المواجهة الأخيرة في عزة وتغيير قواعد اللعبة

 

العميد أحمد عيسى

انطوت الجولة الأخيرة من المواجهة العسكرية التي اندلعت بين حركة الجهاد الإسلامي وجيش الإحتلال الإسرائيلي فجر يوم الثلاثاء الموافق 12/11/2019، على ما يكفي من القرائن الدالة على بداية تحول جذري في القواعد التي حكمت العلاقة العدائية بين قطاع غزة والجيش الإسرائيلي منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة بالقوة العسكرية في صيف العام 2007، الأمر الذي يستدعي  إثارة نقاش مجتمعي حول جوهر هذا التحول، وكذلك فحص تداعياته على الوضع الفلسطيني الداخلي وما قد تتضمنه هذه التداعيات من  مخاطر على العلاقات الفلسطينية الفلسطينية التي تعاني  أصلاً من جراح عميقة لم تتعافى منها بعد.

 وتجادل هذه المقالة أن جوهر هذا التحول يتجلى في إمتناع إسرائيل عن تحميل حركة حماس التي تحكم قطاع غزة المسؤولية عن أعمال الجهاد الإسلامي ضد إسرائيل، وتجنب الجيش الإسرائيلي المساس بأي أهداف ترفع راية حماس، وإمتناع حركة حماس بالمقابل عن المشاركة في أي مواجهة عسكرية قد تندلع في أعقاب عمل إسرائيلي عسكري ضد أهداف خاصة بالجهاد الإسلامي.

وتجدر الإشارة هنا أن العلاقة بين قطاع غزة وإسرائيل قد شهدت منذ نهاية العدوان الإسرائيلي على غزة في العام 2014، أربع عشرة إتفاقاً لوقف لإطلاق النار بين فصائل المقاومة المسلحة وجيش الإحتلال عبر وساطة مصرية، وكانت حركة حماس التي تحكم قطاع غزة هي الطرف المقابل للجيش الإسرائيلي في ثلاثة عشر اتفاقاً من هذه الإتفاقات إلا أنها أي حركة حماس قد غابت عن الإتفاق الأخير، واكتفت بالمشاركة الإعلامية في الجولة الأخيرة من التصعيد التي اندلعت على أثر إغتيال سلاح الجو الإسرائيلي قائد سرايا القدس في شمال قطاع غزة (بهاء أبو العطا)، ومحاولته في نفس الوقت إغتيال قائد الدائرة العسكرية للجهاد الإسلامي المقيم في العاصمة السورية دمشق (أكرم العجوري)، وذلك على الرغم من أن المواجهات الثلاث عشرة السابقة كانت قد بادرت إليها كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس لأسباب مشابهة وربما لأسباب أقل من ذلك.

من جهتها إسرائيل لم تحمل حركة حماس المسؤولية عن نشاط وأفعال الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي لا سيما أفعال الشهيد المغدور، كما دأبت أن تفعل منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية في العام 1994، حيث كانت إسرائيل تحمل السلطة الفلسطينية ورئيسها في حينه ياسر عرفات مسؤولية قيام حماس أو أي تنظيم فلسطيني آخر، بأي فعل ضد أهداف إسرائيلية سواء داخل المناطق الفلسطينية، أم إنطلاقاً منا، وكذلك فعلت مع حركة حماس عندما أصبحت سلطة الأمر الواقع في قطاع غزة بعد العام 2007.

ومقابل ذلك حملت إسرائيل على لسان رئيس اركان الجيش والناطقين باسمه وكذلك المراسلين العسكريين لمحطات التلفزة الإسرائيلية المختلفة، حركة الجهاد الإسلامي وقيادته لا سيما الشهيد ابو العطا المسؤولية عن تخريب الجهود المبذولة لتثبيت الإستقرار والهدوء في قطاع غزة، الأمر الذي بحد ذاته لا يخلو من دلالة.

وحول الغايات التي يسعى الطرفين لتحقيقها من هذا التحول فترى هذه المقالة أن غاية حركة حماس تدور حول الحفاظ على انجازاتها كسلطة أمر واقع في قطاع غزة تقبل بها إسرائيل وتتعايش معها ضمن ترتيبات هدنة أو اتفاق تهدئة طويلة المدى، تضمن من خلاله حركة حماس الهدوء في قطاع غزة، مقابل رفع الحصار وإعادة الإعمار وتسهيل المعاملات الإقتصادية، أما عن الغايات الإسرائيلية فتحصرها هذه المقالة في ثلاث غايات، الأولى هي ابقاء حالة الفصل والإنقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والثانية هي ابقاء قطاع غزة وحركة حماس خارج محور المقاومة الذي تقوده ايران، والثالثة تدور حول قطع الطريق أمام جانتس لإقامة حكومة ضيقة تدعمها القائمة العربية المشتركة.

وفي شأن الغايات الإسرائيلية لن تناقش هذه المقالة الغايتين الأولى والثالثة لوضوحهما للقارئ، وستحاول بالمقابل إبراز الغاية الثانية لأهمية دلالاتها وخطورة تداعياتها.

إذ تجادل هذه المقالة في هذا الخصوص أن حركة الجهاد الإسلامي لا تخفي انتمائها الجدي لمحور المقاومة المتمثل في (إيران، سوريا، حزب الله، العراق، اليمن) وفقاً لتصريحات السيد زياد النخالة الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين والناطقين الرسميين باسم الحركة.

وكذلك ترى هذه المقالة أن إسرائيل ويدعمها في ذلك على الأقل دولتان عربيتان، قد بدأت العمل ضد التمدد الإيراني في المنطقة دون أخذ الموافقة الأمريكية المسبقة على ذلك، ويرى خبراء الأمن القومي في إسرائيل أن الأخيرة قد بدأت في مواجهة نوعين من التحديات بعد انكشاف المواقف الأمريكية في المنطقة، وينتج التحدي الأول عن اكتساب النظام الإيراني مزيداً من الثقة بالنفس لا سيما بعد تأكده أن واشنطن لا ترغب في الحرب ولا تسعى اليها، أما التحدي الثاني فقد نتج عن تخلي الولايات المتحدة عن حلفائها الأكراد في شمال شرق سوريا وتداعيات هذا التخلي على باقي حلفاء أمريكا في المنطقة.

وتأسيساً على ذلك فإن الإعتداءات الإسرائيلية على قيادات بارزة من حركة الجهاد الإسلامي في كل من غزة ودمشق تأتي في سياق مواجهة التحديات الناتجة عن التمدد الإيراني في المنطقة الذي اصبح يحاصر إسرائيل بــِ 360 درجة كما يقول عاموس يادلين رئيس الإستخبارات العسكرية سابقاً ورئيس معهد إسرائيل لدراسات الأمن القومي حالياً، وليس صدفة أن يتزامن هذا الإعتداء مع إندلاع ربيع عربي مصغر في كل من العراق ولبنان وإيران، الأمر الذي يرفع من درجات التصعيد بين إسرائيل ومحور المقاومة برمته.

وفي نهاية المطاف تبقى هذه المقالة بمدخلاتها واستنتاجاتها ليست أكثر من مجرد تحليل قد يصيب وقد يخطئ، وإذا ما كانت الصحة من نصيبه فهل حقاً هناك قبول ضمني من حركة حماس للقواعد الجديدة التي تحكم علاقات إسرائيل بقطاع غزة؟ وإذا ما كان الأمر كذلك فما هي تداعيات استحقاقات القواعد الجديدة على العلاقات الفلسطينية الفلسطينية؟

المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. قد يكون كيان الاحتلال هذف بالدرجة الأولى بعد وهم استرجاع هيكله الإرهابي المتصدع والمشروخ ؛ إلى إحدات صدع بجبهة غزة كجزء من جبهة أوسع ؛ لكن الكارثة أن شظايا هيكله ازدادت تشظيا وتصدعا فأصبح كمن لم يبق بجعبته سوى سهام متصدعة يخبط بها خبط عشواء ذات اليمين وذات اليسار وهو يعلم علم اليقين أنه بوصوله إلى الحاءط لم يبق أمامه سوى التهديد و لا شيء غير التهديد

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here