المغرب: هل نحن امام حكومة هجينة؟ واين ذهب الخلاف الايديولوجي؟

mohamed-maghouti (2)

محمد مغوتي

نجح العثماني في تجاوز ما فشل فيه بنكيران. هكذا يبدو الأمر ظاهريا بعد الإعلان الرسمي لرئيس الحكومة الجديد عن التحالف الحكومي الذي يضم ستة أحزاب سياسية… لقد انتهى البلوكاج وفرض الإتحاد الإشتراكي نفسه طرفا في الحكومة رغم كل الإعتراضات التي أبداها حزب العدالة والتنمية خلال المدة التي قاد فيها رئيس الحكومة السابق المشاورات. وتراجع البيجيدي عن موقفه الرافض لمشاركة الوردة في الحكومة – سواء كان قرارا داخليا أم جاء نتيجة لضغوط من جهات عليا-  لا يعفي حزب المصباح  من مسؤولياته السياسية والأخلاقية عن خمسة أشهر من الزمن السياسي المهدور طيلة مرحلة البلوكاج.

منذ اللحظة التي تم فيها الإعلان الرسمي عن إعفاء بنكيران من مهامه وتعيين شخصية أخرى من داخل نفس الحزب الفائز بانتخابات 07 أكتوبر من أجل بدء مشاورات جديدة لتشكيل الحكومة، بدا واضحا أن رسالة السلطة مفادها أن تعثر المشاورات طيلة الفترة السابقة كان مرتبطا بتعنت وعناد رئيس الحكومة وحده. وقد اريد للوقائع أن تثبت بسرعة أن قرار إعفاء بنكيران كان في محله، وذلك عندما خرج العثماني أياما قليلة بعد تعيينه ليزف للمغاربة خبر الإتفاق على مكونات الحكومة الجديدة . لذلك كان هذا التغيير الجذري في موقف العدالة والتنمية (وفي وقت قياسي) منتظرا، وإن بدا مفاجئا للكثيرين، وخصوصا لمريدي هذا الحزب ولأولئك الذين صوتوا لمرشحيه خلال الإنتخابات الأخيرة. لكن ما حدث يثبت مرة أخرى أن الصورة التي حاول قادة البيجيدي رسمها عن حزبهم كانت خادعة وكاذبة، فقد بدا واضحا للمغاربة أنه لا يشكل الإستثناء المزعوم بالمقارنة مع التشكيلات التي تؤثث المشهد الحزبي ببلادنا. ومن أجل قيادة حكومة جديدة قدم الكثير من التنازلات، وتعرض لألوان من الإذلال، رغم الغرور الذي طبع علاقته بالأحزاب الأخرى بسبب تعلقه واحتمائه بوهم ( في النموذج الإنتخابي المغربي) إسمه: ” الإرادة الشعبية”.

حكومة الدفع السداسي كما يحلو لبعض الظرفاء الفيسبوكيين تسميتها تؤكد عبثية الممارسة السياسية ببلادنا، وتثبت أن هذه الأحزاب لا تمتلك قرارها ولا تتحكم في اختياراتها، ولا تلتزم بأية ضوابط أخلاقية في تصريف مواقفها. فالبيجيدي الذي ظل يردد على مسامعنا بأن ” فيتو” بنكيران ضد مشاركة الإتحاد الإشتراكي في الحكومة لم يكن قرارا شخصيا، بل كان موقفا متوافقا عليه في أجهزة الحزب، انحرف خطابه مئة وثمانين درجة أياما قليلة بعد صفعة إعفاء بنكيران وتكليف العثماني، وذلك عندما غير قادة الحزب لهجتهم، وأذعنوا للأمر الواقع بدون مقاومة. ولتسويغ هذا الموقف ” السكيزوفريني” تحدث بعضهم عن ” المصلحة العليا للبلد” واعتبره آخرون ” خطوة للخلف من أجل خطوتين للأمام”، وسمعنا من أحدهم كلاما تراثيا يستدعي ” صلح الحديبية” ويصنف المغاربة بقسطاس الإيمان والكفر… لكن الثابت في كل الخرجات التي حاول من خلالها قادة العدالة والتنمية تبرير خذلانهم لقواعدهم وخضوعهم لشروط “حلف أخنوش”، هو أن هذا الحزب يمارس “التقية” ويسعى إلى كسب الرضا والود عند صانعي القرار.

أما حزب الوردة فقد اقترف سلوكا غير مسبوق عندما ظل يستجدي المشاركة في الحكومة طيلة فترة البلوكاج. وهو موقف لا يليق أبدا بسمعة وتاريخ هذا الحزب الكبير الذي تحول من حزب سياسي يستمد شرعيته وقوته من قاعدة جماهيرية مؤمنة بمشروعه السياسي والإجتماعي إلى “كومبارس” يؤدي وظيفة تحت الطلب. والواقع أن الحسابات التي تحرك هذا الحزب الإشتراكي العتيد تراهن على إيقاف النزيف الذي يعاني منه الإتحاديون، فقد جربوا مقعد المعارضة خلال الخمس سنوات الماضية، ومع ذلك فقد حصلوا على نتيجة صادمة في انتخابات 7 أكتوبر، لذلك فهم يريدون إبقاء الحزب على قيد الحياة باختيارهم الإصطفاف في الحكومة، لأنهم عاجزون عن تصحيح مسار الحزب من خلال التواجد في المعارضة، وممارسة نقد ذاتي لإعادة ترتيب البيت الداخلي، واستثمار الرصيد النضالي والتاريخي الذي راكمه الحزب لمصالحة المغاربة من جديد.

لم يعد الإختلاف الإيديولوجي في المغرب يشكل عائقا أمام تأثيث المشهد السياسي، لذلك فلا غرابة في تشكيل حكومة هجينة وبدون هوية تضم أحزابا من مختلف الحساسيات والتلوينات. فالمنطق المتحكم في سلوك الأحزاب هو اقتسام الغنيمة، مادامت دار لقمان باقية على حالها. وفي الطبعة الحكومية الجديدة سنكون مرة أخرى أمام حكومة غير متجانسة لا تجمعها إلا القاعة الفسيحة التي تعقد فيها المجالس الحكومية كل خميس. أما الخاسران الأكبران من المشهد الجديد الذي صنع على المقاس، فهما العدالة والتنمية والإتحاد الإشتراكي، لأن تصدع الحزب الإخواني أصبح باديا للعيان بعد انقلاب بيجيدي العثماني على بيجيدي بنكيران، أما نهاية حزب القوات الشعبية فقد بات حقيقة ساطعة، وما دون ذلك هو أشبه بمن يحرص على وضع وردة ذابلة داخل كأس بها ماء. ولا يفسد العطار ما أفسده الدهر.

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. إذا الشعب أراد يوما الحياة سيتجب له يوما ما القدر طبعا. نحن اختارنا المذلة وعبوديتنا لمخلوق وليس لكن خلقنا يضحك علينا ويلعب بنا كيف يشاء. لا نريد أو أردنا التحرر و التقدم ومنافسة الحضارات بنت دولها بعد حروب و دمار وجهل.

  2. مالكم تضحكون على الشعب الأمي بالحكومة أو الانتخابات. والكل يعلم من هو الحاكم الفعلي للمغرب.انا لست ضد الدولة بل بالعكس أنادي دائما بحل جميع هذه العصابات المسمات أحزاب ونقابات لانها ما في أيديها أي شيء سوى ابتزاز الميزانية .و علينا الرجوع إلى عصر الوالي و آمين الشرطة و قاضي القضاة و أمير الجيش .هذا هو الحل .و يجب على النظام المغربي أن يعلم أن هذه هي الوصفة السحرية الناجحة لهذه الأمة.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here