خالد الشحام: مكافحة الارهاب – أكذوبة القرن الحادي والعشرين العظمى

المهندس خالد الشحام

قبل عدة سنوات عندما انتشرت حمى الحركة السلفية في مصر عقب فوزهم المزور بالترشح لمجلس الشعب المصري –ولم نكن نعلم وقتها أن العساكر هم من مرر فوزهم لغاية لا تخفى على أحد  – وجدت الحركة السلفية في العالم العربي موقعا لها وتجرأت على طرح وتسويق نفسها كمغير اجتماعي في ظل الانجرافات التي انطلقت في المنطقة عقب سقوط مبارك كشخص ….أذكر وقتها أن زعماء الحركات السلفية في الأردن طفوا إلى السطح وصاروا موضع التنظير والتأطير وشعر الكثيرون بغير علم بأننا سنتعرض في الفترات القادمة لطوفان من التشدد الذي يبعث عدم الارتياح  وتكرر مثل هذا الشعور عندما بدأت الأنباء تتوارد بعد سنوات عما تفعله داعش بالمناطق التي سيطرت عليها ولم نكن أيضا أصحاب علم !

 

لا أعرف من بيئتي المحيطة من الأصدقاء والجيران والمثقفين واحدا يهمس لي بأنه سوف يقيم دولة اسلامية أو يفكر بحمل السلاح ونشر فكر الاسلام بهذه الطريقة ، لم ألتق يوما شخصا ينادي بتطبيق شرع الله بالسيف والرشاش والمدفع والتفجيرات، صحيح تماما بأننا نمتلك فكرا متشددا حيال بعض الجزئيات ونمارس ونعيش أنماطا من السلوك اللاديموقراطي في ثنايا حياتنا لكننا نشترك مع كل شعوب العالم في مثل هذه الأفكار والتفاصيل مهما اختلفت الأديان، من جهة أخرى علينا أن نتذكر أن كل هذه النماذج المشوهة من التنظيمات التي تتبنى رسالة الأرهاب والتزمت تحت رايات الاسلام والتي فصلت خصيصا للإساءة للإسلام ووضعه محل الارهاب هي نتاج الاستخبارات الأمريكية والبريطانية والفرنسية والاسرائيلية والعربية المتصهينة وكل ممثل من هؤلاء يتم استنساخه وحشوه بالفكر المتطرف وتسليحه يقوم بجر مغرر آخر خلفه ليخلقوا حالة تنظيمية يمكن استخدامها لتكون دمية تلبي كل توقعات وصحة الادعاءات بوجود الأرهاب والارهابيين المسلمين تحديدا ولديكم من الأدلة والتحقيقات ما يغني عن الشرح.

الإرهاب في تعريفه البسيط الذي يمكن أن نتفق عليه جميعا يعني ترويع وتخويف الأفراد والجماعات بشكل يخالف المواثيق الإنسانية وينتهك حقوق وقيمة الإنسان دون اي وجه حق ، حتى اليوم لا يوجد تعريف عالمي محدد متفق عليه يشخص مفهوم الإرهاب أوالإرهابي وتفسير هذه الحالة المعلقة لا يحتاج الكثير من الفطنة والذكاء حيث تعمدت الولايات المتحدة بقيادة بوش الابن قبل عقدين تلاشي هذه النقطة كي تصنف وتحوط بدائرة الإرهاب من تشاء وقتما تشاء دون اي قاعدة أو مرجعية قانونية دولية أو عالمية واضحة المعالم خاصة بعد أكذوبة أحداث الحادي عشر من سبتمبر المشؤوم. 

المجتمعون في نيويورك قبل أيام  والذين توافدوا إلى قاعة الجمعية العامة للأمم المتحـــدة في دورتها الجديدة  كلهم جاؤوا المكان وكأنهم قارئون على شيخ واحد وينطلقون من مرجعية واحدة  وكل كلمة ألقيت كان فحواها ومحورها يشترك مع كل الخطب في أساس متفق عليه وهو مكافحة الإرهاب ومد يد المساعدة للقضاء على هذه الظاهرة وكأن الكل يريد حل مشاكله وفرز أطماعه من خلال هذه الخانة المحددة سلفا.. ولكن مهلا هنا ! أليس معظم من تكلم في هذا المحفل هو إرهابي أو يمثل كيانا إرهابيا ما أو يده ضالعة في الإرهاب تحت سياق التعريف السالف الذكر؟ أليس معظم هؤلاء هم أكبر إرهابيي العالم الذين جوعوا وحاصروا وقتلوا وسجنوا الأبرياء وقصفوا البشر وحرقوا الأرض من تحتهم ومن فوقهم ؟ بماذا يمكن أن يوصف شخص متزمت متشدد مثل نتانياهو أو رؤسائء أوروبا وغيرهم من رؤساء وأمراء الشر العرب؟ أليس هؤلاء هم من لهم اليد الطولى بممارسة الإرهاب المعنوي والمادي والنفسي والتاريخي المزمن بحق شعوبهم أو شعوب أخرى تعايشهم الزمان والمرحلة ؟ هل بقي منهم من أحد لا نعده إرهابيا؟

 

أنفقت المليارات المهولة في علوم الموت وفقه المؤامرة طيلة السنوات الخمس الماضية وبكرم عربي حاتمي سخي وبتخطيط غربي – اسرائيلي لتحطيم سوريا وليبيا واليمن ومصر واسقاط أية بارقة أمل لشعوب المنطقة والحفاظ على موروث الاستعمار ومكان اظافره في رقاب العرب ، المبالغ الطائلة التي دفعها الخليج العربي لوحده لتحقيق نزوات وأمنيات حكامه وخدمة المشروع الصهيوني كانت تكفي لإعادة تجديد الوطن العربي بأكمله وتحقيق بنية تحتية سياسية قائمة على عوامل الحداثة والانفتاح الصحيح وبدء صفحة جديدة في حياة العرب .

 

مكافحة الارهاب هي مجردعبارة تمثل غطاء لفوهة صندوق باندورا الأسطوري القديم الجديد والذي يحوي بداخله كل المفاجآت الغربية السامة والتي تشتمل على تسليح الحكومات العربية بأسلحة مستهلكة وعدمية وعقد صفقات كاذبة لتسويق أسلحة انتهى الغرب من شأنها ، مكافحة الارهاب تعني اعتقال حريات الكتاب الوطنيين والصحفيين الشرفاء وتضييق الخناق على كل انسان شريف وغيور على بلاده وأفكاره النظيفة.. مكافحة الارهاب تعني بقاء رموز الفساد واللصوص وحرامية الأوطان والقمعيين والجلادين في كراسيهم وتلميع صورهم على انهم المخلصين والمطلوبين للمرحلة والذين لا غنى عنهم والذين يحفظون أمننا ويصونون حمانا.. مكافحة الارهاب تعني تحطيم الأســرة العربية و المدرسة والجامعة وغربلة كل المناهج لتكييفها مع متطلبات أمريكيا واسرائيل وزيادة الفرقة بين الشعوب وغرس ثقافة الانحلال المباح والعيش بشكل تافه وسفيه ومسفوف.. مكافحة الارهاب تعني شن الحرب على حماس والجهاد الاسلامي وحزب الله وشيطنة الأخوان المسلمين وتصفية كل رمز اقليمي يقف في وجه المشروع الصهيوني.. مكافحة الارهاب تعني تسويق فكر المفاوضات والسلام وإغراءات التعايش والقضاء على مشروع النهضة الصناعية والزراعية العربية لآننا سنبقى جميعا رهن الانتظار للمساعدات الامريكية وتتعطل كل قوانا الفكرية والانتاجية وسنبقى رهنا بمشيئتهم.. مكافحة الارهاب تعني حكم قراقوز الأعجوبي وتفصيل ما لا يخطر في بال المهرجين من قوانين القمع والتسلط ومحاكمة كل معترض أو صالح بالطريقة التي يشاؤون وقتما يشاؤون ولا يحق لأحد أن يفتح فمه… مكافحة الإرهاب تعني التسلط والحصار على شعب بأكمله في غزة وتجويعه وحرمانه من أدنى مقومات الحياة وتحويل البشر إلى أسوء ما ذكره التاريخ في معسكرات أوشفيتز.. مكافحة الإرهاب يمكن أن تتمدد من محاصرة فرد وتحطيم حياته إلى محاصرة جماعات كاملة مقاومة أو محاصرة بلد وشعب بأكمله ويمكن أن تتمدد لتشمل أمة بأكملها لأنها عربية أو مسلمة.

 الطريقة المثالية لمكافحة الأرهاب في ثقافة العرب مجرد وصفة بسيطة مشتقة من مستحضرات الأعشاب التاريخية في المنطقة العربية وضعها الأسلام قبل خمسة عشر قرنا وهي ليست صعبة ولا تحتاج اجتماعات لهيئة الآمم المتحدة ولا تتطلب حضور جهابذة المفكرين والمحللين السياسيين ولا وزراء الخارجية العباقرة ، إنها وصفة قديمة يعرفها كل طفل وكل شاب عربي تغرب وذاق ويلات بلاده التي تؤويه واكتوى بنار الحكام والجلادين و يمكن لعجوز عراقي أو فلسطيني أو سوري أو ليبي غير متعلم أو مثقف أن يطلعنا على كل بنود هذه المكافحة والتي نحفظها عن ظهر قلب…. بكل بساطة حرووا الشعوب من قبضتكم عليها وضعوا قواعد العدل بين خلق الله ، أوقفوا اللصوص والفاسدين والمسؤولين الحكوميين الذين ينهبون حقوق الشعوب تحت سلطات الأمن وعين القانون الكاذب المفصل لخدمة المؤبدين في الحكم مكان الله ، أنفقوا ميزانيات البلاد على المدراس والجامعات وتخريج اجيال تفهم حقيقة الحياة والاسلام والانتاج والعمل وتقدس الوقت والانسان وتتفهم الرأي الآخر…. أخرجوا لنا إذاعات وفضائيات تتمتع بالحد الأدنى من الشفافية والمصداقية وكفوا عن المتاجرة بالدين والعفن العنصري والقبلي والاقليمي وثقفوا الناس بأن اساس التفوق والتقدم هو البذل والعطاء وليس الولاء والطاعة ولا الجنسية…… توقفوا عن العيش كخدم وعبيد للمشاريع الأمريكية والروسية والايرانية وحققوا موقفكم الذاتي وقراركم الذاتي كي تقف كل الشعوب معكم بجرأة وثقة وايمان… حررونا من الآصنام وعبادة الأشخاص وتقديس المسؤول والتهليل لكل رئيس وزعيم ووجهونا إلى الانتاج والصناعة والزراعة والانتاج الفكري العالمي كي نتوقف عن التفكير بالسني والشيعي ونجوم الطرب والعيش لأجل رغيف الخبز وسعر السكر والمحروقات وسلم الرواتب وما تآمر من الذباب علينا ، احترموا عقولنا كشعوب فقيرة معدمة تصبوا إلى حياة أفضل ووجود امثل ، افسحوا المجال للعلم والعلماء والمثقفين ليديروا شؤون البلاد وليس خبراء النصب والاحتيال وأبناء العشائر والوجاهات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

في علم الفيزياء تعتبر النظرية النسبية هي الأشهر والأعظم وفي علوم الأحياء تعتبر نظرية التطور هي الأكثر شهرة وبقاءا، أما مكافحة الإرهاب فسوف تسجل الأجيال القادمة من بعدنا بأنها أكبر وأعظم كذبة غربية تم ابتكارها خصيصا لعالم العرب والمسلمين على يد صهاينة العصر الجدد بعد أن استنفذوا كل مسوغات التدخل والاغتصاب والسرقة والاحتيال من عنصرية وإتهام بالرجعية والتخلف والبربرية والهمجية طيلة كل العقود والقرون السابقة، مكافحة الإرهاب هي إحياء لروح الإرهاب على يد العرق المتصهين الجديد المشكل من كل فئات البشر المشتركين في الطمع والجشع والحقد على العرب والمسلمين، إنها المحفل الجديد بعضوية كل فرقاء اللون والعرق واللغة والمصاغة خصيصا لقتل أمل الشعوب وإبقاء راية الظلم والجور فوق الأرض، إنها إحياء طقوس الدم والموت وتهبيط قيمة الإنسان بما دون الحيوان وإذلال الشعوب قاطبة وسوقها كما تساق البهائم والعبيد تحت إدعاءات بوجود شيطان مقيم فيهم إسمه الارهاب، إنها حرب الساحرات الجديدة التي يعود بها القرن الحادي والعشرين بشكلها المحدث والمطور حيث يكفي حرق المرء لاتهامه بممارسة سحر الإرهاب… مكافحة الإرهاب هي اقتصاد الغرب اليوم الذي يشغل أسواقه ويبني مصانعه ويطعم شعوبه ويكمل أبحاثه من ريع أرباح عمليات مكافحة الارهاب.

 

مكافحة الإرهاب التي نعرفها معرفة حق ونثق بها ثقة فطرية مطلقة هي تلك التي جـاءت بها كتب السماء ولخصها الأسلام وأطرها في أفكار ثورية قديمة ما زالت حية حتى اليوم تقوم على تقدير واحترام الإنسان رجلا أو إمرأة وإعطائه المساحة الصحيحة للحرية والفكر المنفتح البعيد عن الشعوذة والإنغلاق وإبعاده عن شرور نفسه وإيذاء الناس وما عدا ذلك فلن تتوقف محاربة الإرهاب حتى تقضون على آخر مكافح للارهاب بينكم!

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. اقراء مقالاتك بصبر شديد حتى لا اصل الى نهاية بسرعة على القدر الممكن
    مقالاتك فعلا تستحق القراء بتعمق اكثر
    و من الله التوفيق

  2. كتاباتك ابداعية سيد شحام بارك الله في قلمك وفي فكرك وفي لغتك الرصينة القوية

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here