المهندس باهر يعيش: ألزّاغ والمطر.. ظلمنا الغراب ونسله

المهندس باهر يعيش

  ألزّاغ…مفردها (زاغة). ورد في مفردات الطّير أنّها: طير من فصيلة الغربان الصّغيرة, تنحو نحو الحمامة في شكلها وحجمها. يطلق عليها أحيانا(غراب الزّيتون). أسود المنقار والساقين سنجابي الرأس والعنق وسائره أسود يخالطه لمعان أرجواني. مظلومة هذه الغربان…أوّل الظّلم في جعلها علامة الشّؤم والتّطيّر وآخرها, تشبيه كلّ ناقل سوء كشر الوجه من يحضّر ويستحضر الشرّ في أطلالته…بها.

    ذكّرني المطر طفلا بطيور(الزّاغ). تسبح في فضاء بلداتنا تطير فوق النّهر…نهرنا، و البحرين أبيضها وأحمرها وما بينه, ومنها(نابلس)العزيزة إبنة فلسطين البكر. كانت تلجأ الى أسطح القرميد، تنظر إلينا من ع،لٍ تنعق تصرخ بنزق وعصبية على كل من يمر فيما تعتبره حماها. كيف لا! وقد كانت أوّل من سكن البلاد هناك في القدس وما…حولها من أرضنا…نحن, يوم خُلقت مع الأرض حين سُطِحَت. قبل الرومان وأقوام كثيرة من كافّة الامم العابرة والغابرة. كانت شاهد على كلّ العصور. جيوش وحملات لم تترك فِترًا من أرضنا،أرضنا…نحن إلّا استباحته ولكنها..غارت في طينها, رحلت،ومن بقي منها  كما من قد يأتي في علم الغيب(لا سمح الله)سيرحلون…سيرحلون …سيغورون. تلك ألف باء الحريّة وطُهر الأرض وما عليها.

   كانت الزّاغ أوّل من بشّ ويبشر بقدوم المُزن, سحاب الخير, تتنسّم تستشعر قدومها وهي بعد وليدة لم تشبّ بعد, لم تصبح حبلى تلد مطرا مدرارا. كانت حين تطير تزعق فيما نعتبره عصبية وهي في عرفها؛ موسيقى تعزف ألحان المودّة والمحبّة كانت…تحمل البشائر. تبشّرنا وتنذرنا بال(قاااااق)ان الغيث قادم.

 ثم…يهلّ الخير على رؤوسنا زؤوس جبالنا وقامات الشّجر والبشر. يغسل الحجر و(تْشَتّي)علينا أطفالا قطرات خير يقطر من رموش أعيننا وذقوننا الصغيرة, يطهّرنا ونحن نتقافز كالجنادب بين جداولها في الأزقّة والأحواش والطّرقات؛ أو نغوص في طين الأرض…أرضنا و في (الحواكير) في طريقنا إلى ومن المدرسة على أقدامنا ب(جزماتنا)السود طويلة الرقبة. كان البرد أشد وكان قارصا اكثر. كنّا نفشق بين الحفرة والحفرة بتؤدة وأحيانا نقفز كما في القفز الأرضي العريض لنطوي بركة عريضة من ماء اعترضت سبيلنا ولا…سبيل, كان الغوص في مؤخّرتها حتميا.

    كانت النّقطة تفرش بحيرة بِركَةٍ من البَرَكَة. كنّا نتسلّى و المطر مدرارا بقذف الحجارة الرّقيقة أفقيا على سطحها، تمسّ مائها ولا تغوص أو تغرق لتستمر في طيرانها إلى حيث لا نريد أن نعرف.  كان البلل والطّين يلوّن يرسم لوحات شقاوة الأطفال على ملابسنا أكثر. كانت أصابع اقدامنا (تثلّج) تتضخّم تؤلم…أكثر وأكثر. نتعرض لقرص الأذن من أمهاتنا ومعلمينا (رحمهم الله)في عز البرد…أكثر. لشقاوتنا وخوفا علينا، ومسحا بعدها بأكفّ من جريد الجنّة بملابس جافة ملؤها الدّفئ…دفئ الحنان. نتحلّق أطفال حول منقل من فحم خشب شجر بلادنا. لا وقود بعملات خضر صعبة المنال, بلا استعباد, بلا منّة من هنا  أو هناااك, لا تلوّث لا تلويث. كان قمحهم وفيرا مع زيتهم الغديري يكفي ويوفي بحاجاتهم بقناعاتهم…من رحلوا؛ أمهاتنا وآبائنا. كان البرد أشد وكان قارصا أكثر, كانت قطرة الماء…أكبر وبركتها أكبر وأكبر أكثر. مع كلّ تلك الخشونة و البللل وشدّة البرد والقرص الحميم من برد واذنين, مع ذلك كلّه؛ كان هو الزمن الجميل..الجميل.

  لم نعد نرى الزّاغ ولا الحمام…لا أبيض ولا أسود, بل سحبا من دخان من خوالف المركبات والمصانع وحرق النّفايات. لم يعد أطفالنا كما كنّا أطفالًا، نلبس الجزمات السّود برقبة تصل إلى أعناق ركبنا, و نضع على رؤوسنا معاطف من بلاستيك تقينا ضرب حبّات المطر وذرو هبّات الرّيح سويّة مع سخرية الكبار. ذلك لأنّنا ومن بعدنا هم، أطفالنا…ترفّعنا عن المطر ف…ترفّع علينا. واحدة بواحدة.  صمت الزّاغ وصمتت الحمائم والعنادل والحساسين…رحلت. حتّى الصّقور والنّسور والحدأة…لم نعد نراها. كلّ الطير غادرت سمائنا إلى سماوات أعلى فيها الرّيح تحرك تتلاطف تشتد وتعصف, تلعب وتتلاعب. هنا…لا ريح ولا من يحزنون بل…يحزنون و…يحزنون! ألرّيح هجرت سمائنا السّفلى التي تنام تشخر في قعر السّماوات.

  ليتها تعود. تُحَرِّك بالخير سحبا من بشائر للزرع والضّرع فتعود الطير بصغارها أفراخها فرحى بمحصول وفير من حَبٍّ من حُبٍّ وكرامة. تعود تلك الحمائم بلونها الأسود الجميل الرّاقي. فيه الجمال والرّكازة والسّحر, لون العشق والحبّ, لون عيون المها…مهاتنا. لون الشّعر الأسود ينسدل على أكتاف وصدور العذارى من ربعنا. فالضّد يبرز حسنه الضّدّ. سواد الطير جميل يسبح في صفحة سماء بيضاء من غير سوء…من غير سوء, كشّامة على جيد على خدّ بدر البدور …زماااان .

 هي أخبرتنا أنّها ستعود إذا ما عاد سوادها يُظهر جمال الضِّدِّ في عودة صنائعنا ونوايانا بيضاء من غير سوء.لعلّ وعسى.

   عمّان-الأردن

.mbyaish@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here