المهندس نورالدين السيد الثلثي: إمبريالية لا تموت… “محميّة” ليبيا مثالاً

المهندس نورالدين السيد الثلثي

مقدِّمة

أصدر مركز السياسة الخارجية (The Foreign Policy Centre) البريطاني سنة 2002، مجموعةَ مقالاتٍ بعنوان “إعادة ترتيب العالم: الآثار بعيدة المدى للحادي عشر من سبتمبر Re-Ordering The World: The Long-Term Implications of September 11th”.

تضمّنت تلك المجموعة مقالةً للدبلوماسي البريطاني، المستشار الخاص بالمفوضية الأوروبية فيما بعد، سير روبرت كوبر Robert Cooper بعنوان “دولة ما بعد الحداثة The Post Modern State”، يدعو فيها إلى ’إمبرياليةٍ من نوع جديد‘. اكتسبت أهميةً خاصة بالنظر للعلاقة التي تربط كاتبَها بـ توني بلير رئيس الوزراء البريطاني وقتها.

شغل روبرت كوبر مواقع هامة في دوائر السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية، كان مِن بينها إدارة العلاقات الخارجية والشؤون العسكرية السياسية بمجلس الاتحاد الأوروبي (2010-2013). يرسم الكاتب صورةً للعالم بعد نهاية الحرب الباردة، ويطرح رؤيته للتعامل مع التهديدات الجديدة. كوبر صريحٌ ومباشر، لا يرى حرجاً في الإعلان عن ازدواج المعايير عنصراً في العلاقات الدولية مثلاً. تظهر ترجمةٌ كاملة لنصّ المقالة بعد هذا التقديم.

عالم ما بعد الحداثة وكيفية مواجهته لتهديدات عالمنا المعاصر

يبدأ روبرت كوبر مقالته بالإشارة إلى عام 1989 حين انهارت منظومتان سياسيتان في أوروبا عمرُهما ثلاثة قرون، هما منظومتا توازن القوى والنزعة الاستعمارية. يستطرد كوبر قائلاً إن ذلك العام قد تميّز بما كان أبعد مغزىً من نهاية الحرب الباردة، وهو  نهاية منظومة الدول في أوروبا، المنظومة التي يعود تاريخها إلى حرب الثلاثين عاماً.

ينطلق كوبر في مقالته من تلك الأحداث الكبرى ويقسّم دول العالم، في ضوء ما ترتب عليها، إلى دول ’ما بعد الحداثة‘، وهي الدول الغربية أساساً، ودول ’الحداثة‘، وهي الدول المتمسكة بالمفهوم الكلاسيكي لسيادة الدولة، ودول ’ما قبل الحداثة‘، وهي الدولُ الفاشلةُ بتعبيرٍ آخر، ويقترح سبل التصدّي للتهديدات التي تواجه الغرب من مجموعتيْ دول الحداثة والدول الفاشلة.

يتناول روبرت كُوبر كيفية التصدّي للتهديدات المحتملة من عالم الحداثة (الدول ’الكلاسيكية‘ مثل الهند والصين والباكستان)، فيرى أن يكون ذلك باستخدام ’القوة والهجوم الاستباقي والخداع وكلِّ ما هو ضروري للتعامل مع أولئك الذين لا يزالون يعيشون في عالم القرن التاسع عشر حين كانت كلّ دولةٍ معنيّةً بذاتها فقط.‘ سيحكم القانون أسلوب تعامل دول ما بعد الحداثة فيما بينها، أما في الغابة فإنه ينبغي ’استعمال قانون الغابة‘ (كوبر 2002).

أما التهديدات المحتملة من دول ما قبل الحداثة، وهي ’الدول الفاشلة مثل الصومال وأفغانستان، أو تلك التي لا يكون الاستخدامُ الشرعيُّ للقوة فيها حِكراً على الدولة‘ (كوبر 2002)، فإن مواجهتها تتطلب ظهور ’نوعٍ جديدٍ‘ من الإمبريالية يكون ’مقبولاً لدى عالم حقوق الإنسان والقِيم العالمية‘، ويأخذ أحد شكلين: ’إمبريالية الاقتصاد العالمي الطوعية وإمبريالية الجِوار‘ (كوبر 2002). إمبريالية الاقتصاد العالمي الطوعية لها أدواتٌ تتمثّل بشكلٍ رئيسي في المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والمصرف الدولي، التي تفرض على الدول الخاضعة الرضوخَ لتدخّل المنظمات الدولية والدول الأجنبية ولشروط هذا الشكل من الإمبريالية الجديدة كطريقٍ للحصول على الاستثمارات وتحقيق الازدهار.

أمّا إمبريالية الجِوار فمِن أدواتها استخدام القوةِ والتدخلُ الدولي على النحو الذي تتحول به الدولة الفاشلة إلى ’محميّة‘ تابعة لدول ما بعد الحداثة، تديرها بما يُبعد التهديدات المحتملة عنها ويحقق مصالحها. المبرِّر هنا هو التهديد الذي قد يمثّله الوضع في بلدٍ ما على جواره، مع امتداد مفهوم الجوار عند كوبر بعيداً حين يعتبر العالم بأسره في هذا العصر جاراً محتملا!

في الجزء الأخير من المقالة يستعرض الكاتب خصائص إمبراطورية ما بعد الحداثة، المتمثِّلة في الاتحاد الأوروبي الذي وصفه بالإمبراطورية التعاونية.

في هذه المقالةَ طرحٌ لمشروع إمبرياليي جديد، رسالته المعلَنة لم تعُد رسالة الاستعمار القديم من جلب قيمِ الحضارة لأممٍ همجية أو فتحَ الممرّات أمام التجارة كما كانت في القرن التاسع عشر، فلكلّ عصر لغته وأدواته. في الخطاب الجديد إعادة طرحٍ للمشروع الإمبريالي القديم الذي خبرته منطقتنا ولا تزال تعاني من ويلاته، ولا تعرف طريقاً لمواجهة تحدياته.

الحالة الليبية:

دول ما قبل الحداثة حسب تصنيفات كوبر هي الدول الفاشلة التي تعجز عن الوفاء بمعايير احتكار الاستخدامِ الشرعيّ للقوّة، وتعمل حكوماتها ـ إن وُجدت ـ بأساليبَ شبيهةٍ بعمل جماعات الجريمة المنظّمة. عدم الاستقرار واستيلاء الجريمة المنظمة أو غيرِ المنظَّمة على الدولة يخلق تهديداتٍ لدول الجوار، ويتطلّب ’نوعاً جديداً من الإمبريالية‘، من شروطه أن يكون مقبولاً في عالَم حقوق الإنسان والقِيَم العالمية (كوبر 2002). ليبيا اليوم دولةٌ فاشلة تنتمي لعالم ما قبل الحداثة تعريفاً.

ليبيا، كدولة فاشلة، ستكون خاضعةً في علاقتها مع الغرب لما يسميه الكاتب ’إمبريالية الجِوار‘، وهي الشكل الثاني من شكليْ الإمبريالية من نوع جديد. بدأ انحدار ليبيا إلى مصاف الدول الفاشلة بانطلاق الحملة الجوية الأطلسية في 19 مارس 2011، ردّاً على الوضع الناشئ عن أحداث فبراير 2011 وتهديدات الرتل المسلح المتوجه لاقتحام مدينة بنغازي، وتطبيقاً لمبدأ “مسؤولية الحماية ..“Responsibility to Protect  المتعلق بمسؤولية حماية السكان من انتهاكات حقوق الإنسان والقيم الأخلاقية العالمية. انتهت الحملة الأطلسية بإسقاط النظام ومن ثَمّ انهيار الدولة وتحوّلها إلى دولة فاشلة تهدّد الأمن والاستقرار لدول الجوار غيرِ المحدود. تولّى ’المجتمع الدولي‘ إدارتها عملياً كـ ’محمِـيّة‘ في إطار تصدّيه للتهديدات المحتملة منها كدولة فاشلة. وهكذا تُعيّن الدول الحامية ’ممثليها السامين‘ في محميّتها، تضع الوثائق الدستورية، تَهَبُ الشرعيةَ لمن تختار، تعيّن المسؤولين، ترسم خرائط المستقبل، لها القول الفصل في أرصدة الدولة والإيرادات والسلاح والنافذِين على الأرض؛ ترفع وتُـقَـرِّب وتُبعد وتأجُر وتُشيطِن وتعاقب، وتفعل على الأرض وفي البحر والجو ما تشاء، تحقيقاً لمصالحها هي بداهةً.

لقد هَوَت ليبيا، بفعل أبنائها وهُزالها البنيويّ، فريسةَ لشكلٍ من أشكال إمبريالية النوع الجديد التي يصفها روبرت كوبر، فأصبحت محميةً لا تملك من أمرها شيئا. الحماية الدولية لها من بين الليبيين أنصارها والمنتفعون منها، مثلما كان للاستعمار الإيطالي في قرنٍ مضى أنصاره ومنتفعوه. هؤلاء لا ينقذون وطناً أو يبنون دولة.

ترجمة المقالة

“دولة ما بعد الحداثة”

روبرت كوبر (*)

ترجمة نورالدين السيد الثلثي

شهدت أوروبا عام 1989 نهاية منظومتين سياسيّتين عمرُهُما ثلاثة قرون، هما منظومتا توازن القوى والنزعة الاستعمارية؛ وتميّز ذلك العام ليس فقط بنهاية الحرب الباردة، ولكن أيضاً بنهاية ما هو ذو مغزىً أبعد، هو نهاية منظومة الدول في أوروبا، وهي التي يعود تاريخها إلى حرب الثلاثين عاماً. وقد أوضح لنا الحادي عشر من سبتمبر واحداً من مضامين التغيير.

علينا أولاً أن نفهم الماضي إذا أردنا فهمَ الحاضر، فالماضي لا يزال معنا. لقد تأسس الاستقرار الدوليّ في الماضي إمّا على الهيمنة أو على التوازن. أتت الهيمنة أولاً، وذلك ما كان في العالم القديم يعني هيمنة الإمبراطوريات. أولئك الذين ضمّتهم الإمبراطورية كان لهم الاستقرار والثقافة والحضارة، وبقي خارجها الهمج والفوضى والاضطراب. وترسّخت صورةُ السّلم والاستقرار من خلال مركزِ قوّةٍ مهيمِنٍ ووحيد منذ ذلك الحين وحتّى الآن. إلاّ أن الإمبراطوريات ليس من خصائصها أن تدفع نحو التغيير، فالمحافظة على تماسك الإمبراطورية ـ والإمبراطوريات في الأساس يطبعُها التنوّع ـ يتطلّب في العادة نهجاً سياسيّاً سلطوياً؛ فالابتكار، في المجتمع والسياسة على وجه الخصوص، يؤدّي إلى الإخلال بالاستقرار؛ فكانت الإمبراطوريات في التاريخ ساكنةً على وجه العموم.

وُجد في أوروبا بين الحالتيْن الساكنتيْن اللتيْن هما حالة الفوضى وحالة الإمبراطوريات، سبيلٌ وسَط تمثّل في الدولة الصغيرة. لقد نجحت الدولة الصغيرة في بناء السيادة، ولكن فقط في إطار ولايةٍ قانونية محدودةٍ جغرافيّاً. وبذلك كان الاستقرار الداخلي قد تحقق على حساب الفوضى الدولية. كان التنافس بين الدول الصغيرة في أوروبا مصدَراً للتقدم، ولكن تلك المنظومة كانت مهدّدةً دائماً بالعودة إلى الفوضى أو إلى هيمنة قوةٍ بمفردها. وكان الحلُّ لهذا الوضع هو توازن القوى، أي بمنظومة من التحالفات المتوازنة مقابل بعضِها البعض، وهو ما أصبح يُنظر إليه كشرطٍ للحرية (liberty)  في أوروبا، فأُنشئت على نحوٍ ناجحٍ التحالفات (coalitions) لكبح طموحاتِ الهيمنة لدى أسبانيا أولاً ثمّ فرنسا وأخيراً ألمانيا.

لكن منظومة توازن القوى كان بها عنصر عدم استقرار نابعٌ من ذاتها، وخطرُ الحرب الحاضرُ دائماً؛ وهذا ما أدى في النهاية إلى انهيارها. لقد أدّى توحيد ألمانيا سنة 1871 إلى إنشاءِ دولةٍ أقوى من أن يُحقِّـق أيُّ تحالف أوروبي توازناً معها؛ ورفعت التغيّراتُ التكنولوجية تكاليفَ الحروب إلى مستوياتٍ لم يعد بالإمكان تحمّلها؛ وأدّى تطوّرُ المجتمعاتِ الكبرى والنّظُمِ الديمقراطية إلى استحالة التفكير بمعزلٍ عن الحِسّ الأخلاقي، الأمر اللازم لأداء منظومة توازن القوة وظيفتها. وبالرغم من ذلك، ولعدم وجود بديلٍ واضح، فقد بقيت منظومة توازن القوى قائمةً، ولم يكن ما ظهر سنة 1945 منظومةً جديدة بقدرِ ما كان المنظومةَ القديمة نفسَها وقد بلغت ذروتَها. لقد تحوّل توازنُ القوى متعدّدُ الأطراف في أوروبا إلى توازنِ رعبٍ بين طرفيْن على مستوى العالم، وهذا هو توازن القوى في أبسط أشكاله. ولكن توازن القوى هذا لم يوجد ليبقى، فهو لم يرُق أبداً لروح الجزء الأخير من القرن العشرين وروحه الأكثر عالميةً وأكثر أخلاقيةً.

لم تكن نهاية توازن القوى وحدَها هي ما شهده النصف الثاني من القرن العشرين، ولكنه شهد أيضاً أفولَ النزعة الاستعماريّة؛ وبين الاثنين رابطٌ من درجةٍ ما. العالَم الذي بدأ القرن العشرين مقسّماً بين إمبراطوريات أوروبية، أنهى ذلك القرن بنهاية تلك الإمبراطوريات جميعاً تقريباً: الإمبراطوريات العثمانية والألمانية والنمساوية والفرنسية والبريطانية وأخيراً السوفييتية لم تعُد أكثرَ من ذكرى. وهذا يتركنا بنوعيْن جديديْن من الدول: أولاً، دُولٌ ـ هي في الغالب مستعمراتٌ سابقة ـ حيث تكاد الدولة، بمعنىً أو بآخر، أن تختفي من الوجود. هي دول ’ما قبل الحداثة‘ حيث فشلت الدولة ونشبت حربٌ هوبزية (Hobbesian) بين الجميع ضدّ الجميع (بلدان مثل الصومال وحتى فترة قريبة أفغانستان). ثانياً، دول ما بعد الإمبريالية وما بعد الحداثة، وهي التي لم تعد تنظر إلى الأمن من زاوية الغزو بالدرجة الأولى. وتوجد، ثالثاً وبطبيعة الحال، دول ’الحداثة‘ التقليدية التي تنتهج سلوكاً مماثلاً للسلوك الذي انتهجته الدول دائماً، متّبعةً المبادئ المكيافيلية ومتطلبات الوجود (يستذكر المرء هنا دولاً مثل الهند والباكستان والصين).

منظومة ما بعد الحداثة التي نعيش فيها نحن الأوربيين لا تعتمد على توازن [القوى]، ولا تؤكّد على السيادة أو على الفصل بين الشئون الداخلية والشئون الخارجية. لقد أصبح الاتحاد الأوروبي منظومةً متطوّرةً جداً للتدخّل المتبادل في الشئون الداخلية للدول وحتى على مستوى المشروبات والمأكولات.  إن “معاهدة القوات المسلّحة التقليدية في أوروبا – CFE، التي تلتزم الأطراف بموجبها بالإعلان عن مواقع أسلحتها الثقيلة وتسمح بالتفتيش عليها، تضع تحت القيود الدولية جوانبَ لصيقةً بلُبّ مفهوم السيادة. من المهم أن ندرك أن في ذلك ثورةٌ غيرِ عادية. إنه يعكس مفارقةَ العصر النووي التي تفيد بأنك لكي تدافع عن نفسِك، يجب أن تكون مستعداً لتدمير نفسِك. كانت المصلحةَ المشتركة للبلدان الأوروبية في تجنّب كارثةٍ نووية كافيةً للتغلّب على المنطق الاستراتيجي المعتاد، المرتكزِ على عدم الثقة والإخفاء. لقد تحوّلت المخاوف المتبادلة إلى شفافيةٍ متبادلة.

الخصائص الرئيسية لما بعد الحداثة هي ما يلي:

    • انهيار التمييز بين الشـئون الداخلية والشئون الخارجية.

    • التدخّل المتبادل في الشئون الداخلية (التقليدية)، والمراقبة المتبادلة.

    • نبذ استخدام القوة لفضّ النزاعات، وما ترتّب على ذلك من تقنينٍ لقواعد السلوك المطبّقة ذاتيّاً.

    • التناقص المتزايد لأهمية الحدود [بين الدول]، الأمر الذي ظهر نتيجة تغيّر دورِ الدولة، وأيضاً بسبب الصواريخ والمركبات والأقمار الصناعية.

    • تأسيس الأمن على الشفافية، والانفتاح المتبادل، والاعتماد المتبادل، والمخاوف المتبادلة.

في مفهوم محكمة الجنايات الدولية مثالٌ لافِتٌ لانهيار التمييز في عالم ما بعد الحداثة بين الشئون الداخلية والشئون الخارجية. في عالم ما بعد الحداثة، تم إبدال أسباب الدولة، ولاأخلاقية نظريات ماكيافيللي في إدارة الدولة، والتي عَرّفت العلاقات الدولية في العصر الحديث، بمفهومٍ أخلاقي يَسْرِي على العلاقات الدولية مثلما يسري على الشؤون الداخلية، وترتّب على ذلك تجدّدُ الاهتمام بما يشكّل حرباً عادلة.

في حين تتعامل هذه المنظومة بالفعل مع المشاكل التي أبطلت أداء توازن القوى، إلاّ أنها لا تؤدي إلى اندثار الدولة القومية.  بينما ينضوي الاقتصاد ووضع القوانين والدفاع ضمن أُطرٍ دولية بدرجاتٍ متزايدة، وتصبح الحدود الإقليمية أقل أهمية، تبقى الهويةُ والمؤسسات الديمقراطية مسائلَ وطنيةً بالدرجة الأولى. أصبحت مجالات الاقتصاد والتشريع والدفاع راسخةً ضمن أُطرٍ دولية، وتراجعت أهميةُ الحدود الإقليمية. وعلى ذلك ستبقى الدولةُ التقليدية الوحدةَ الأساسية في العلاقات الدولية في المستقبل المنظور، بالرغم من أن سلوك بعض الدول لن يكون ذات  السلوك التقليدي للدول.

ما هي جذور هذا التغيّر الأساسي في منظومة الدولة؟ إن النقطة الأساسية هنا هي أن العالم قد كبُر  فأصبح ’أكثر أمانة‘. إن عدداً كبيراً من الدول الأكثر قوةً لم تعُدْ ترغب في القتال أو الغزو، وهذا ما أدّى إلى ظهور عالَمَيْ “ما قبل الحداثة” و”ما بعد الحداثة” كليْهما. الإمبريالية بمفهومِها التقليدي ماتت، لدى الدول الغربية على الأقل.

إذا ما صحّ ذلك فإنه من واجبنا ألاّ نظن أن الاتحادَ الأوروبي أو حتى حلف الأطلسي كان السبب فيما نعِمنا به من سلام في أوروبا الغربية على مدى نصف قرن. إن الحقيقةَ الأساسية هي أن الدول الأوروبيةَ الغربية لم تعُد ترغب في التقاتل فيما بينها. لعب حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي رغم ذلك دوراً هاماً في دعم هذا الوضع واستدامته. لقد كانت أهمُّ مساهمات حلف الأطلسي هي الانفتاح الذي بناه. كان حلف الأطلسي، ولا يزال، عاملاً ضخماً في بناء الثقة بين الأطراف الغربية المختلفة. لقد كان حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي المؤسستين اللتين وفّرتا الإطارَ الذي مكّن من إعادة توحيد ألمانيا من دون توجيه تهديدٍ لباقي أوروبا مثلما كان الحال عند التوحيد الأوّل سنة 1871. تجري في إطار هاتين المؤسستين آلاف الاجتماعات بين الوزراء والمسؤولين لكي يعرف المسؤولون عن قرارات الحرب والسلم بعضَهم بعضاً معرفةً جيدة. وإذا ما قارنّا ذلك بما كان عليه الحال في الماضي سنجد أنه يمثّل نوعاً من العلاقات السياسية واستقراراً لم يكونا معروفيْن من قبل أبداً.

إن الاتحاد الأوروبي هو أكثر منظومات ما بعد الحداثة تطوّراً. إنه يمثّل الأمن من خلال الشفافية، والشفافيةَ من خلال الاعتماد المتبادل. الاتحاد الأوروبي منظومةٌ عابرة لحدود الدول أكثر منه منظومة تعلو فوق مستوى الدول؛ هو اتحادٌ طوعي بين الدول ليس فيه إخضاعٌ قسري لسلطةٍ مركزية. إن حلم الدولة الأوروبية يعود لعصرٍ سابق. إنه يرتكز على فرضية أن الدولةَ القومية تمثل خطَراً أساسياً، وأن الطريقة الوحيدة للسيطرة على الفوضى بين الأمم لا تكون بغيرِ فرض الهيمنة عليها. ولكن، إذا كانت الدولةُ القومية تمثّل مشكلاً فإن الدولة المهيمِنة الأعلى ليست حلاً بكل تأكيد.

الدول الأوروبية ليست الوحيدةَ في عالم ما بعد الحداثة. كندا، من بين الدول خارج أوروبا، من دول ما بعد الحداثة بكلّ تأكيد، واليابان تميل إلى أن تكون كذلك، لولا أن موقعها الجغرافي يمنعها من التطور في هذا الاتجاه بشكلٍ كامل. أما الولايات المتحدة فهي حالةٌ يشوبها الشك بدرجة أكبر، إذ أنه ليس من الواضح ما إذا كانت الحكومة الأمريكية أو الكونجرس يقبلان بضرورة الاعتماد المتبادل أو يرغبان فيه وفيما يترتّب عليه من انفتاحٍ ومراقبةٍ متبادلة وتدخّلٍ متبادل إلى المدى الذي تقبل به معظم الحكومات الأوروبية الآن. أما فيما عدا ذلك فإننا نجد أن ما تحقق في أوروبا أصبح موضع تطلّعات أجزاء كثيرة من العالم. إن منظمات “آسيان” و”نافتا” و”ميركوسور” وحتى منظمة الوحدة الإفريقية توحي في أقلِّ تقدير بوجود الرغبة في تحقيق بيئة ما بعد الحداثة. وبالرغم من أنه من المستبعد تحقيق هذه الرغبات بسرعة فإن التقليدَ يبقى من دون شكٍّ أسهلَ من الاختراع.

لا يوجد داخل عالم ما بعد الحداثة تهديدٌ للأمن بالمعنى التقليدي؛ بمعنى أنّه ليس لدى أطرافِ ما بعد الحداثة احتمالٌ بأن يغزوَ أحدُهم الآخر. فيما تُعتبر الحربُ في عالم الحداثة، وطبقاً لنظرية كلاوسفيتز، أداةً من أدوات السياسة، تُعتبر الحرب في عالم ما بعد الحداثة علامةً على الفشل السياسي. وبينما لا يشكّل أطراف ما بعد الحداثة خطراً على بعضهم البعض، نجد أن مجموعتيْ الحداثة وما بعد الحداثة كليْهما، تشكّلان تهديداً، كلٌّ منهما تِجاه الأخرى. إن التهديدات التي تمثّلها مجموعة الحداثة هي الأكثر شيوعاً، إذ نجد أن منظومة الدولة الكلاسيكية، والتي غادرها عالم ما بعد الحداثة منذ فترة قصيرة فقط، باقيةٌ كما هي، وتستمر في التصرف طبقاً لمبادئ الإمبراطوريات وإعلاءِ المصلحة القومية فوق كلِّ الاعتبارات. سيأتي الاستقرار، إذا ما أريدَ له أن يتحقق، عن طريق التوازن بين القوى ذات النزعات العدوانية. يلفت النظرَ كَمْ هي قليلةٌ مناطق العالم التي يوجد بها مثلُ هذا التوازن، وكَم هي كبيرةٌ مخاطرُ احتمال دخول العنصر النووي إلى المعادلة في بعض المناطق قريباً.

إن التحدّي الذي يواجه عالم ما بعد الحداثة هو أن يعتاد على فكرة المعايير المزدوجة؛ أن نتعامل فيما بيننا على أسسٍ من القانون والأمنِ المنفتح والتعاوني، وأن نعود في تعاملنا مع الأنواع القديمة من الدول التي تقع خارج قارة أوروبا ما بعد الحداثة إلى طُرُق العصور السابقة الأكثر خشونة؛ سيتعيّن علينا أن نعود إلى استخدام القوة والهجوم الاستباقي والخداع وكلِّ ما هو ضروري للتعامل مع أولئك الذين لا يزالون يعيشون في عالم القرن التاسع عشر حين كانت كلّ دولةٍ معنيّةً بذاتها فقط. سنحترم القانون في التعامل فيما بيننا، أما حين نعمل في الغابة سيتعيّن علينا أن نستعمل قوانين الغابة أيضاً. لقد أغرانا طول زمن السّلم في أوروبا بإهمال دفاعاتنا، المادية منها والمعنوية، وهذا يمثّل واحداً من المخاطر الكبرى التي تواجه دول ما بعد الحداثة.

أما الخطر الذي يمثّله عالم ما قبل الحداثة فهو خطرٌ جديد. عالمُ ما قبل الحداثة هو عالم الدول الفاشلة، حيث تعجز الدولة عن الوفاء بمعايير (فيبر) التي تقضي باحتكار الدولة للاستخدامِ الشرعي للقوّة. الدولة في هذه الحالة إمّا فاقدةٌ للشرعية أو فاقدةٌ للتفرّد باستخدام القوة. وفقدان الشرعية وفقدان التفرّد باستخدام القوة كثيراً ما يكونان متلازمين. الأمثلة على الانهيار الكامل نادرة نسبيّاً، ولكن عدد الدول التي تقع في دائرة خطر الفشل في ازديادٍ مستمر. بعض مناطق الاتحاد السوفييتي السابقة مرشّحةٌ لهذا المصير، وهذا يشمل الشيشان. جميع مناطق إنتاج المخدّرات تمثّل جزءاً من عالم ما قبل الحداثة. لم تكن في أفغانستان حتى عهدٍ قريب سلطةٌ ذاتُ سيادة، وكذلك هو الحال في دواخل بورما وفي أجزاء من أمريكا الجنوبية حيث يهدّد أمراء المخدرات تفرّد الدولة باستخدام القوة. توجد بلدانٌ في جميع أنحاء إفريقيا مهدّدة بهذا المصير، ولا تخلو منطقةٌ من العالم من هذه المخاطر. الفوضى في تلك المناطق هي الأمر الاعتيادي والحرب جزءٌ من نمط الحياة فيها. والحكومات في تلك المناطق ـ بالقدر الذي توجد به ـ تعمل بطريقة مشابهةٍ لعمل جماعات الجريمة المنظّمة.

قد تكون دولةُ ما بعد الحداثة أضعفَ من أن تؤمِّن أراضيها، وهي أبعدُ ما تكون عن تشكيلِ تهديدٍ للغير، إلاّ أنها من الممكن أن توفّر قواعدَ لجماعاتٍ غيرِ تابعةٍ لأيّ دولة قد تمثّل تهديداً لعالم ما بعد الحداثة. وإذا ما لجأت هذه الجماعات، وخاصةً منها جماعات المخدّرات أو الجريمة أو الإرهاب، إلى استخدام قواعدَ [في مناطق] ما قبل الحداثة للهجوم على المناطق الأكثرِ استقراراً من العالم، فإن الدول المستقرّة قد تُضطرّ في النهاية إلى الرّد. وإذا ما أصبح خطرُ هذه الجماعات أكبرَ من أن يُحتمل، فسيكون من السهل تصوّرُ ظهور إمبريالية دفاعية. وليس من المبالغة النظرُ إلى ردِّ الغرب على أفغانستان من هذه الزاوية.

كيف نتعامل مع فوضى ما قبل الحداثة؟ إن الانجرارَ إلى مناطق الفوضى أمرٌ محفوفٌ بالمخاطر، فالتّدخّلُ إذا ما طال أمدُه لن يكون مقبولاً لدى الرأي العام، وإذا ما كان غيرَ ناجحٍ فإنه سيأتي بالضّرر على الحكومةِ التي أمرت به. ولكن ترك بلدانٍ متفسِّخةٍ وشأنها، كما فعل الغربُ بالنسبة لأفغانستان، قد يحمل مخاطرَ أكبر.

ما الشكل الذي ينبغي أن يأخذه التدخّل؟ إن أكثر طرق التعامل مع الفوضى منطقيّةً، والطريقة المعهودة في الماضي، هي الاستعمار. غيرَ أن الاستعمارَ أصبح غيرَ مقبولٍ لدى دولِ ما بعد الحداثة (ويتصادف أن هذا هو الحالُ أيضاً لدى بعضِ دول الحداثة). إنّ موت الإمبريالية هو ذاته السبب في ظهورِ عالم ما قبل الحداثة. لقد أصبحت الإمبراطوريات والإمبريالية من الكلمات المُشينة في عالم ما بعد الحداثة. لم تعُد في عالم ما بعد الحداثة اليوم قوىً استعمارية تقبل القيام بهذا الدور، بالرغم من أن الفرص، وربّما حتى الحاجة، متاحةٌ الآن بنفس الدرجة التي كانت عليها في القرن التاسع عشر. يواجه المتخلفون عن الالتحاق بالاقتصاد العالمي خطرَ الوقوع في دائرةٍ مفرغة. إن الحكومة الضعيفة تعني الفوضى، ممّا يعني بدوره تناقص الاستثمارات. لقد كان معدّل إجماليِّ الناتج القومي للفرد في كوريا الجنوبية في خمسينيات القرن الماضي أقلَّ منه في زامبيا؛ إحداهما أصبحت جزءاً من الاقتصاد العالمي، وفشلت الأخرى.

إن جميع شروط الإمبريالية متوفّرة، ولكنّ العرض والطلبَ، كليهما، قد نضبا. لا يزال الضعيف رغم ذلك في حاجةٍ إلى القوِيّ، والقوِيُّ في حاجةٍ إلى عالمٍ مستقرٍّ، عالمٍ يقوم فيه ذوو الكفاءةِ العالية والحكمِ الرشيد بتصديرِ الاستقرارِ والحرية، ومنفتحٌ على الاستثمار والنّموِّ؛ وجميعُها أشياءٌ مرغوبٌ فيها.

إن ما نحتاجه إذن هو نوعٌ جديدٌ من الإمبريالية يكون مقبولاً في عالَم حقوق الإنسان والقِيَم العالمية. باستطاعتِنا منذ الآن أن نتبيّن معالم ذلك النوع الجديد، فهو – مثل كلّ إمبريالية أخرى – يهدف إلى تحقيق الاستقرارِ والنظام، ولكنه اليوم يستند إلى مبدأ التطوّع.

إمبريالية ما بعد الحداثة لها شكلان. توجد أولاً إمبرياليةُ الاقتصاد العالمي الطوعية، المسيَّرةُ عادةً من قِبل ائتلافٍ عالمي عن طريق مؤسساتٍ ماليّة دولية مثل صندوق النقد الدولي والمصرف الدولي ـ وهي مؤسساتٌ متعدِّدة الأطراف كما هي سِمةُ الإمبرياليّة الجديدة. تقوم هذه المؤسسات بتقديم المساعدة للدّول التي ترغب في الانضمام إلى الاقتصاد العالمي وإلى دائرة الاستثمار والازدهار. لهذه المؤسسات في المقابل طلباتٌ تأمل أن تُعالَج بها عناصرَ الفشل الاقتصادي والسياسي التي ساهمت في ظهور الحاجة إلى المساعدة أصلاً. وتؤكّد عقيدة المساعدات الآن على الأداء الحكومي، فإذا ما أرادت دولةٌ أن تستفيد، سيكون عليها أن تقبَل بتدخّلَ المنظمات الدولية والدول الأجنبية (تماماً مثلما انفتح عالم ما بعد الحداثة، وإن كان ذلك لأسبابٍ مختلفة).

الشكل الثاني من إمبريالية ما بعد الحداثة يمكن تسميته إمبريالية الجوار. يثير عدم الاستقرار في منطقةٍ ما تهديداتٍ لا يمكن لأيّ دولةٍ أن تتجاهلها. لقد أثار سوءُ الحكم والعنفُ العرقيّ والجريمةُ في منطقة البلقان تهديداتٍ لأوروبا، وجاء الرّدُّ على تلك التهديدات بإنشاء ما يشبه محميّتيْن طّوعيّتـيْن تابعتين للأمم المتحدة، في البوسنة وكوسوفو. لا يثير الدهشةَ هنا أن الممثّل السامي في الحالتين كان أوروبيّاً. أوروبا هي التي تقدّم للبوسنة وكوسوفو معظمَ المساعدات الضرورية لتسيير العمل في البوسنة وكوسوفو ومعظمَ الجنود (رغم أن الوجود الأمريكي لا غنىً عنه كعامل استقرار). وفي خطوة إضافية لا سابقةَ لها، عرض الاتحادُ الأوروبي على جميع دول يوغوسلافيا السابقة الدخولَ الحرَّ إلى السوق من طرف واحد، ولجميع منتجاتها بما فيها معظم المنتجات الزراعية. لا يقتصر دور المجتمع الدولي على توفير الجنود، بل يتعدّاه إلى توفير الشرطة والقضاة وضباط السجون والمصرفيين المركزيين وآخرين. تنظّم منظمة التعاون والأمن في أوروبا  (OECD)الانتخابات وتراقبها، وتقوم الأمم المتحدة بتدريب وتمويل الشرطة المحلية، إضافةً إلى المساعدة التي تقدّمها أكثرُ من مائة منظمة غيرِ حكومية في مجالات عديدة ضرورية.

يوجد اعتبارٌ آخرُ يجب إبرازه، وهو أن استيلاءَ الجريمة المنظمة أو غيرِ المنظَّمة، بشكلٍ أو بآخر، على دولة ما سيمثّل خطراً على جيرانها، وهذا الاستيلاء هو ما يعنيه سقوط الدولة. لقد أقام أسامة بن لادن الدليل، لمن لم يكونوا قد أدركوه بعد، على أن العالم بأسره في هذا العصر قد أصبح جاراً محتمَلاً لنا في أقلّ تقدير.

تُعتبر منطقة البلقان حالةً خاصة، ففي أنحاءَ أخرى من أوروبا يعمل الاتحادُ الأوروبي على تنفيذ برنامج سيؤدّي في النهاية إلى توسيعٍ ضخمٍ للاتحاد. لقد فرضت الإمبراطوريات في الماضي قوانينَها ونُظمَ الحكم عندها فرضاً، أمّا هنا فإننا لا نجد أحداً يفرض شيئاً على أحد، بل نجد بدلاً من ذلك توجّهاتٍ طوعيةً للالتزام الذاتي. خلال فترةِ الترشح لعضوية الاتحاد الأوروبي عليك أن تقبل ما يُقدّم إليك (كمية هائلة من القوانين واللوائح)، مثلما كانت الدول التابعة تفعل في أوقات مضت. ولكن الجائزة هي أنه بانضمامك إلى [الاتحاد] سيكون لك صوت داخله. وإذا ما كانت هذه العملية نوعاُ من الإمبرياليةً الطوعية، فإن الوضع الذي ينشأ نتيجةً لها يمكن وصفُه بالإمبراطورية التعاونية. وقد يكون اسم الكومنولث اسماً مناسباً لها.

يقدّم اتحادُ “ما بعد الحداثة” الأوروبي رؤيةً للإمبراطورية التعاونية وللحرية المشتركة والأمن المشترك، من دون سيطرة عرقية أو مركزية مطلقةٍ مثل التي طبعت الإمبراطوريات في الماضي، وكذلك من دون تفرّدٍ عرقيٍّ طبع الدولة القومية ولم يعُد مناسباً في عصرٍ اختفت فيه الحدود، وغيرَ عمليٍّ في مناطق مثل البلقان. قد تكون الإمبراطورية التعاونية هي الإطارُ السياسي الداخليُّ الأكثرُ ملاءمةً للتغيّرات الجوهرية التي تنطوي عليها دولة ما بعد الحداثة، بصفتها إطاراً يكون فيه للجميع نصيبٌ في الحكم، ولا تنفرد فيه دولةٌ بعينها بالسيطرة، وتسودُها المبادئ القانونية لا العرقية. سيكون المركز فيها ضعيفَ التأثير، والبيروقراطيةُ المركزية بالضرورة تحت المراقبة والمحاسبة بصفتها خادم الاتحاد لا سيّدَه. يجب أن تكرِّس مثل هذه المؤسسة نفسَها للعنصريْن المكوِّنين لها وهما الحرية والديمقراطية. وسيقدّم هذا الاتحاد لمواطنيه ـ مثلما كان الحال بالنسبة لروما ـ بعضَ القوانين وقطعَ النقود، والطُّرقَ مِن آنٍ لآخر.

تلك هي الرؤية ربما. هل بالإمكان تحقيقها؟ الزمن وحدَه كفيلٌ بالإجابة. السؤال هو كم بقي لدينا من الوقت. السباق السرّيُّ في عالمنا المعاصر للحصول على السلاح النووي مستمر. في عالم ما قبل الحداثة كانت مصالح الجريمة المنظمة – بما في ذلك الإرهاب الدولي – تنمو بمعدّلاتٍ تتجاوز نُموِّ الدولة. ربما لم يبق من الوقتِ الكثير.

___________________________________________

(*): https://fpc.org.uk/the-post-modern-state/, May 2, 2019

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. مفهوم السيادة بمعناه القديم الذي يعطي لحكام كل دولة حرية التصرف ضمن تلك المساحة الجغرافية انتهى. السيادة باتت شيء نسبي. هي مقدار قدرة كل دولة على التأثير في محيطها و داخلها و غيرها من الدول مقابل قابليتها للتأثر. القوة العسكرية و الناتج المحلي و المنتوج الإعلامي و الثقافي و الـتأثير في الفضاء الإلكتروني كلها من صمن أوجه التأثير. نحن بلد ضعيف في كل هذه الأوجه و بالتالي منقوص السيادة. قدرة الدولة على احتكار استخدام العنف داخلها أو قدرتها على تلبية خدمات مواطنيها أو الالتزام بالمعاهدات الدولية هو نتيجة. أي أن قابليتنا للتأثر العالية و قدرتنا على التأثير المعدومة تجعل من الدول الأخرى قادرة على التأثير في و إضعاف الدولة من حيث احتكار العنف و تقديم الخدمات و الالتزام بالعهود.

  2. مقالة مهمة وتحليلية نأمل من حضرتك إقتراح بعض الحلول الناجعة لهذه الفوضى الخلاقة.

  3. بارك الله فيكم على التحليل والتقديم. ما أحوجنا للاطلاع والقراءة، وما يليها من فهم ما يجري من حولنا. المستقبل قاتم إن لم نمتلك زمام أمرنا.

  4. كل الدول العربيه فاشله وهشه وجميغ سيناريوات السقوط والتشظي مفتوحه على مصرعيها وهي تعيش من قرون ازمة خكام ومحكومين والخروج من هدا النفق المظلم يختاح الى زمن طويل من غير تفصيل قد لا يتسع له المقام وبارغم مما نعانيه اليوم في ليبيا وانا اكتب من داخلها نرى باننا الاوفر حظا للخروج من النفق والانسداد لاسباب تعييها النخبه الليبيه

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here