المغرب: الإيمان والفلسفة: عود على بدء

mohamed-maghouti

محمد مغوتي

ترك السيد رئيس الحكومة المكلف جمله تائها بعدما عجز عن بيعه في سوق المشاورات الحزبية التي تعرف كسادا استمر لأكثر من ثلاثة أشهر، واختار أن ينضم إلى النقاش الذي أثاره برنامج “منار التربية الإسلامية ” الجديد الموجه لتلاميذ السنة أولى باكلوريا، وذلك بإصداره لبلاغ في الموضوع على خلفية ردود الأفعال القوية التي عبر عنها مجموعة من المهتمين بالشأن التربوي، بعدما تبين أن المقرر المذكور يتضمن إساءة صريحة للفلسفة. لكن بلاغ بنكيران لا يقر بهذه الإساءة، وجاء متحدثا بنفس اللغة التي سبق أن عبرت عنها وزارة التربية والتكوين منذ أكثر من شهر، بل إن بنكيران بدا مستميتا أكثر في الدفاع عن مضامين الدرس الذي أثار الجدل في كتاب “منار التربية الإسلامية”، وكأن كل هذا اللغط الذي أثير حول الموضوع لا يعدو أن يكون “جعجعة بدون طحين”.

أوضح بلاغ رئيس الحكومة أن “مراجعة المقررات الدراسية شملت حوالي 29 مقررا، في حين أنه أثير النقاش حول مقرر واحد فقط، بسبب عبارة تشير إلى الفلسفة، علما أنه تم إدراج هذه الفقرة لبيان الفكر المتشدد لصاحبها في أفق مناقشته، ولم يكن القصد منها بتاتا الإساءة إلى الفكر الفلسفي…”.

لنلاحظ أن البلاغ يربط هذا النقاش ب”عبارة تشير إلى الفلسفة”، وفي هذا الكلام استصغار واضح للموضوع، وكأن السيد بنكيران يقول لنا- وهو المعروف بقفشاته -: ” راكم درتو من حبة قبة” كما يقول المثل … والحال أن الأمر لا يتعلق حقا بمجرد عبارة واحدة، بل يتعلق بدرس بأكمله هو ” الإيمان والفلسفة”. وقد سبق لي أن قمت بقراءة في مضامين هذا الدرس في مقال سابق بعنوان: “اغتيال الفلسفة في درس التربية الإسلامية”، لكن بلاغ السيد بنكيران يفرض العودة من جديد إلى الوقوف عند تفاصيل الدرس المذكور كما وردت في كتاب “منار التربية الإسلامية” المثير للجدل.

تحيلنا الفقرة الواردة أعلاه، التي جاءت في البلاغ الذي أصدره بنكيران على النشاط التعلمي: ” أحصل وأكتسب”، وتحديدا على الفقرة الأخيرة في النشاط التي ورد فيها كلام لابن الصلاح الشهرورزي الذي قال في الفلسفة ما لم يقله مالك في الخمر، لكن يبدو أن السيد بنكيران يعتبر أن منطوق ذلك الكلام لا يقصد الإساءة إلى الفكر الفلسفي، وهو يقدم المسوغ البيداغوجي لكلام الشهرورزي بدعوى أنه أدرج في الدرس “لبيان الفكر المتشدد لصاحبه في أفق مناقشته”. وهذا غير صحيح بتاتا، لأن وضع هذا النص في نشاط تعلمي يحمل عنوان: “أحصل وأكتسب” معناه أن المضامين التي يوردها الكتاب في هذا النشاط هي التي تمثل الحصيلة التي يسعى الدرس إلى تثبيتها في ذهن المتعلم. أي أن ما يراد أن يترسخ لدى  المتعلمفي درس ” الإيمان والفلسفة” هو:

” الفلسفة أس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالبراهين، ومن تلبس بها قارنه الخذلان والحرمان، واستحوذ عليه الشيطان، وأظلم قلبه عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.”. (  كتاب منار التربية الإسلامية. ص: 83).

هذه  هي المكتسبات التي ينتهي إليها هذا الدرس. وإذا سايرنا بلاغ رئيس الحكومة، وسلمنا جدلا بأن ورود هذا المقطع الذي يهاجم الفلسفة ويكفر المشتغلين بها، إنما جاء من أجل بيان الفكر المتشدد ومناقشته، فإننا نسأل: لماذا إذن لم يقترح الدرس نصا آخر يحمل وجهة نظر مدافعة عن الفلسفة؟. طبعا لهذا السؤال مشروعيته، وذلك على الأقل إعمالا بقاعدة: الرأي والرأي الآخر التي تؤسس لثقافة الإختلاف والحوار.

واضح إذن أن المبرر الذي يقدمه البلاغ للدفاع عن حضور هذه الفقرة في الدرس ليس له أي سند موضوعي، بل إن استهداف الفلسفة كان بينا وجليا في المضامين التي سبقت الإحالة على موقف الشهرورزي، فقد قدم المؤلفون المقطع المذكور بأسلوب تبريري، لأنهم وضعوا التلميذ منذ البداية أمام منظومتين تمت صياغتهما في سياق تقابلي يجعل النقل نقيضا للعقل، حيث يميز “منار التربية الإسلامية” بين مرجعين مختلفين للإجابة عن الأسئلة الوجودية التي يطرحها الإنسان:

“أولهما: هو الإسلام، ونقصد به هنا الرسالات التي أنزلها الله تعالى إلى البشر من لدن آدم عليه السلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم…

ثانيهما: هو إنتاج الفكر الإنساني المخالف لما جاء به الإسلام. وهذا الإنتاج له أشكال وأسماء كثيرة منها الفلسفة.” (ص:82).

هكذا إذن يقدمهذا الدرس الفلسفة للتلميذ كنقيض مباشر للدين مادام يعتبر الإنتاج الفلسفي فكرا مخالفا  للإسلام، وهو الهدف الذي سعى إليه المؤلفون منذ البداية، لأنهم وضعوا بين الأهداف التعلمية التي يتوخاها درس ” الإيمان والفلسفة” وهم يتحدثون بلسان التلميذ العبارة التالية: “أدرك أوجه التعارض والإختلاف بين الإيمان والفلسفة”. ( ص:80). وهذا الحكم القيمي الجاهز هو الذي مهد لكل المواقف المعادية للفلسفة والفلاسفة منذ أن بدأ المسلمون يمارسون فعل التفلسف. وهو المنطق ذاته الذي مازال يحكم موقف الفقهاء ومعهم العامة أيضا من التفكير الفلسفي. وحضوره واضح في تفاصيل هذا الدرس الذي نحن بصدد مناقشته هنا.

إن هذه المواقف التي تتعالى في وجه هذا الدرس الذي يقدم لتلامذتنا لا يمليها فقط واجب الدفاع عن الفلسفة، بل تفرضها الحاجة إلى بناء مغرب متشبع بثقافة الحوار والإختلاف والتعددية واحترام الرأي والرأي الآخر ونبذ العنف والإنغلاق والتكفير. ولا يخفى على صانعي القرار التربوي في بلادنا أن الفلسفة هي صمام الأمان الذي يحول دون تنامي الفكر المتشدد الذي أصبح خطرا حقيقيا يتهددنا. وعندما تتشبث “الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة”( باعتبارها طرفا في الموضوع) بسحب المقرر الدراسي الذي أثار هذا الجدل من التداول، فإنها لا تسعى إلى التدخل في ما لا يعنيها، بل إن هذا الموقف ينبعث من حرص كبير على التلميذ المغربي الذي ينبغي أن تتم حمايته من كل ما من شأنه أن يلوث عقله بسموم التكفير والكراهية والحقد التي تصنع الإرهاب وتغذيه. وعلى الوزارة الوصية أن تتحمل مسؤولياتها كاملة في هذا السياق.

كاتب من المغرب

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. .
    – العاهل الراحل هو الذي أمر في سنة 1966 حدف تلقين دروس الفلسفة في الثانويات المغربية بعد ان قامت مظاهرات ( معارضة ) إنطلاقا من ثانوية الخوارزمي بالدار بالبيضاء . ( قادها اساتذة ماركسيون ) (….).
    .
    – لكن في العهد الجديد العاهل امر بأن لا يقُيّد العقل المغربي (….) وليتم تدريس الفلسفة (…). إنفتاح إذن .
    .
    – الفلسفة والأديان ، ستعرف إلى أن يرث الله الأرض ، نزاعات لا تنتهي . بينما تحكم العقل ، هو الحلّ .

  2. يجب أن نعمل من أجل برنامج تعليمي موحد على مستوى كل المغرب العربي الكبير، برنامج تربوي يضعه علماء التربية والمختصون المؤهلون من أبناء مغربنا الكبير، وليس المرضى والمعقدون من رجال السياسة والنخب المخررومة من السياسيين والإداريين المعقدين الذين جاءت بهم لحظة الخطأ في التاريخ ووضعتهم على صدر الدول والشعوب منل الكابوس اللعين، إن الطريق إلى التقدم والوحدة وتحريرالإنسان في المغرب العربي الكبير يمر حنما عبر هدم ما أفرزته لحظة الخطأ في التاريخ، هل فهمتني ياأخي محمد مغوتي ؟

  3. الإنتقاص من الفلسفة ليس هفوة اقترفها من أوكل إليه وضع مقرر ما يسمى بالتربية الإسلامية. فإذا صدقنا انه ليس هناك تعليمات من المسؤولين لتقريع الفكر العقلي لصالح أنماط التفكير ما قبل عقلية، كالاسطورة والسحر والدين، فإن هذا الكتاب، الذي يدخل في إطار المؤلفات التحصيلية شأن أي مقرر مدرسي، ألفه جملة من الأشخاص هم انفسهم ضحايا سنوات التعليم الطويلة التي أقبرت فيها مادة الفلسفة في كل مراحل التعليم، منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين وحتى بداية الألفية الثالثة، بقرار سياسي. حيت تم تقليص ساعات تدريس الفلسفة في المرحلة الثانوية وأضيفت الساعات المبثورة للمادة إياها، وتم استبدال مقرر الفلسفة للبكالوريا الذي ألفه الجابري والسطاتي والعمري، وهو من أفضل الكتب المؤهلة بكفاءة عالية للتفكير الفلسفي والنقدي، بكتاب ألفه سامي النشار كله دعوة للاشعرية ضد المعتزلة، وكأنه يجهز لحرب بني قينقاع ! وتم حذف شعب الفلسفة من كل الجامعات المغربية بإستثناء الرباط وفاس، وبالمقابل عممت شعبة الدراسات الإسلامية (كذا ! )في كل الجامعات بدون استثناء ! وعندما بدأ النظام يمهد لعودة الشعبة لكافة الجامعات، بعد ان احس ان لعبته ستنقلب عليه، امتلأت مدرجات هذه الأخيرة بطلاب الجماعات الاسلامية في إطار ما يسمى الهيمنة الثقافية، وكانت النتيجة شيء غريب عاينته شخصيا في أواخر التسعينيات بالمدرسة العليا للاساتذة حين تم فتح شعبة الفلسفة لتكوين 80 أستاذا لتدريس المادة بالثانويات، وكان أكثر من 70 في المائة من الطلبة الأساتذة من جماعات اسلامية ! وهكذا فإن التلميذ المسكين سيتعرض للتأطير الخرافي سواء في درس التاسلم أو التفلسف !

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here