المنظمات الإجتماعية الأهلية وما يسمى بمنظمات المجتمع المدني

صباح علي الشاهر

لماذا أهلية وليست مدنية ؟

لأن بعضها ليس مدنياً ، ولا هي مرتبطة بالمدينة تأسيساً ، بل مرتبطة بالأهالي ، بالناس أينما كانوا ، في الريف الجمعيات الفلاحية والتعاونيات الزراعية ، ومنظمات سكنة البوادي والجبال والأهوار والوديان والصحارى .. وهي لا ترتبط بالمكان بل بالمهنة والمصالح الشاخصة لقطاعات واسعة من الناس تنتظم في كيانات للدفاع عن مصالح الجماعة، وقد تكون لأعمار مرحلية تمتد لبضع سنوات ، كمنظات الشبيبة والطلبة والمتقاعدين بمختلف أصنافهم ، وقد تكون مرتبطة بالجنس كالمنظمات النسوية أينما كانت النساء ، وليست حكراً على نساء المدن ، وهي أولا وآخراً ليست أحزاباً تعبر عن شرائح أو طبقات محددة من الناس ، فمثل هذه الأحزاب مهما أتسعت قاعدتها فهي ليست كل الناس ، ولن تكون ، في حين تحتوي المنظمات المهنية والديمقراطية كل الشرائح والطبقات والفئات ، أي المجتمع كله أو الأهالي من دونما تمييز .

والمنظمات المهنية والديمقراطية لا ترتبط بأيدلوجية معينة ، بل هي معبرة عن مصالح فئات محددة ، تعمل وتسعى لتحقيق هذه المصالح  للفئات المحددة، وهي منفتحة أمام نشاط أصحاب الأيدلوجيات ، لكنها تفقد مهنيتها وديمقراطيتها عندما تكون لأيدلوجيا معينه محددة ، حيث تصبح ليس أكثر من تنظيم من تنظيمات الحزب ، وتغلّب بالتالي المصلحة السياسية لهذا الحزب على المصالح الفعلية للشريحة أو الفئة أو الجماعة المحددة .

أن تدخل السياسة الصرفة في مجال المنظمات المهنية والديمقراطية يشتت هذه المنظمات ، ويقزمها ، و ينهي دورها الضاغط لتحصيل مكاسب لأعضائها ، و بالتالي يغير طبيعتها ، وينهي سبب وجودها ومبرره ، وبدل أن تدعم الأحزاب والتنظيمات  المتأدلجة هذه المنظمات المهنية والديمقراطية ستكون سبباً أساسياً في تهميشها وتهميش أدوار المنتسبين لها .

سيكون في كل بلد بدل أتحاد واحد للطلبة عدة إتحادات متناحرة ، كالتناحر الذي حصل بين إتحاد الطلبة والإتحاد الوطني لطلبة العراق ، وكالتناحر الذي حصل بين رابطة المرأة وإتحاد نساء العراق ، والذي لم يكن في حقيقته تناحرا بين طلبة العراق ، أو نساء العراق، وإنما هو تناحر بين الحزب الشيوعي وحزب البعث ، كان الطلبة ، مثلما النساء ضحيته .

واليوم أنظروا للساحة سنتجدون ثمة إتحاد طلبة ، وإتحاد وطني ، وثمة تنظيمات طلابية للدعوة وللطالباني ، وللحكيم ، وللبرزاني ، وثمة تنظيمات نسوية بلا حصر ، تنظيمات لنساء مسلمات متدينات ، زينبيات وفاطميات ، ونصيرات الصحابة ، وتنظيمات لنساء متحررات كلياً أو جزئياً ، تابعات عملياً وفعلياً لتنظيمات سياسية ، وحتى نقابة الصحفيين أصبحت نقابتين بفعل رغبة البعض في الهيمنة والتحكم ، من دونما إعتبار لمصلحة الصحفيين، أما النقابات العمالية فقد سحق دورها ، خل عنكم الجمعيات والتعاونيات الفلاحية التي أصبحت خبر بعد عين ، وإنسياقأ مع هذا الهوس في القيادة إنبثقت في الخارج تنظيمات نسوية ، ولا أعلم من أجل أي حقوق للنساء تعمل رابطة المرأة العراقية في بريطانيا أو السويد ، هذه المنظمات المفتعلة التي إقتصر دورها على الإحتفال بأعياد الحزب وتأسيس الرابطة، والأغرب من هذا أن للبعث تنظيم عسكري في الخارج ، وله قائد عام للقوات المسلحة .

****

يتصور البعض أن تعبير المدنية عكس تعبير العسكرية ، وهذا خطأ فادح ، فالعسكرية ما وجدت إلا بعد وجود المدن والقلاع ، ولحماية المدن والحكام ، وقبل تأسيس المدن لم يكن ثمة جيوش ، بل تتشكل الفصائل القتالية آنيا ، وعند حصول غزو أو حروب ، ثم يعود الحال إلى ما كان عليه ، يعود الراعي لرعيه والفلاح لأرضه والمتاجر لتجارته .

ويتوهم آخرون أنهم يطلقون هذا التعبير ( المدنية ) بوجه الدينية ، وما كان الدين والتدين إلا نتاج المدينة وإبنها ، حدث هذا في الديانات السماوية ، مكه والمدينة ، والكوفة ، ثم دمشق وبغداد إلخ، وقبلها ، ديانات وادي الرافدين ووادي النيل والصين والهند القديمة وكذا اليونان . الدين نتاج المدينة ومراكز الدين والتدين المدن الكبرى والحواضر العتيدة ، النجف ، قم ، الفاتيكان إلخ .

المدينة التي هي نتاج السوق أوجدت التمدن والتحضر مثلما أوجدت القسوة والوحشية من خلال الجيوش والشرطة ، وأوجدت الشرائع الوضعية والقوانيين التي تسوس شؤون الناس ، كما أوجدت الأفكار الغيبية والدين .

***

تتأسس المنظمات المهنية والديمقراطية لضرورة يفرزها الواقع ، وليس لرغبة أشخاص أو أحزاب ، عندما كانت المراة تعاني الظلم المزدوج والقهر الذي لا حدود له ، عندما كانت النساء يعانين من الأمية المستشرية ، وجدت رابطة المرأة ، كتنظيم نسائي للدفاع عن حقوق المراة ، قام هذا التنظيم بفتح مراكز مكافحة الأمية ، وفتح مشاغل في المدن والقرى والأرياف ، لتعليم النسوة صنعة الخياطة أو الحياكة والتطريز ، كما نشرت حملات التوعية الصحية ، وكيفية العناية بالطفل ، وكان لهذه الحملات دورها في تحسن وضع المرأة نسبياً ، أما النقابات المهنية كنقابة المعلمين والمهندسين والأطباء وغيرها فقد أسست الجمعيات الإستهلاكية لأعضائها ، لمساعدتهم على شراء ما لا يستطيعون شراءه من الأسواق، وبأسعار مدعومة ، وبأقساط من دونما فوائد ،  ولمساعدة أعضائها في تملك دارهم الخاصة فقد تأست الجمعيات الإسكانية التي إنتشرت في أنحاء العراق .

كان العمل وسط الناس ، وبين الناس يفتح أفاقاً غير محدودة على تطوير العمل المهني والنقابي والديمقراطي ، وجاء زمن أغبر أبدلت هذه المنظمات بمنظمات مفتعلة لما يسمى بمنظمات المجتمع المدني ، كمنظمات  “قصار القامة” ، و”طوال القامة” ، و”ذوي البشرة الداكنه” ، ومراكز بحوث وهمية ، ودراسات لم تطبع كتاباً ، وقيل أن الأمريكان أوجدو أكثر من مائة ألف منظمة من هذا القبيل، تشمل عضويتها الرئيس وزوجته ، وربما أولاده أحياناً ، وكلها تستلم المقسوم ممن همهم تطويرنا ، وتقدمنا ، تصوروا تطويرنا وتقدمنا ، ولله في خلقه شؤون!!.

 كاتب عراقي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here