المغرب: بلاد العَيَّاشة

radwani-ayoub-291x300

أيوب رضواني

بينما تجلس في أحد مقاهي “كورنيش” أغادير، تصدمك أسعار انتفخت ضعفين مع أنها في الأصل حارقة : قهوة العشرون درهما أضحت أربعينا، و وجبة الخمسين درهما صارت مائة…

الغريب و الملفت للنظر أن صاحب المقهى، أو المغني الذي “ينشط الجلسة” لا يتوانى بين الفينة و الأخرى عن الهتاف: عاش الملك! ظنا منه أن عبارات الولاء ستعفيه من المراقبة و الزجر. لقد أضحى الكثيرون مؤمنين أن عبارة “عاش” هي كلمة التوحيد التي تجب ما قبلها من تجاوزات في حق الوطن و المواطنين.

الحقيقة أن عبارة “عاش الملك” تعبر عن إرادة المغاربة في جعل المؤسسة الملكية جامعهم و رمز وحدتهم، بعد أن فشلوا في إرساء نموذج مواطنة عادلة منصفة تجمع الكل تحت لواءها، بمنطق المساواة و سيادة القانون بين الناس كأسنان المشط.

واقع الحال يقول أن الأمازيغي لا ينكح إلا أمازيغية، و الصحراوي إلا صحراوية، و”العربي” لا يتق إلا في بني جلدته، و أكبر شركات البناء (دون ذكر الاسم) لا تشغل سوى أبناء زاكورة و النواحي. غابة الولاء فيها للون الجلد و شكل القوائم!

هيبة و رمزية المؤسسة الملكية لا يجب أن تجعل الكثيرين يعتبرون التمسح على أعتابها بمثابة عبارة “التكبيرة” التي تحلل ذبح المواطن، و سرقة رزقه و محاصرته في حله و ترحاله حتى يضل قابعا في أسفل هرم ماسلاو، معتبرا الأكل و الأمن أكبر الإنجازات و أعظم النعم!

أصل “التَّعيَاش” ليس عبارة عاش الملك، التي لطالما رددها كثيرون من وطنيي هذه الأمة، بسطاء و نخبة، مدركين أنها الملاذ الأخير لدولة تتشدق ليل نهار بشعارات دولة الحق و القانون، لكن واقعها يتجه صوب الإيغال في جو البداوة و دولة الوصاية و منطق الرعية.

“التَعيَاش” نعت يصف حال طائفة كبيرة من المغاربة تسترزق و “تَعتاش” من مكانة الملك، بالسلب أو بالإيجاب.

المواطن البسيط الذي يملك حكما قضائيا لصالحه ظل يراوح مكانه سنوات دون أن يجد سبيله للنفاذ، يتسلق عمودا برفقة صورة لعاهل البلاد مهددا بالانتحار و مرددا “عاش الملك”، فقد يئس من قدرة قضاء “مستقل” على إنصافه!

المرآة المسكينة التي حلت سلطات البلدية لتهدم بيتها بداعي “خرق القانون” تجد نفسها معتصمة حاملة لصورة ضامن وحدة البلاد و استقرارها، بعد يأسها من مؤسسات تصرف عليها المليارات لتزيين الصورة، و كسب نقاط في تصنيف الاتحاد الأوروبي لأكثر البلدان المتخلفة ديمقراطية!

المسئول “الفاسد” تجده معلقا صورة لملك البلاد خلف مكتبه، لا يفلت حفل وَلاء و لا افتتاح دورة تشريعية، و لا يضيع الفرصة إن أُتيحت له لتقبيل اليد من الجانبين و بإصرار…ذات المسئول له حسابات بنكية منتفخة و فيلات منتشرة و الكل يهتف: ليس من أين لَكَ هذا! بل هنيئا لك بهذا!

خلال السنوات الأولى لحرب الصحراء، كانت جيوش البوليساريو تداهم قرى و دواوير منطق محاميد الغزلان المحاذية لتندوف. تَسلبُ المنازل و تداهم الأعراس لتأخذ بالغصب ما توفر من مؤن و أطعمة و كل غال و نفيس، قبل أن تصطحب العَلم المغربي “رهينة”.

إحدى السيدات “الوطنيات” رأت العلم و لم ترى كتائب الانفصاليين. عند اقترابهم منها هتفت بحماس “عاش الملك!” ليصفعها احد المتمردين آمرا إياها بلهجة حسانية ” قولي تحيى الجبهة!”

عبارة “تحيى” مساوية لكلمة “عاش”، و ما كان يفعله انفصاليو الخارج يعيده “انفصاليو” الداخل، بشرعية و حس وطني عال.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. يا أيها الأستاذ المحترم ألم يتبادر إلى معرفتك و يصل إلى علمك أن من يسيطرون على البلاد و يعتدون على العباد بتسلط و تحكم فاق ما كان يقوم به بن علي و القذافي و دوائرهم السلطوية بكل مكوناتها و عناصرها، أولئك الدائرة المحددة و المعروفة من طرف الشعب، يفعلون ذلك باسم الملك؟ بل منهم من يصدر الأوامر من داخل القصر باسم الملك لطحن المواطنين و وتعذيبهم و إغتصابهم و ترهيبهم و يختلقون الأحداث المروعة لإلهاء الشعب بجرائم هنا و هناك منها ما هي أبشع من البشاعة كإغتصاب في وضح النار في حافلة عمومية و إغتصابات أخرى مع القتل بل و يذهبون إلى أبعد من ذلك فيصدرون الجرائم خارج المغرب و يظهرون المغاربة بمظهر إجرامي لإلهاء الرأي الدولي عما يطالب به المغاربة داخل البلاد و خارجها، من حقوق و مؤسسات فعالة و جيدة و تعليم و نظام صحة جيد، فيحاولون إلهاء الرأي الدولي بتصوير المغاربة على أنهم مجرمون و لا يستحقون الحقوق و العدل و الاحترام، و من بين برامجهم العبقرية ما أتحفوا به إسبانيا و الشعب الإسباني مؤخرا بعد الجرائم الإرهابية و هو تسليط خبيث لهم يتعدى الثلاثين يحاول اغتصاب فتاة إسبانية في سن 15 فتقفز من الطابق العلوي ناجية بعرضها فيتكسر حوضها و يلقون عليه القبض، و بالطبع تنتشر الأخبار أنه ” مجرم مغربي آخر ” و سؤالنا: عاش المغاربة عدة سنين بإسبانيا و طبعا كانت هناك مخالفات للقانون هنا و هناك لكن ليس بهذا الشكل، فلماذا فجأة يصبح هناك عدة جرائم خطيرة و متتابعة قام بها (مغاربة) و في أثناء ما يمر به المغرب من تحركات شعبية للمطالبة بالحقوق و البنيات التحتية و العدل و حسن تسيير للمؤسسات بالمغرب، الشيء الذي جوبه بقمع متوحش سادي و مخالف لكل القوانين الدولية، و استجابة بعض الحكومات أو الشخصيات السياسية في أوروبا مع مطالب المواطنين المغاربة، و مطالبة الدولة بالتعامل مع المواطنين بتريث و الاستجابة لمطالبهم. فجأة يظهر أشخاص يقتلون المدنيين بأوروبا و يهددون و يرعبون الناس فإذا بهم مغاربة؟ غريب!

  2. مقال رائع جدا…يشرح أمية مجتمع بمثقفيه وفنانيه ورجال دينه ، كلهم استفادوا من مؤدونيات وسخ الدنيا لكنهم في المقابل انذلوا وركعوا…الذي لم يؤخذ مازال ، ماسكا بيد صورة الملك و باليد الأخرى راية حمراء…وجالس على قالب سكر متمنيا قنينة زيت أو خمرة من متاجر اسيما أو مرجان

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here