المهندس باهر يعيش: نابلس: لا طائرة في الأفق.. حتّى من ورق

المهندس باهر يعيش

 من على شرفتي على جبل جرزيم ألمحها. تحوم تجول  تصول ترتفع على متن الهواء في سماء نابلس وقد إنطلقت من  حارة القريون في قاع  البلد العتيقة. تجرّجرّ خيطا رفيعا طويلًا متينًا تخالها تجرّه, ولكنّه مثبت فيها, يفرمل حركتها إن تمادت واشتطّت في نزقها فابتعدت على غير ما يرغب فارسها. يرخي لها العنان فتنطلق, يشدّه فتقف. فرس جموح متمرّدة تسعى بشراسة للإفلات من قيدها لتصّعّد نحو السّماء السابعة، فوق عيبال وجرزيم جبلي نابلس وابنيها التوئمين. و…تتمرّد، تعدو تخبّ فوقها، فوق…فوق حتى طريق التّبّانه. تتلفّت بعينيها  تذوب بسحر الجمال. تشاهد أثر طريق البراق نحو ملكوت السماوات, تشاهد أجمل ما خلق الله: ألبحر الأبيض سلطان البحور ومعلّمها يستلقى على شاطئ حيفا ويافا و…عكّا، حيث سُكّ نابليون على وجهه مهزومًا. وطبرية والمرج ,مرج ابن عامر وحطّين ونهر الأردن وجريشة وغيرها وغيرها. تمدّ ناظريها عبر البحر فتلمح ذرى المسجد الكبير في غرناطة فتلوّح للحمائم شقيقاتها في صحنه.

 تحجب ضوء الشمس المائلة للغروب بيدها وتجول بناظريها في أرجاء السماء فوق الوطن الكبيييير الكبير وما شاء الله, لا تلمح طائرة واحدة  قادمة فوق الأرض التي بارك الله حولها…من أيّ نوع. لا ورقيّة ولا قتاليّة. سكون في سكون في سكون. تحزن من سماء طويلة عريضة…فارغة.  تحرد تكتئب. ستعتصم في مكانها حتّى ترى خيطا أسود يندفع من طائرة تغير على مكامن الغزاة.

يعود الصَّبِي النابلسي ويشدّ اللجام لئلّا تحرن الفرس فتقطع الخيط ولا تعود. صبيٌّ أزعر أسود أكرت الشعر والعينين …يناديها بأعلى صوته بكلمات ممطوطة لكن قويّة ,كلمات بلهجته النابلسيّة”وَلِكْ….إرجعييييي…ما في فائده…إبتنفخي بقربه مقطوعة”. تسمع صوته الجاد فتعرف أنه لا مزاح هناك و…تحنّ, تستسلم.

يمضي، يعدّي النّهار…تمتلأ السماء بها..طائرات من ورق وألوان العلم أبيض أسود أحمر أخضر تطيّر بسواعد سمراء لوّحتها الشمس فتيان صبية سود الشعر والعيون. كلّ يداعب طائرته فرسه(بمدّيحيات)(مدائح)نابلسية من قاع الدّست عن الجدود والآباء ولا أجمل…”إللّي معانيييه أللّه معا، واللي علينيييه الله عليه، نابليييس يا جبل …النار, نابلييييس أهلك….أحرار, موطنييييي موطني، “.

يقترب الغروب. يسمع صوت أمّه “يا جهاااااااد يالله تعالي أجى أبوووووك”، ينادي على فرسه، يبدأ بسحب حبلها، هي حزينة مكتئبة، يشدّ  الخيط، اللجام قليلا  قليلا بلطف وثبات تمامًا كما في رسن الفرس يسحبه بهدوء ورويّة، يلفّه على قطعة من غصن زيتونة حاكورتهم حتى تقترب منه. يمسك بها يضعها تحت إبطه وينطلق عائدًا للبيت…(طيارة من ورق)…أجمل وأروع وأعزّ من طائرات كثيرة لكنها…لا تطير.

عمّان- ألأردن.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here