ياسر رافع: المعارضه المصريه.. ما لها ما عليها.. واسباب التراجع

 

 

ياسر رافع

كانت الحوارات التى أعقبت إندلاع ثورة 25 يناير التى تحل ذكراها التاسعه هذه الأيام تحمل بين طياتها زخما كبيرا من الأفكار والأحلام الكبيرة ! لكنها سرعان ما كانت تصطدم بحقيقة واقع لم تستطع الثورة تجاوزه !

وكانت الحوارات التى تستهدف تقييم المعارضه المصريه وأداءها لا تلقى آذانا صاغيه خصوصا وأن الجميع كان مشدودا للحاله الثوريه التى تجتاح الشارع . ولكن فى حوار مع صديقى اليسارى ” رائف سليم ” الذى رحل عن عالمنا منذ خمس سنوات تحدثنا عن طبيعة المعارضه المصريه وأداءها خلال الثورة ومستقبلها وأتفقنا وأختلفنا ولكنه فى نهاية الحوار وقف منتصبا وقبل أن يهم بالإنصراف قال لى ” إنت عارف مشكلة اليسار المصري إيه !! إنه يتشرذم ويتشظى من تلقاء نفسه “

وهكذا وضع صديقى الراحل يده على بيت الداء للمعارضه المصريه ، الصراع الداخلى وعدم وضوح الرؤيه

فى أواخر القرن التاسع عشر أراد الخديوى ” إسماعيل ” أن ينشأ نظاما برلمانيا مصريا يحاكى النظام البرلمانى الأوروبى ، فأرسل أمرا إلى وزيره ” راغب باشا ” برغبته فى إنشاء مجلس شورى النواب منتخب من الأهالى لما له من منافع للناس !! وقد كان له ما أراد وفى يوم 26 نوفمبر 1866 عقد مجلس النواب الجديد أولى جلساته بعدد قوامه 75 عضوا منتخبا ! ولكن ما أن دخل النواب الجدد قاعة المجلس وطبقا لما هو مقرر سابقا وطبقا للنظم البرلمانيه المتبعه فى الغرب فكان يجب على النواب أن يوزعوا أنفسهم بين يمين المجلس ويساره ، ولكن عندما دخل ” شريف باشا ” ناظر الداخليه لتفقد القاعه قبل وصول الخديوى وجد جميع النواب يجلسون فى يمين القاعه ، فسألهم لماذا لم يجلس أحد فى مقاعد اليسار ؟ فرد عليه النواب متعجبين ” وهل يجرؤ أحد على معارضة أفندينا ولى النعم ! ” .. فقال لهم ” إن هذه رغبة أفندينا الخديوى ”  فأنتقلوا جميعا إلى مقاعد اليسار فأضطر أن يشرح لهم النظام البرلمانى  وأنه يتكون من أغلبيه على اليمين ومعارضه على اليسار وأخذ يرتبهم على مقاعد الجلوس فى المجلس  .

وعلى الرغم من أن تلك الحادثه آرخت لبداية الحياة البرلمانيه فى مصر ، إلا أنها كشفت جانبا هاما فى الشخصيه المصريه وعلاقتها بالسلطه ومدى قدرتهاa على المعارضه بعيدا عن بريق السلطه .

على الرغم من حداثة التجربه البرلمانيه المصريه بالنسبه للتجارب الأوروبيه إلا أنها سرعان ما تفاعلت مع الحدث الجديد الذى ينظم ويراقب العلاقه بين الحاكم والمحكوم لأول مره فى تاريخ مصر الحديثه ، وظهرت الأحزاب وكان من السهل معرفة علاقتها بالقصر الملكى حيث أنها كانت تمثل مصالح كبار الملاك والسلطه ، ولكنها سرعان ما بدأت تتشرذم وتنقسم إلى أحزاب أصغر تحت مسميات مختلفه تمارس المعارضه فيما بينها إذا تولى أحدها السلطه قبل الآخر ، ولكنها أبدا كانت تتحاشى الصدام مع رأس السلطه فى القصر الملكى  ، وهو ما جعل من المعارضه شكلا لا يرقى إلى المضمون وصارت الأغلبيه والمعارضه ألعوبه فى يد القصر ورجاله يحددون من خلالها من يقترب أو يبتعد عن أضواء السلطه ، وهو الأمر الذى جعل من إنتشار حركات المعارضه اليمينيه الدينيه واليساريه الوليدتان أمرا طبيعيا يعبرعن شارع يريد وضعا سياسيا جديدا ، وأصبحت الإحتجاجات ملمحا واضحا لتذمر الشارع من تجربه برلمانيه ضاق فيها آفق المعارضه وأنحسر فى التسابق إلى كرسى الوزراء وإرضاء الملك بعيدا عن المطالبات الشعبيه ، وتاهت المعارضة المصريه المنظمه الوليدة فى أول تجربه لها وكان هذا إيذانا بنهاية النظام الملكى بمولاته ومعارضته فقد فسد الرأس والجسد السياسى ولم يبقى أمل إلا فى إيجاد وضع جديد .

سقط النظام الملكى ونظامه السياسى ومع رحيل الملك والنظام الحزبى فقد بدا أن الرابح الأكبر هى التنظيمات اليمينيه الدينيه واليساريه ولما لا وقد مهدت الأرض  لما حدث فى يوم 23 يوليو 1952

لم يكن نظام يوليو 1952 حدثا عاديا فى السياسه المصريه ، فلأول مره يظهر فى مصر نظام سياسى مختلف عما ألفته منذ القرون الوسطى وأنتهى عهد الملكيه والتوريث السياسى ومعه أول تجربه برلمانيه مصريه على الشكل الغربى مدعوما بالتيارات اليمينيه الدينيه واليساريه التى كانت ترى فسادا وعوارا كبيرا فى الحياة الحزبيه قبل ثورة يوليو ، ولكنهم سرعان ما أختلفا مع النظام الجديد الذى أراد يتبنى نظام الحزب الواحد الذى يجمع بين جنباته المؤيدين والمعارضين تحت سقف واحد ظنا منه أن ذلك الحل السياسى هو الأمثل لقيادة المرحله . ولكن سرعان ما أصطدم التياران الدينى واليسارى مع سلطة يوليو الوليده فزج بأكثريتهم إلى السجون . وقد يظن أن تلك كانت بداية المعارضه للنظام الوليد ولكنها لم تكن إلا خلاف على طبيعة القيادة التى رأى فيها اليمين الدينى أنه الأولى بالقياده من الضباط الأحرار ، ورأى فيها اليسار أن ما حدث فى 23 يوليو 52 مخالف لطبيعة صراع الطبقه الكادحه وأنه يجب على النظام الجديد أن يتبنى أطروحاته دون سواها .. ومع إحتدام الصراع توحد اليمين الدينى واليسار لأول مره بتواجدهم سويا فى سجون النظام الجديد .

ومع بداية إنشاء التنظيم الإشتراكى التنظيم السياسى الوحيد فى مصر عرض على اليمين الدينى واليسار أن يمثلوا المعارضه داخل التنظيم الحزبى ، ولكن التيار الدينى رفض المشاركه بل وتنصل من إنتساب بعض الشخصيات المنتميه إليه والتى شاركت فى التنظيم الحزبى الجديد !

ولكن حدث تطور تكتيكى فى السجون من قبل اليسار ، فقد جلست التنظيمات اليساريه المختلفه تقيم التجربه الإشتراكيه لثورة يوليو وخلصوا إلى أن الرئيس عبدالناصر وإن كان لم يحقق ما يتمناه اليسار بالكامل إلا أنه بقراراته الإشتراكيه يحقق الحد الأدنى لما كان يتمناه اليسار أن يحدث فى مصر وعليه قررت معظم التنظيمات اليساريه أن تسارع بالإنضمام لركب التنظيم الحزبى الجديد على أمل أن تغير من خلاله أفكار النظام السياسى الجديد لصالحها وهكذا خرجت من السجون إلى ممارسة السياسه ، وظل ما تبقى منها طريدا يمثل معارضه مهزومه لا تقدر على شئ .

وهكذا مرت التجربه السياسيه للنظام الناصرى دونما معارضه سياسيه واضحه ، اللهم من أصوات فرديه إستطاعت الهروب خارج مصر ولكنها لم ترقى إلى وصف المعارضه كتنظيم سياسى وأنتهت إلى كونها ظاهرة صوتيه .

على وقع مظاهرات 1968 التى إندلعت كتعبيرعن غضب شعبى عارم لما أسفرت عنه محاكمة الضباط المتسببين فى وقوع نكسة 67 والتى جاءت بأحكام هزيله رأى فيها الشارع المصرى وفى طليعته العمال والطلبه إمتهانا له متصلا بالهزيمه المهينه للجيش المصرى ، وهو ما دعى الرئيس عبد الناصر إلى محاولة تهدأة الشارع بكل وسيله وقد نجح فى ذلك بسبب جماهيريته الطاغيه ولكنه إعترف فى إجتماع سياسى للإتحاد الإشتراكى فى العام 1969 بأنه قد باتت هناك حاجه قوية لوجود معارضه تعبرعن الشارع المصرى ودعى إلى المناقشات التى تفضى إلى وجود المعارضه ولكنه مات قبل أن تجد المعارضه طريقا منفصلا لها

ومع نهاية العصر الناصرى فقد بدا واضحا أن المعارضه السياسيه لم تكن إلا قرار فى يد السلطه الحاكمه وأن المعارضه الحقيقيه التى كانت تحسب لها السلطه الف حساب هى المعارضه الشعبيه التى تنطلق فى التظاهرات الشعبيه العفويه كالتى حدثت فى مظاهرات 1968، وكما حدث فى العهد الملكى فى 1919

فيما يبدوا من أنه إتصال سياسى بين نظام الرئيس عبد الناصر والرئيس السادات ، إلا أن الفارق بين الطبيعه السياسيه للرئيسين كبير ، فالرئيس السادات أراد أن يغير من طبيعة النظام السياسى ويحوله إلى نظام حزبى متعدد بديلا عن الحزب الواحد ، ولكنه ووجه بتحدى أنصار الرئيس السابق من اليساريين والقوميين اللذين أرادا تطويعه والسيطره عليه فلم يجد حلا إلا إخراج التيار الدينى من السجون والسماح بعودة رموزه من الخارج لعمل تشكيلات سياسيه تواجه اليساريين والقوميين ليس تكريسا لمعارضه قويه ولكن على طريقه ما كان متبعا أيام الملكيه وهى ضرب الخصوم ببعضهم البعض حتى يخلوا له صفو الحكم منفردا ، وقد كان له ما أراد حتى إندلعت أحداث 18 و 19 يناير 1977 والتى خرج فيها الشعب معترضا على القرارات الإقتصاديه وحدثت أحداث شغب كبيره إضطرت السادات إلى التراجع عن القرارات ولكن تلك الأحداث كانت ثانى إشاره من الشعب بأنه يحتاج إلى معارضه قويه وفاعله خارج إطار السلطه تعبرعنه وتحقق له مطالبه ، ولكن صرخاته ذهبت أدراج الرياح فقد إنشغلت ما أسمتها المعارضه اليساريه والدينيه والقوميه فى صراعتها البينيه دونما تقديم بديلا حقيقيا يرى فيه الشعب الأمل ليلتف حوله .

حتى حانت اللحظه وتقدم التيار الدينى الصفوف وأراد أن ينفض عن نفسه أنه قد ولد على يد السلطه وتقمص دور المعارضه الجاهزه لقيادة البلاد كبديل لنظام السادات . ولكن مع دوى رصاصات الغدر إلى صدر السادات فى حادثة المنصه فقد قضى التيار الدينى على فكرة المعارضه السياسيه التى لم تكن قد تجذرت بعد فى مصر وأذن إلى فكرة الإرهاب المسلح الذى يستهدف الدوله بدلا من المعارضه التى تستهدف الشعب ومتطلباته.

 

مع بدايات عهد الرئيس مبارك فقد بدا أن النظام السياسى المصرى قد وصل لمرحله مهترئه شبيهه بمرحله ما قبل نهاية العهد الملكى ، فقد تشرذم التيارالدينى إلى فرق وجماعات ، وإنقسم وتشرذم اليسار إلى كيانات متعدده أشبه بالخلايا العنقوديه وأصبح التيار الليبرالى العائد للحياه الحزبيه منذ الملكيه أشبه بالتائه وأصبح التنظيم الحزبى الحاكم المسمى بالحزب الوطنى أشبه بالتنظيم الواحد أيام الرئيس عبد الناصر والرئيس مبارك أشبه بالملك فاروق الجميع يخطب وده أملا فى مميزات حزبيه أو ماليه للتمويل دون التفكير فى تقديم معارضه قويه ذات قواعد شعبيه كبيره تقدم حلولا لتصويب الحياة الحزبيه والسياسيه والمعيشيه للمواطن المصرى

وأستمر حكم مبارك على منوال سياسى ثابت معارضة دينيه مشرذمه ترى فى الإرهاب المسلح سبيلا لتغيير نظام الحكم والإستيلاء عليه ، ومعارضه يساريه وقوميه وليبراليه متشرذمه سرعان ما إنحصرت فى شخوص وأفراد بعينهم ترى فى الصوت العالى سبيلا للحشد دون تقديم برنامج عمل واضح يقنع الناس بمساندتهم ، وعلى الرغم من مهادنة نظام مبارك لجميع التيارات السياسيه إلا أن ذلك لم يقنع الشعب بأن صوت المعارضه كافى ليعبر عما يشعر به فكانت ثورة 25 يناير 2011 الدرس الشعبى الرابع بعد ثورة 1919 ومظاهرات 1968 ، ومظاهرات 18 و19 يناير 1977 ، للنظام الحاكم والمعارضه من أن الشعب يريد من يعبر عنه بطريقه تجعله يشعر بأن له مكانا فى المستقبل.

أرادت الأحزاب المصريه المعارضه إسما لا عملا أن تركب الموجه الثوريه الشعبيه وتدعى أنها من بشرت ونادت بالثوره ولكنها تناست أنها وعلى الرغم من انها تحمل لقب المعارضه إلا أنها مارستها تحت ظل الدوله المصريه منذ قيام ثورة يوليو 1952 وحتى 25 يناير 2011 ولهذا سرعان ما دخلت فى صراع مع بعضها وساعد التشرذم وهو السمه الغالبه للمعارضه المصريه على إذكاء روح العداء بين التيارات السياسيه بتنويعاتها وهو ما عجل بسقوط الجميع فى الموجه الثوريه الشعبيه الثانيه فى 30 يونيو 2013 والتى أسقطت الجميع جملة واحدة ، وبدلا من أن تتعلم المعارضه وتملك زمام الأمور فإذا بها تتشرذم أكثر ويصبح عدد الأحزاب أكثر من مائة حزب تمثل أربع تيارات سياسيه رئيسيه فقط فى مصر.

المعارضه المصريه لم تفهم ولم تقدر الخروج الشعبى منذ البدايات الأولى ولم تؤسس لنظام معارضه قوى قادر على قيادة البلاد ، وتحولت المعارضه المصريه إلى أسماء لأشخاص بعينهم وأحزاب خاويه من الأعضاء ، بل أننا فى تلك اللحظه نستطيع أن نقول أن المعارضه المصريه تركت الساحه بالكامل وتركت الشارع أيضا وتحولت إلى محاولة إرضاء الجماهير التى تتابع السوشيال ميديا ، فيس بوك وتوتير عبر تقديم نفسها على أنها شهيدة مؤامرة السلطه فى محاولة تغفيل للمواطن المصرى فى زمن كل شئ تحت سمع وبصر الكاميرات.

إن محاولة المعارضه إرضاء الجماهير الشعبيه بالكلام المعسول تعويضاعن إخفقاتها المتكرر فى الماضى والحاضر دون تقديم حلول واقعيه وملموسه هى خيانه لتلك الجماهير لا تقل عن خيانة من يحاول إرضاء السلطه على حساب الجماهير . المعارضه ليست رموز ولا زعامات بل دليل عمل واضح قابل للتحقق ونضال بين صفوف الجماهير لإستنهاض الهمم من أجل المستقبل بعيدا عن التمترس وراء أفكار باليه وإدعاء إحتكار الحقيقه ، وحتى يحن هذا الوقت وحتى تفيق المعارضه المصريه بكافة أطيافها من صدمة ما حدث بعد ثورة 25 يناير وما تلاها فى 30 يونيو يجب عليها أولا أن تتعلم أن تعارض ليس أملا فى مغازلة السلطه الحاكمه وأن تكون مستقله دونما أطماع شخصيه وحزبيه .

كاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here