المطلق والنسبي في حق مقاومة العدوان 

حسن السوسي

لغط كبير هذه الأيام على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام المختلفة حول الحق في مقاومة الاحتلال والعدوان من قبل الشعوب التي وقع عليها. المناسبة إقدام الولايات المتحدة الأمريكية على اغتيال رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في العراق.

وهو في الواقع لغط إعلامي أثاره ويثيره كل عمل تقوم به قوى التحرر في العالم لصد العدوان في المنطقة وخاصة قوى الثورة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي. وتروم هذه المعالجة مقاربة هذه المسألة على المستوى المبدئي مساهمة في النقاش خارج اللغط الإعلامي الذي لا طائل يرجى منه.

وهنا لا بد من القول بصراحة تامة انه يحق لكل شعب محتل مقاومة الإحتلال باعتباره حقا مكفولا من قبل القانون الدولي وشرعة الأمم المتحدة بشكل واضح لا غبار عليه.

إن الحق هنا مطلق وشمولي يسري مفعوله على كل الشعوب الواقعة تحت الاحتلال الغاشم دون استثناء، وفق نص وروح ميثاق الأمم المتحدة. وبالتالي، فكل تنكر له هو تنكر لأبسط حقوق الشعوب في حماية نفسها من العدوان الذي يمثله الاحتلال في حد ذاته.

غير أن ممارسة حق المقاومة يخضع لعدد من الشروط الذاتية والموضوعية هي التي تسمح بإدراجه ضمن دائرة الإمكان أو الإستحالة.

وهذا هو الذي يدخل حق المقاومة ضمن الدوائر النسبية، إذ يربطه بالتقديرات المختلفة للشروط المادية والمعنوية. ويفسر بالتبعية، تباين الآراء حول طبيعة ممارسة حق المقاومة وتحديد سقفه في الزمان والمكان وفي الوسائل على حد سواء.

بل إننا نجد هذا التباين يدفع باتجاه تحويل فعل المقاومة إلى واجب وطني شامل لكل مكونات الأمة الخاضعة للاحتلال، تارة، كما قد يدفع، تارة أخرى، إلى اعتبار تأجيل ممارسته، جزئيًا أو كليًا، هو الواجب الذي على الجمي ع التقيد به.

يحتج الفريق الأول بأن مطلق الحق في المقاومة يستتبع مطلق الحق في ممارستها بغض النظر عن الظروف الذاتية والموضوعية التي تمر منها الأمة المحتلة أراضيها. ذلك أن تلك الظروف لا تنال من حق المقاومة، على إطلاقه، وإنما لها دورها الفعال في تحديد طبيعة ممارستها وسقفها أو حدودها ضمن ما تسمح به موازين قوى محددة ومحسوبة في مختلف مستوياتها وأبعادها فحسب. أما الفريق الثاني، فينطلق أساسًا من ضرورة تقدير موازين القوة وطبيعة اختلالها لصالح المحتل بحيث يمكن لهذا الواقع أن يفرض على من احتلت أرضه اعتماد سياسة انتظارية ريثما تتغير الأمور على الصعيد الذاتي والموضوعي، كما على صعيد البيئة الإقليمية والدولية، تفاديًا لكل مغامرة تعود بالوبال على الشعب برمته، وتعطل قدراته ومبادراته لسنوات مديدة بدل المحافظة عليها لتسخيرها في مقاومة جادة للمحتل عندما تسمح الظروف بذلك.

ليس هناك من شك أن الموقفين معًا ينطلقان، من حيث المبدأ، من تقدير ما للمصلحة العامة التي لا ينبغي التفريط فيها، عند تحديد سياسات بعينها تجاه المستعمر المغتصب أو المعتدي. وعلى هذا المستوى ليس مجانيًا للصواب القول: إن قوة حجة هذا لا تختلف عن قوة حجة ذاك، متى النظر إليهما بمفردات الواقع الموضوعي والذاتي الآني والبارد. غير أن النظر إليهما من زاوية الديناميكية التي يختزنها الموقفان يضعنا أمام تباين كبير وجوهري، لا يتوقف عند ما تؤشر عليه المعطيات المادية والمعنوية المعتمدة في الموقفين، بل يدخل في صلب الرؤية المتحكمة فيهما منذ المنطلق. ذلك أن ديناميكية ممارسة فعل المقاومة، في كل الظروف، وبغض النظر عن رجحان كفة قوى العدوان على الحقوق أو غيره من العوامل التي تدفع باتجاه التخلي عن فعل المقاومة، يفتح الباب واسعًا أمام تطويرها على مر الشهور والسنوات بما يجعل منها عاملًا موضوعيًا دائم الحضور في مختلف الأشكال. بينما قد تفتح ديناميكية الموقف الثاني الباب واسعًا أمام التعايش مع الاستعمار والتطبيع مع العدوان في نهاية المطاف، لأن سياسات الانتظار التي لا تقوم على العمل على تعديل موازين القوة بين المستعمر وبين من يخضع للاحتلال، لفائدة هذا الأخير، لن تعمل، مع طول أمدها، إلا على استبطان الاحتلال والخضوع له بشتى الأشكال والأساليب. وهذا ما لا يرغب فيه، بطبيعة الحال، الموقف الثاني لكنه قد يجد نفسه أمام هذا الواقع دون أن يكون قادرًا على الانفكاك منه.

الحديث هنا لا يدخل في عين الاعتبار الموقف الخياني الذي يدين في المطلق كل عمل مقاوم ويتماهى مع تصورات وخطط الاحتلال، لأنه يسري عليه ما يسري على الاحتلال من مواقف ما لم يخرج من دائرة التعامل معه لينخرط، من جديد، في صفوف الشعب ويتبنى قضايا الأمة.

وهذه حال كل شعوب الأرض التي تتوق إلى الحرية والاستقلال وليس حكرًا على شعب دون غيره.

وضمن هذا التصور العام يندرج عمل المقاومة الفلسطينية بمختلف أشكالها، كما يمكن فهم الموقف الإيراني من اغتيال قاسم سليماني والرد العسكري الذي قامت به طهران واستهداف قواعد واشنطن في العراق.

ويبدو لي أن تسليط الأضواء على جوانب أخرى سياسية أو ايديولوجية أو حتى عسكرية هامشية يخرج التحليل السياسي من عنوانه الجوهري وهو الحق في مقاومة العدوان للزج به في متاهات تبرير هذا الأخير باسم تباين ما في الآراء أو المواقف حول إيران وأدوارها في المنطقة. وهذه غاية كل تعتيم على كون الرد الإيراني من صميم مقاومة العدوان بحسابات الحق والاستراتيجيا معًا.

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. حسن السوسي يرادف اسم شاعر ليبي معروف و مجيد . عاشت الاسامي. مقال ممتاز. شكرا.

  2. حسن السوسي يرادف اسم شاعر ليبي معروف و مجيد . عاشت الاسامي.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here