات الأمريكية والتركية وعلى الجولان السوري المحتل. كما طالب الجعفري، في كلمة أمام مجلس الأمن، بتطبيق 29 قرارا آخر بشأن الوضع في سوريا منها 13 قرارا لمكافحة الإرهاب.

وأفاد الجعفري بأن الحكومة السورية تعاملت بجدية مع كل المبادرات والتزمت بها حرصا على حياة مواطنيها، مبينا أن اتفاق أستانا ألزم الجماعات المسلحة بفصل ارتباطها عن تنظيمي “داعش” و”النصرة” وأعطى الحق للحكومة السورية بالرد على أي اعتداء.

كما صرح بأن السلطات السورية دعت المجموعات المسلحة في الغوطة الشرقية التي تحتجز المدنيين كرهائن إلى إلقاء السلاح وأمنت للمدنيين ممرات خروج.

أطماع احتلالية

 من جانبه أعرب المندوب الروسي فاسيلي نيبينزيا، عن شكره للكويت والسويد على جهودهما الجبارة في الوصول إلى توافق بشأن القرار.

وأضاف أن عملية تنسيق وثيقة المشروع استغرقت وقتا طويلا، لأن مسودتها الأولية كانت تضم نقاطا تجعل إحلال الهدنة في سوريا أمرا مستحيلا، مما أثار تحفظ  روسيا. وأشار نيبينزيا إلى أن نظام وقف إطلاق النار لا يشمل تنظيمي “القاعدة” و”جبهة النصرة” والمنظمات المرتبطة بهما.

وفي سياق رده على الانتقادات الأمريكية أيضا، أشار نيبينزيا إلى أن الولايات المتحدة تتستر بمحاربة الإرهاب في سوريا لتحقق هناك أهدافها الجيوسياسية التي “تثير شرعيتها شكوكا”.

وتابع: “نحن نصر على الوقف الفوري للأطماع الاحتلالية التي يظهرها التحالف المزعوم، الأمر الذي سيكون له تأثير إنساني واضح، لأنه سيسمح للحكومة السورية بالشروع في إعادة الحياة إلى طبيعتها في جميع الأراضي المحررة من الإرهابيين”.

وأكد الدبلوماسي أن روسيا لن تسمح بأي تفسير تعسفي لبنود قرار الهدنة في سوريا، كما أنها تطالب الولايات المتحدة بوقف تهديداتها لدمشق، قائلا إن موسكو تشعر “بقلق عميق إزاء تصريحات تصدر عن بعض المسؤولين الأمريكيين الذين يهددون بشن عدوان ضد سوريا ذات السيادة”. وتابع أن روسيا تطالب الولايات المتحدة بوقف تصعيد هذه الخطابات غير المسؤولة والانضمام، بدلا من ذلك، إلى الجهود المشتركة الرامية إلى تسوية النزاع في سوريا بناء على القرار 2254 لمجلس الأمن الدولي”.

الحرب لن تتوقف

 التعديلات الروسية على نص القرار الأصلي فرقت بطريقة واضحة بين الفصائل الموصوفة غربيا بــ“المعتدلة” والأُخرى “الإرهابية” واستثنت الأخيرة التي تشمل “النصرة”، “الدولة الإسلامية” و”القاعدة”، من وقف إطلاق النار، وأباحت مواصلة القتال حتى القضاء عليها أو خروجها من المنطقة.

 بعد صدور قرار مجلس الأمن أعلن تنظيم “جيش الإسلام” الذي تقول مصادر غربية أنه مدعوم من السعودية، و”فيلق الرحمن” المقرب من قطر وتركيا نأيهما عن الجماعات المصنفة إرهابيا، واصدرا بيانات تؤكد التزامهما باتفاق وقف النار.

 المحلل والصحفي عبد الباري عطوان عقب على هذا الموقف بالقول أنه من الواضح أن تأييد “جيش الإسلام” و”فيلق الرحمن” لقرار مجلس الأمن والالتزام بالهدنة، يعني أنهما مع قضاء الجيش السوري على الجيوب التي تسيطر عليها الفصائل المصنفة إرهابية، وإعطائهما الضوء الأخضر للقضاء عليها، أو إخراجها من المنطقة، أي أن مصالحهما تلتقي مع مصالح هذا الجيش، وأن الدول التي تدعم هذين الفَصيلين الرئيسين، مثل تركيا وقطر والمملكة العربية السعودية، مثلما  تفيد الأنباء، تؤيدان هذا التوجه، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة”.

محاولة إنقاذ

 بمجرد إنتهاء اجتماعات مجلس الأمن الدولي، دعت وزارة الخارجية الأمريكية إلى التنفيذ الفوري للقرار 2401، فيما تحرك بعض حلفاء واشنطن في نفس الاتجاه.

 يوم الأحد 25 فبراير علم من موسكو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بحث في اتصال هاتفي، الأوضاع في سوريا مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل حيث أبلغهما  بالخطوات العملية التي يتخذها الجانب الروسي لإجلاء المدنيين وإيصال شحنات إنسانية وتقديم خدمات طبية للأهالي السوريين المتضررين، وذلك مع التشديد على أن “وقف أعمال القتال لا يشمل العمليات ضد المجموعات الإرهابية”.

وكانت الحكومة الألمانية قد ذكرت في بيان، أن ميركل وماكرون دعيا روسيا، في اتصالهما الهاتفي مع بوتين، إلى ممارسة “أكبر قدر ممكن من الضغط على النظام السوري لوقف الغارات الجوية والمعارك فورا”، وذلك في سياق “الضرورة الملحة أن ينفذ قرار مجلس الأمن بسرعة وعلى أكمل وجه”.

 بعيدا عن الأساليب السياسية للضغط كشف رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان المصنفة كمعارضة لحكومة دمشق، أحمد خازم يوم 23 فبراير، إن عسكريين أمريكيين يقومون بحشد مسلحين من مختلف المجموعات لإشراكهم في القتال ضد القوات الحكومية في الغوطة الشرقية بريف دمشق.

ونقلت وكالة “نوفوستي”، يوم الجمعة، عن خازم قوله إن الولايات المتحدة تحشد مسلحي تنظيم “الدولة الاسلامية” وغيره من الجماعات في إدلب ومناطق أخرى، وتحاول نقلهم إلى التنف حيث القاعدة العسكرية الأمريكية لإيصالهم بعد ذلك إلى الغوطة الشرقية بهدف إحباط خطط الجيش السوري في تطهير المنطقة.

وأضاف خازم أن سكان دمشق وضواحيها ينقلون معلومات حول ما يقوم به المسلحون من الغوطة إلى منظمته على أن ترفع الدعاوي القضائية إلى المحاكم السورية والدولية.

وأوضح خازم أن تلك الدعاوي الجماعية تقدم بهدف لفت انتباه الرأي العام الدولي، وبخاصة مجلس الأمن الدولي، إلى ما يحدث في دمشق والغوطة الشرقية.

وقال: “بذلك، نحاول أن نحيل إلى العدالة المسؤولين عن مقتل وإصابة المدنيين وإلحاق أضرار مادية بالممتلكات. أريد لفت الانتباه إلى أن بعض وسائل الإعلام تجاوزت كل الحدود في نشر الأكاذيب، ويجب إدانة أفعال جميع الجناة، سواء أكانوا رؤساء حكومات أو دول”.

 مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين وفي تفسير لعملية استمرار إمداد التنظيمات المسلحة في الغوطة الشرقية المفروض أنها محاصرة منذ سنة 2012 من قبل الجيش السوري، ذكرت أن القوات الأمريكية والإسرائيلية في قاعدة التنف ومنطقة الجليل شمال فلسطين المحتلة تستخدم الطائرات الشراعية التي يصعب رصدها بالرادار لنقل الاسلحة إلى انصارها في الغوطة ومناطق أخرى.

أسلحة كيميائية

يوم الأحد 25 فبراير أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن مجموعات مسلحة متمركزة في غوطة دمشق الشرقية تخطط لهجوم استفزازي بالمواد السامة، هدفه اتهام دمشق باستخدام الأسلحة الكيميائية.

وأشار بيان صدر عن المركز الروسي للمصالحة الوطنية في سوريا ومقره قاعدة حميميم، إلى تصاعد التوتر في الغوطة، حيث أنشأت خمسة فصائل مسلحة، هي “جيش الإسلام” و”جبهة النصرة”، و”أحرار الشام” و”فيلق الرحمن” و”فجر الأمة” قيادة عمليات موحدة.

وذكر البيان أيضا أن الخبراء المعنيين بمتابعة نظام وقف الأعمال العدائية في سوريا يرصدون انتهاكات متكررة للهدنة في أرياف حلب واللاذقية وإدلب.

كما ذكر البيان أن مسلحي “جيش الإسلام” و”جبهة النصرة” لا يزالون يحتجزون في سجونهم مئات الرهائن، بمن فيهم نساء وأطفال.

وتابع أن المجموعات المسلحة تمنع المدنيين في الغوطة من مغادرة مناطق المعارك. وأضاف أن قصف أحياء سكنية في دمشق بقذائف هاون تطلق من الأراضي الخاضعة لسيطرة تنظيم “جيش الإسلام” لا يزال مستمرا.

وبحسب البيان، فقد نجح أفراد الحرس الجمهوري السوري في إحباط اعتداء إرهابي باستخدام سيارة ملغومة في حي القابون بدمشق، مساء السبت، مشيرا إلى أن السيارة انطلقت من منطقة تخضع لسيطرة مجموعتي “فيلق الرحمن” و”جبهة النصرة”.

إسرائيل والجولان

 في نطاق مسلسل الكشف عن تحركات واشنطن وحلفائها لمواصلة الحرب في بلاد الشام، نشرت صحيفة “هآرتس” العبرية تقريرا مفصلا عن آخر التطورات في الجنوب السوري ودعم الكيان الصهيوني للفصائل المسلحة التي تحارب الجيش السوري، حيث ذكرت في أن ما لا يقل عن سبع منظمات مسلحة في الجولان المُحرر خلال حرب سنة 1973 تتلقى الآن أسلحة وذخائر وأموال من إسرائيل لشراء أسلحة إضافية. جدير بالذكر أن معدة التقرير هي المحللة إليزابيث تشوركوف، التي تتابع عن كثب الأحداث في سوريا، وتجري مقابلات مع العديد من الناشطين في الجماعات المسلحة في الجولان.

ولفتت إلى أنها لاحظت تغييرا في نطاق التدخل الإسرائيلي في الأحداث جنوب سوريا، خلال الأشهر الأخيرة، وذلك ردا على سلسلة النجاحات التي حققها الجيش السوري في الحرب، أو كما أكدت التمركز الإيراني في سوريا، والذي حذر منه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

وشددت تشوركوف على أن الخطوة الإسرائيلية تهدف إلى الحد من تقدم النظام في هضبة الجولان واحتلال القرى التي يسيطر عليها المسلحون بالقرب من الحدود في الجولان. ومع ذلك، فإنها تلاحظ وجود فجوة في التوقعات بين الطرفين: المسلحون يتوقعون دعما إسرائيليا غير محدود، ويأمل البعض بتلقي مساعدة في الجهود الرامية لإسقاط النظام، أما البرامج الإسرائيلية فهي أكثر تواضعا ومحدودية، بحسب تعبيرها.

وختمت الصحيفة تقريرها بالقول إن الجماعات المسلحة، والتي تنعتها المؤسسة الأمنية في تل أبيب بـ”الجماعات المحلية”، تسيطر على معظم خطوط الهدنة السورية مع إسرائيل، باستثناء منطقتين: الأراضي الخاضعة لسيطرة الجيش السوري في الشمال، والمنطقة التي يسيطر عليها ما يسمى “جيش خالد بن الوليد”، في مرتفعات الجولان الجنوبية.

من ناحيته، قال محلل الشؤون العسكرية في “هآرتس”، عاموس هارئيل، نقلا عن مصادر أمنية رفيعة في تل أبيب إن تغييرات حقيقية وقعت مؤخرا في هضبة الجولان المحتل، مشددا على أن الجيش السوري، المنتصر في الحرب، يركز حاليا على هجمات مكثفة على جيوب مسلحين في إدلب، في شمال الدولة وإلى الشرق من دمشق، كما أنه يعزز تدريجيا وجوده في جنوب سوريا، بما في ذلك في هضبة الجولان، مشيرا إلى أن الدولة العبرية جهزت نفسها عسكريا استعدادا لمواجهة القادم.

وتابع إن المدلولات العملية من ناحية إسرائيل هي أنه يمكن للإيرانيين الوصول إلى مسافة 20 كيلومترا عن الحدود وسط هضبة الجولان، وحتى خمسة كيلومترات فقط في شمال الهضبة، في المنطقة التي يسيطر عليها السوريون، ويمكن الافتراض، أن حزب الله وحتى عناصر الحرس الثوري الإيراني يقتربون من وقت لآخر إلى الحدود نفسها.

كما أوضح أن هناك مواقع مرتبطة بالحكومة السورية تطل على الحدود مع إسرائيل في منطقة القنيطرة الجديدة شمال الجولان، ويحتمل أن يصل أحيانا إلى هذه المواقع، التي تبعد مسافة قصيرة عن الحدود، عناصر حزب الله اللبناني.

وذكر المحلل الإسرائيلي أن انتزاع الجيش السوري جيب بيت جان شمال هضبة الجولان من أيدي المسلحين، على بعد أقل من 15 كيلومترا من الحدود، يؤشر على أن الرئيس الأسد سيركز جهوده عاجلا أو آجلا على استعادة السيطرة على هضبة الجولان، بسبب الأهمية الرمزية لاستعادة السيادة على خط وقف إطلاق النار بين دمشق وتل أبيب، والموقع منذ العام 1973، كاشفا أن هذا الانطباع لاستعادة الجولان قد ساد لدى وزراء الحكومة الإسرائيلية، الذين قاموا بجولة في الجولان مع ضباط الجيش قبل أسبوعين تقريبا.

الكيل بمكيالين

 من مفارقات الحرب الدائرة على أرض الشام منذ سبع سنوات تقريبا والتي كلفت التحالف المساند لواشنطن وإسرائيل أكثر من 36 مليار دولار، عملية التعامل الغربية بمكيالين، فيوم الأحد 25 فبراير ذكر نائب رئيس الوزراء التركي بكر بوزداج أن قرار مجلس الأمن رقم 2401 لن يؤثر على العملية العسكرية التي تشنها بلاده ضد المقاتلين الأكراد في منطقة عفرين شمال سوريا.

وكانت تركيا قد رحبت في وقت سابق بالقرار، بعد أن كان المتحدث باسم الرئيس التركي طيب إردوغان قد صرح يوم 24 فبراير إن الأمم المتحدة يجب أن تضع حدا لما سماه ”للمذبحة“ التي ترتكبها الحكومة السورية في الغوطة الشرقية.

في مواجهة التهديدات الأمريكية والإسرائيلية واصل الجيش السوري عملياته وقالت مراسلة موقع روسيا اليوم يوم الأحد 25 فبراير، إن الجيش السوري سيطر على النشابية وتلي فرزات والصالحية في الغوطة الشرقية ويواصل تقدمه. ويقدر محللون عسكريون غربيون أن القوات السورية تعمل على تنفيذ نفس التكتيك الذي طبقته سنة 2016 في منطقة حلب والذي مكنها من تصفية التنظيمات المسلحة في شرق حلب وإجبارها نهاية ديسمبر 2016 على السماح بتحرير 186 الف من المدنيين الذين كانت تحتجزهم ثم ترحيل مئات المسلحين إلى إدلب والرقة.

 وكانت دول التحالف المناصرة لمخططات واشنطن قد شنت حربا إعلامية ضخمة ضد العملية السورية في حلب بل وحرك الجيش الأمريكي قوات كبيرة داخل تركيا وفي البحر المتوسط على أمل وقف تقدم الجيش السوري ولكن الأمر لم ينجح.

الحصار الذي قد يكون الأخير

 يوم 21 فبراير كتب باتريك كوبيرن المختص بالشؤون الحربية في الشرق الأوسط تقريرا في صحيفة الإندبندنت البريطانية عن حصار منطقة الغوطة الشرقية السورية بعنوان ” قد يكون هذا الحصار هو الأخير في الحرب السورية”.

ويقول كوبيرن إن كثافة النيران التي يستخدمها الجيش السوري ضد آخر معاقل المسلحين قرب العاصمة دمشق، وهو الغوطة الشرقية، يفوق أي شيء شاهدناه في البلاد خلال السنوات الماضية.

ويوضح أن هذه الكثافة النيرانية تشير إلى أن ثمة تقدما بريا قد يحدث قريبا للسيطرة على المنطقة أو قد يحدث مثلما جرى في حلب من تدخل دولي في آخر لحظة لتنفيذ عملية إخلاء واسعة النطاق لسكان المنطقة.

ويعتبر كوبيرن أن حصار الغوطة ربما يكون آخر حصار في الحرب في سوريا، مشيرا إلى أنه تميز بطوله لعدة سنوات، ربما بسبب توفر المناطق الزراعية في المنطقة وقدرتها على توفير الغذاء لسكانها من الزراعة ولو بشكل جزئي عكس المناطق الأخرى التي تعرضت للحصار سابقا.

ويقول إنه في ظل انتصار القوات البرية الموالية لنظام الأسد في بقية أنحاء سوريا أو تمركزهم في مناطق لا تشهد اشتباكات من السهل على النظام أن يقوم بنقل أعداد منهم لخوض حرب برية في الغوطة الشرقية والقضاء على مقاومة التنظيمات المسلحة.

 مصادر رصد في القارة الأوروبية ذكرت أن أكثر ما يخشاه التحالف المؤيد لأمريكا هو أن يكشف سقوط الغوطة الشرقية في يد الجيش السوري عن حجم تدخل القوات الخاصة الأمريكية والإسرائيلية في المعركة، وتشير أنه في حلب قبل السوريون ترحيل مئات الأجانب في الحافلات دون الكشف عن هوياتهم ولكن الأمر قد يكون مخالفا في المناطق القريبة من دمشق خاصة بعد التصعيد الأمريكي ضد الخبراء الروس المساندين للجيش السوري وبعد مد واشنطن فصائل مسلحة بصواريخ حديثة لإستهداف الطيران الروسي.

 ذكرت صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا”، “في بيئة الخبراء البريطانيين، يسود اعتقاد أن الدول الغربية غير قادرة على وقف هجوم القوات الحكومية على الغوطة الشرقية. فقد قال مايكل ستيفنس، الباحث في المعهد الملكي للدراسات الدفاعية، لـ”نيزافيسيمايا غازيتا”: “لا أعتقد أن أي تدابير ستتخذ من شأنها أن توقف القتال. في نهاية المطاف، يمكن القيام بمحاولات لعقد اجتماع جديد لمجلس الأمن الدولي، ولكن من أجل ماذا؟ هناك طريق مسدود. في هذا الصدد، لست متأكدا من إمكانية القيام بشيء هنا. فالأسد يريد الاستيلاء على هذا الجيب، وأعتقد أن ذلك سيحدث. والولايات المتحدة تركز سياساتها بشكل متزايد على التمسك بالأراضي شمالي نهر الفرات واستخدامها كورقة مساومة ضد الأسد في مرحلة لاحقة من النزاع المسلح. ومن المستبعد أن يتخذ إجراء عسكري من قبل واشنطن في الغوطة. وهذا يعكس الحقيقة الأساسية التالية: الغرب ليس لديه سوى القليل من القنوات للتأثير على هذا الجزء من الحرب تحديدا”.

الأسلحة النووية

 بعيدا إلى حد ما عن ضجيج الواجهات الإعلامية يسجل المراقبون تصعيدا في عمليات التحدي بين روسيا والولايات المتحدة. البنتاغون عزز قواته الجوية في قاعدة انكرليك بتركيا بطائرات من طراز اف 35 وبي 52 ورفع مخزونه من الأسلحة النووية الميدانية التي أضيفت إلى حوالى 50 قنبلة نووية من نوع بي 61 توجد بالقاعدة منذ سنوات وتجرى عمليات صيانتها دوريا.

  موسكو ومن جانبها وإضافة إلى الأسلحة النووية الموجودة على متن سفنها الحربية الموجودة في شرق المتوسط وقاعدة طرطوس بسوريا، ارسلت عددا من أحدث طائراتها إلى قاعدة حميميم بسوريا مسلحة بقنابل نووية تكتيكية وإستراتيجية.

يوم السبت 24 فبراير أفادت وسائل إعلام ومصادر مطلعة حسب موقع روسيا اليوم، بأن طائرتين مقاتلتين روسيتين إضافيتين من الجيل الخامس المتطور “سو-57″، وصلتا إلى قاعدة القوات الجوية-الفضائية الروسية في حميميم بسوريا.

ووفقا لوسائل الإعلام، رافق عدد من الطائرات المقاتلة من طراز سو-30 مقاتلتي “سو-57” أثناء رحلتهما من روسيا إلى سوريا.

وبذلك يكون الجيش الروسي قد أرسل حتى الآن 4 مقاتلات من هذا الطراز الحديث “سو-57” إلى سوريا.

وأوردت تقارير عسكرية يوم 22 فبراير، أن طائرتين مقاتلتين من الجيل الخامس الأكثر تطورا من طراز “سو-57″، وصلتا إلى القاعدة العسكرية الروسية في حميميم، رغم أن هذه المقاتلات ما زالت حتى الآن في مرحلة الاختبار ولم تعتمدها القوات المسلحة الروسية في الخدمة الدائمة بعد.

وأبلغ الباحث البارز في معهد الشرق الأقصى لأكاديمية العلوم الروسية، فاسيلى كاشين، مجلة ناشينال انترست الأمريكية، أن الغرض الرئيسي من إرسال مقاتلات “سو-57” الحديثة إلى سوريا، هو اختبار معدات الرادار المزودة بها في ظروف قريبة من تلك القتالية.

وقال الخبير “إن هذه القاذفات يمكن أن تنفذ غارات في سوريا خلال الطلعات القتالية، ولكن هذه ليست المهمة الرئيسية لها هناك، لأن القوات الجوية الروسية ستكون قادرة على التحقق من قدرة الرادارات على طائرات الدول الأخرى” على اكتشاف هذه المقاتلات الشبح القادرة على التخفي عن أجهزة المراقبة والتتبع.

 وأعلن رئيس لجنة الدعم القانوني لتطوير مؤسسات الصناعات الدفاعية الروسية، في مجلس النواب الروسي “الدوما”، فلاديمير غوتنيف، أن ظهور مقاتلات “سو —57″، في سوريا قد يصبح رادعا لطائرات الدول المجاورة التي تحلق بشكل دوري فوق أراضي البلاد. دون استبعاد إمكانية إرسال أحدث المقاتلات إلى سوريا.

وقال النائب، معلقا على ما نشرته وسائل الإعلام، أنه “لا يستبعد ويرحب بشدة”، بالمعلومات عن ظهور أحدث المقاتلات في سوريا. مضيفا أن: “ظهور طائرات جديدة في سوريا هو خطوة صحيحة على الإطلاق”.. “من المهم اختبارها في ظروف قتالية وفي ظروف المواجهة الفعلية”.

في واشنطن رفضت وزارة الدفاع الأمريكية التعليق على أنباء نقل مقاتلات روسية من طراز “سو-57” إلى سوريا. وفي موجز صحفي قالت المتحدثة الرسمية باسم البنتاغون، دانا وايت، ردا على سؤال عما إذا كان نقل روسيا هذه المقاتلات إلى سوريا يعني “تصعيد الوضع” هناك: “رأيت التقارير الأولى لكنني أود أن أعود إلى هذا الموضوع لاحقا وبصورة أكثر تفصيلا”.

واشنطن: فلنقسم سوريا

 تعثر مخططات الفوضى الخلاقة في بلاد الشام يدفع المخططين في واشنطن إلى تجربة أساليب مختلفة في محاولة لتجنب نكسة كاملة، في هذا الاطار جاء في تقرير صدر في العاصمة اللبنانية بيروت:

تغيرت السياسة الأمريكية في سوريا. بعد طول مراوحة في تحديد ما سيفعلونه بعد هزيمة “داعش”، قرر الأمريكيون إطالة أمد الحرب بالبقاء خلف الضفة الشرقية للفرات، والعمل وفق خطة تفصيلية لتقسيم البلاد. وخلال شهري يناير وفبراير 2018، كانت الدبلوماسية الأمريكية تعمل على اطلاع الحلفاء على تلك الخطة تمهيداً لإطلاقها ووضعها قيد التنفيذ. وفي هذا الإطار، تم الحصول على برقية دبلوماسية صادرة عن سفارة بريطانيا في واشنطن، توجز الاستراتيجية الأمريكية للوصول إلى تقسيم سوريا كما عرضها ديفيد ساترفيلد خلال اجتماع عقده في واشنطن في الحادي عشر من شهر يناير2018 ممثلون عن مجموعة سوريا الأمريكية.

المشروع الأمريكي التقسيمي في سوريا لم يعد في حيز التحليلات، لا في دائرة التراشق الدبلوماسي الروسي مع واشنطن، وقد برز منها كلام وزير الخارجية سيرغي لافروف في الأيام الأخيرة عن أن واشنطن تخطط للتقسيم. فبعد الضربة التي وجهتها المقاتلات الجوية والراجمات الأمريكية، لقوات روسية وسورية رديفة، حاولت منتصف فبراير اجتياز “الحدود” فوق جسور عائمة من غرب الفرات إلى شرقه، عملت الولايات المتحدة على تثبيت خط فاصل بالنار بين “سوريتين”، غرب الفرات وشرقه.

لكن ما حدث لم يكن صاعقة في سماء صافية دبلوماسية أو ميدانية. المجزرة التي أوقعتها الطائرات الأمريكية في مقاتلي شركة “فاغنر” “الرديفة” للجيش الروسي في سوريا رسمت الحدود ومستقبل ما وراء الفرات إلى الشرق، كما أعد لها الأمريكيون منذ أسابيع. يأتي ذلك بعد أن نضجت في مجلس الأمن القومي الاستراتيجية الجديدة حول سوريا وأعلم الأمريكيون حلفاءهم في “مجموعة سوريا”، قبل ستة أسابيع، أن الهدف المقبل هو فصل الشرق عن بقية الخريطة السورية، وأن البيت الأبيض خصص أربعة مليارات دولار في العام الواحد لتمويل القوات التي ستعمل في المنطقة بالإضافة إلى تدريب قوة حرس الحدود المزمع إنشاؤها لتذويب الغلبة الكردية في قوات سوريا الديمقراطية شرق النهر، وتسهيل ابتداع معارضة سياسية شرق النهر تمثل المنطقة، وتمنع عودة الجيش السوري.

وفي برقية دبلوماسية من خمس صفحات، صادرة عن سفارة بريطانيا في واشنطن، يوجز الدبلوماسي وخبير شؤون الشرق الأوسط في السفارة بنيامين نورمان لوزارة الخارجية البريطانية في لندن، الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للوصول الى تقسيم سوريا كما عرضها مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، ديفيد ساترفيلد خلال اجتماع عقده في واشنطن في الحادي عشر من شهر يناير ممثلون عن “مجموعة سوريا” الأمريكية.

حضر الاجتماع إلى جانب ساترفيلد، رئيس فريق سوريا في وزارة الخارجية البريطانية هيو كلاري، ورئيس قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية الفرنسية جيروم بونافون. حليفان عربيان لواشنطن في خطتها التقسيمية حضرا الاجتماع.

البرقية الموجزة تحدث فيها ساترفيلد بصراحة عن الهدف الذي ستعمل الولايات المتحدة على تحقيقه من الآن فصاعدا، وهو التقسيم وفصل الشرق السوري وشمال الشرق السوري عن البلاد. وقال ساترفيلد، كما جاء في الإيجاز البريطاني، إن الخطة التي يجب العمل عليها تتألف من خمس نقاط: تقسيم سوريا، تخريب سوتشي، استيعاب تركيا، وإصدار تعليمات إلى الوسيط الدولي ستيفان دي ميستورا لاستعادة جنيف، وتنفيذ ورقة من ثماني نقاط تتضمن الحل في سوريا كانت واشنطن قد قدمتها إلى الاجتماع الأخير للمعارضة السورية وممثلي الحكومة في فيينا في السادس والعشرين من شهر يناير. المجتمعون أعطوا أنفسهم مهلة عام لتنفيذ هذه الخطة عندما رحبوا، كما قالت الوثيقة، بالاقتراحات الأمريكية “ودعوا إلى تحقيق تقدم ملموس في سوريا خلال عام 2018، والرد على دعاية الانتصار الروسي”.

ساترفيلد أبلغ الحاضرين أن الرئيس دونالد ترامب قرر الإبقاء على قوة عسكرية مهمة في سوريا، رغم هزيمة “داعش”، وأن الإدارة الأمريكية خصصت أربعة مليارات دولار سنوياً لهذه العملية التي تقول مصادر غربية إنها ستنفق أيضا منها على توسيع القواعد الأمريكية في الأراضي التي يسيطر عليها الأكراد خصوصا، في الرميلان في أقصى الشرق السوري، وفي عين العرب “كوباني”، على خط الحدود السورية التركية. وقال إن الهدف من ذلك هو منع الإيرانيين من التمركز على المدى الطويل في سوريا، أو فرض أنفسهم في مسارات الحل السياسي. المجموعة قررت مواجهة الانفراد الروسي سياسيا في تحديد مستقبل النظام السياسي في سوريا عبر تقديم دعم مادي وسياسي لستيفان دي ميستورا لتصليب مسار جنيف، في مواجهة “سوتشي”. الجميع رحب بهذه الاقتراحات، مع التركيز على أخرى ميدانية وعملية لمواجهة “الرغبة الروسية بالتوصل إلى حل سياسي”.

الأمم المتحدة ستلعب دوراً كبيرا في الخطة الأمريكية لتقسيم سوريا. الأولوية ستعطى لتصليب مسار جنيف، إذ أبلغ الأمريكيون الحاضرين أنهم لن يشاركوا من الآن فصاعدا في اجتماعات أستانا، وأنهم قد خفضوا تمثيلهم الدبلوماسي إلى أدنى مستوى، للعودة بالمسار السياسي إلى جنيف. محضر الاجتماع يقول إن الداعين إليه أقروا بأن جنيف قد فشل رغم الجهود التي بذلها ستيفان دي ميستورا لإنعاشه، وأبدوا تحفظا على وقف إطلاق النار في سوريا في ظل الشروط الميدانية الحالية ومع تراجع المعارضة واعتبروا أن لا فائدة من إدخال اقتراح وقف إطلاق النار في مسار جنيف لأننا في الحقيقة “لا نملك القدرة على منع النظام من قضم الجيوب التي لا تزال المعارضة تحتفظ بها في إدلب والغوطة الشرقية” بحسب الملاحظات المدونة على الوثيقة.

استيعاب تركيا

الأمريكيون في الطريق إلى التقسيم، لا يعبأون بفكرة الحكومة الانتقالية، ولا بتنفيذ الشق المتعلق بها كما نص عليها القرار الأممي 2254، إذ قال ساترفيلد للمجتمعين إننا “نصحنا المعارضة بعدم دعم فكرة الحكومة الانتقالية، وإن على المعارضة أن تتوقف عن التلويح بالحكومة الانتقالية في كل مناسبة”. وبين الأمريكيون أن الغاية من مبادراتهم الدبلوماسية هي الحفاظ على صورتهم “وإبداء مرونتهم وحركيتهم مع عدم المبالغة في توظيف المعارضة في هذه المفاوضات من دون التخلي عن هدفها النهائي والأساسي بتقسيم سوريا ورحيل الأسد”. وأوضح الأمريكيون للجميع أن “الخطة تقضي بالعمل على إنشاء مؤسسات وشروط لانتخابات لا يستطيع بشار الأسد الفوز فيها، لذلك لا يوجد مبرر بديهي لمنع الأسد من المشاركة في الانتخابات”. المجتمعون أقروا استراتيجية تجاه روسيا باختبار نياتها للذهاب نحو توفير شروط ملائمة لإجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة “وجر النظام إلى التفاوض على دستور جديد، وعدم الاكتفاء من الآن فصاعدا بالكلام المعسول لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف”. ساترفيلد قال: “إننا سنستفيد ايجابيا من هشاشة وضع فلاديمير بوتين في المرحلة الانتخابية من أجل دفع الروس إلى التخلي عن الرئيس الأسد عبر المزيد من الاجتماعات في مجلس الأمن، وأوسع حملة إعلامية ضده”.

الأمريكيون تقدموا خطوة نحو تكريس قناة دبلوماسية مع شرق الفرات والأكراد، عبر تعيين ويليام روبوك، سفيرا لدى “قوات سوريا الديمقراطية”، كما أبلغ ساترفيلد المجتمعين. كذلك قدموا اقتراحات تمنح المزيد من الاعتراف والوزن الدبلوماسي للأكراد في المسار التفاوضي من دون استفزاز الأتراك، وخصوصا أن هؤلاء كانوا على اطلاع على الخطوات الأمريكية في هذا الاتجاه، وهو ما برر الأتراك به الهجوم على عفرين. واقترح الأمريكيون، أيضا، إغراق التمثيل الكردي في مفاوضات جنيف تحت اعلام “قوات سوريا الديمقراطية” وتشكيل وفد يمثل شرق الفرات عملياً للإطباق بواسطته ووفد المعارضة الائتلافية، على وفد الحكومة السورية، كما تقترح الوثيقة.

عمر نجيب

Omar_najib2003@yahoo.fr

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here