المغرب: بنكيران واللعب مع الكبار

mohamed-maghouti.jpg666

محمد مغوتي

طيلة ثلاثة أشهر، ظل البرلمان المغربي في عطالة تامة بسبب البلوكاج الحكومي، وعندما صدرت التعليمات بضرورة التسريع بالمصادقة على قانون الإتحاد الإفريقي، تأهب جميع الفرقاء الحزبيين لانتخاب رئيس جديد للمجلس. لكن مشهد البلوكاج ظل حاضرا في تفاصيل جلسة انتخاب الرئيس وما سبقها من اتصالات ومشاورات. ومرة أخرى وجه أخنوش وحلفاؤه ضربة قاصمة لمساعي بنكيران الذي أصبح في وضع لا يحسد عليه.

ما الذي يمكن أن يفعله بنكيران الآن، بعد كل الضربات المتتالية التي تلقاها ممن يقدمهم كحلفاء ضروريين لتشكيل الحكومة المرتقبة؟. وإلى أين يمضي بنا هذا العبث؟.

لقد كثر الحديث منذ انتخابات 7 أكتوبر عن كثير من السيناريوهات المطروحة لتشكيل الحكومة، لكن كل المحللين والخبراء والمنجمين عجزوا عن توقع ما يمكن أن يحدث، لأن المشهد السياسي المغربي عصي على الفهم ولا يستقيم مع المنطق السليم. وحينما تتلبس السياسة لبوس العبثية، يغيب المنطق ويتوارى الوازع الأخلاقي، فيصبح كل شيء جائزا. وبما أننا في المغرب فليس علينا إذن أن نستغرب.

تشبث بنكيران طويلا بحزب الإستقلال، فجاءت ” القوة القاهرة ” التي أفرزتها تصريحات شباط عن موريتانيا لتسقط حزب الميزان من حسابات رئيس الحكومة المكلف، وبدا أن الطريق إلى نهاية البلوكاج قد أصبح سالكا، لكن تطلعات بنكيران الذي قدم نفسه في ثوب من يمتلك القرار عندما أصدر حزبه بيانا يقضي بحصر المشاورات بين أحزاب الأغلبية السابقة، سرعان ما اصطدمت بموقف التجمعيين الذين كان لهم رأي آخر، فاختاروا أن لا يركبوا سفينة الحكومة بدون حزبي الحصان والوردة اللذين أخرجهما البيجيديون من حساباتهم، غير أن حسابات أخنوش كانت أكثر حسما من أوهام بنكيران.

الكل يعلم اليوم أن أخنوش ما كان له أن يعرقل تشكيل الحكومة كل هذا الوقت لولا نجاحه في استقطاب حزب الإتحاد الإشتراكي، وعندما كان الأمين العام لحزب الوردة يقول بأن حزبه “قوة سياسية وليس قوة انتخابية”، فإنه كان يدرك أن اصطفافه بجانب الأحزاب التي كان يصفها حتى وقت قريب ب” أحزاب الإدارة” هو الذي سيمنحه هذه القوة، ذلك أن الجائزة التي كانت تنتظره بعد مساهمته الفعالة في البلوكاج هي الحصول على رئاسة مجلس النواب. أما كتائب البيجيدي التي صدقت قوانين الرياضيات، وظلت تردد في وجه أخنوش لازمة: ” 37 هي 37″ في إشارة إلى أن عدد مقاعد حزبه لا تخول له التحكم في مسار المفاوضات، فقد أيقنت اليوم أن معادلاتها الحسابية لا وزن لها.

انتخاب القيادي الإتحادي الحبيب المالكي على رأس مجلس النواب يعني أن بنكيران مدعو لإعادة النظر في عبارة ” انتهى الكلام” التي أطلقها قبل أيام، وإذا أراد أن يقود الحكومة المنتظرة، فما عليه إلا أن يقدم مزيدا من التنازلات، ويرضخ لإرادة أخنوش وحلفائه. ذلك أن حزب الإتحاد الإشتراكي بات الآن أقرب إلى الحكومة أكثر من حزب العدالة والتنمية نفسه. وعلى رئيس الحكومة المكلف أن يتعامل مع الأمر ( ربما لأن مصلحة البلد تقتضي ذلك). ولا يبدو أنه سيجد حرجا في الأمر، لأنه تعود أن يعلق كثيرا من قراراته على مشجب “مصلحة البلد”، وحتى تدابيره الإجتماعية والإقتصادية التي قهرت المغاربة خلال الخمس سنوات الأخيرة التي قضاها على رأس الحكومة المنتهية ولايتها، كانت تسوغ بالمبرر ذاته… أما إذا واصل عناده، وأصر على موقفه الرافض لانضمام الإتحاد الإشتراكي للصف الحكومي، حتى يحفظ بعض ماء وجهه ( على الأقل أمام كتلته الناخبة)، فإنه سيصبح أمام أحد أمرين لا ثالث لهما:

 -الإعلان عن الفشل في مساعيه، وإرجاع ” السوارت ” إلى صاحبها.

-التخلي نهائيا عن المفاوضات مع تحالف أخنوش، وتشكيل حكومة أقلية تضم حزبي التقدم والإشتراكية والإستقلال إلى جانب البيجيدي.

في الحالة الأول، سيتصرف الملك وفق مقتضيات الفصل 42 بوصفه ” رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية…”. وهنا لن يفلح كل المنجمين مرة أخرى في توقع ما يمكن أن يسفر عنه ” التحكيم الملكي”. أما إذا اختار بنكيران الحل الثاني، فإن ذلك سيفرز حكومة ضعيفة من المرجح أن تسقط في أول اختبار مادامت الأغلبية تنتمي إلى الصف الآخر. ولا يبدو أن رئيس الحكومة المكلف يمتلك الشجاعة والجرأة لخوض هذه التجربة، لأنه سيكون في مواجهة مباشرة مع الدولة، وذلك لأن مثل هذا الحل يعني إن عاجلا أو آجلا حل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة وفق مقتضيات الفصول 96 و97 و98 من دستور 2011.

لقد ظل بنكيران يقدم نفسه للمغاربة منذ 2011 بوصفه محاربا للتحكم، لكنه في الواقع كان يمثل الذراع الواقي لهذا التحكم، لأن خطره على المغرب أشد وطأة من خطر خصومه السياسيين، ليس فقط بسبب مرجعيته التي تستغل الدين وتستعمله للتعبئة والتجييش، بل أيضا بسبب كتلته الناخبة التي خولته الحصول على 125 مقعدا برلمانيا في انتخابات 7 أكتوبر. وهو عدد لا تأثير له في المشهد المغربي اليوم، لكنه على كل حال يقدم للتحكم سندا شعبيا. ورغم كل الخدمات التي قدمها للمخزن بدءا بإخماد تجربة فورة الشارع المغربي التي أطلقتها حركة 20 فبراير، يجد نفسه اليوم غير مرغوب فيه. فهل أدرك بنكيران معنى أن يلعب مع الكبار؟.

كاتب من المغرب

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here