المهندس باهر يعيش: ألحكواتي…

المهندس باهر يعيش

    حالنا كحال الراوي (الحكواتي) في حكايا وخرافات الأعراب فيما طوت السّير، في سيرة “بني هلال و زعيمهم: أبي زيد الهلالي…(سلامة)” مثلا. يتجمّع القوم كلّ مساء في خيمة  قبو ماخور غرزة، في مقهي على الرّصيف…هنااك في عمق البادية, على ضفة نهر عريض المسيل قد جفّ ماؤه. يتصدّر الحكواتي المشهد, يجلسونه على حجر ضخم سرق من قصر هشام هناك في أريحا. أريحا… شقيقة  القدس ونابلس وغزّة ويافا وحيفا…أتذكرونها؟! نقلوه من قصره الذي هدمه الافّاقون القادمون من وراء البحر, البحر المالح بسفن وهبها لهم قراصنة التاريخ و…الجغرافيا, يقطعون الطّرق والأرزاق والأعناق وسيقان الشّجر والبشر.

    يتجمّع الأعراب, يتحلّقون حول الرّاوي, ألحكواتي. تدور الكؤوس ملئى بالمكيّفات بالمنبّهات بالمنوّمات, يدور صبيّ الغرزة بالأوراق الخضر ممّا يذهب العقل و…شاي .بعضهم يمضغونه وآخرون يشمّون ما تيسّر. تنيييل الرّبابة (ربابة الحكواتي) حين يلاعب يدغدغ وترها بقوسه ووتره. (يشفط, يمزمز) الحكواتي من كأس أبي نواي ببرود وتؤدة-على حساب الأجاويد-. وحين تلاقي كلّ  رنّة أنّة نحيب عويل صادر عن وتر الرّبابة, صدّى لدى (السّمّيعة) ينعكس نحيبا وأنّات وآهات،   تسي الدموع حارّة تحرق العيون والخدود لحدث حزين. لموت أطفال أبطال يدافعون عن شجرة(دفلا)جزّها الغاصب, لأسر شباب وكهول- نساء ورجال- من صلبها, هبّوا للزود عنها لإعادة ما سلب من أرض وانتهك من عرض و…حقّ.

    يحكي الحكواتي حكاية رَبع هناك، على مرمى دولار من  موقع خيامهم, قضى جلّ شبابهم (وما زالوا) وهم يقفون باليد و الصّدور العارية لمقاومة أجلاء قبيلتهم-ألأخت الصّغرى لقبائلهم- عن مرابع جدودهم ومسقط رأس كلّ من عاش ويعيش عليها. يروي الحكواتي: كيف كانوا يسقطون ورودا عن غصونها بالمئات إلى الأرض التي أنجبتهم وأنبتتهم, يتماهون في ذرّات ترابها ويذوبون فيه. يروي الحكواتي: كيف حين و قف فتى من القبيلة ينخز التّنين في (سكّين) سرقها من خيمة ولائم شيخ القبيلة. يثور الحماس والبطولة (الشّفوية) ( الفارغة) للصّناديد للسامعين(القاعدين)ماصّي الشّفاة (ألمتمتّئين) الممزمزين شايهم ويانسونهم و زنجبيلهم و…كؤوس تطيح بالرّؤوس: فيقفون مع الطّفل الفتى يصفّقون يصفرون تشجيعا (بالمراسلة) من بعيد…لبعيد. مسكين هذا الفتى هذا البطل الصّغير يقتله الحكواتي كلّ ليلة ليحييه في الليلة الأخرى ثمّ… يقتله. لا الحكواتي ولا السامعون الحاضرون الغائبون يرغبون بحسبانه شهيدا تحضنه الأرض, أرضه السّليب في حضنها ليرتاح ويرتاح أهله الصامدون على جرحهم…هناااك. لا أحد يمدّ له يدا…فيسقط, ودخان سجائرهم وأراجيلهم يسدّ السّماء يلوّثها  سعال و حشرجات  من  قار وسخام, تعزف من الصدور.

    يتعمّد الحكواتي دائما وفي كلّ مرّة, ونزولا عند أوامر صاحب المقهى -صبيّ كبير الزّعران-, أن يتباطأ في روايته, سعيًا لمزيد من الوقت…مزيد من طلبات الزّبائن المتلهّفين لمعرفة (ماذا بعد؟!) ومتى ستسدل السّتارعن هذه التراجيديا التي أقلقت القوم؟.

    الطامة الكبرى، بل والدّهاء في (احتلاب) نقود القوم وسحب الدّخان والقات والياقوت تذهب بعقولهم بقلوبهم بنخوتهم، تتجلّى حين يهبّون  برجولة مصطنعة  عندما يتوقّف الحكواتي عند قيام (رجال أمن) الأعداء, بأعتقال البطل الصّنديد أبي زيد الهلالي (سلامة) وزجّه في السّجن مع ذوي الأسبقيّات والنّشالين, معلنا فضّ السّيرة إلى اليوم التالي. تقوم قائمة المستمعين الهتّيفة فيثورون طالبين من الحكواتي أن يفكّ أسر بطلهم وعنوان كرامته  (وهم ها هنا…قاعدون)- لا يليق ببطل صنديد مثله أن يبيت في السّجون, وهم أهل نخوة-.يتنطّع العديدون منهم لتكفيله, بل أنّ بعضهم يأخذه الحماس الى التّبرّع للحلول محلّه في معتقله. تغلق الغرزة , ينظّف صبيانها بقايا خذلان القوم, لتفتح في اليوم التالي لتبدأ الحكاية …من جديد.

عمّان- الأردن

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. سرد قصصي حكائي عابر لللاجناس الأدبية ويحفل بالمغزى والتشويق والايجاز …وللقصة بقية!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here