المطر يعزف وفيروز تغني.. وغزة تجني “الذهب الأحمر”

غزة/ الأناضول

“شايف البحر شو كبير، كبر البحر بحبك.. شايف السما شو بعيدة، بعد السما بحبك…”.

يغمر هذا المقطع الغنائي الشهير للمطربة اللبنانية فيروز، مسامع ومشاعر 7 شباب فلسطينيين منشغلين بجني ثمار الفراولة.

بعد ساعات ستبدأ رحلة إخراج هذه الفراولة من قضبان قطاع غزة المحاصر إسرائيليًا إلى أسواق أوروبية وخليجية.

يتداخل صوت فيروز الهادئ ولحن أغنيتها مع عزف زخات خفيفة من الأمطار وانعكاس أشعة الشروق الباهتة على أوراق الفراولة وقبعات المزارعين القماشية.

يرسم هذا المزيج مشهدًا صباحيًا يروي تفاصيل مختلفة عن الحياة في غزة المحاصرة منذ 12 عامًا، وهو لا يبتعد عن صور الطبيعة الساحرة في حقول أوروبا وآسيا.

** رحلة إلى “الذهب الأحمر”

معايشة جمال ذلك المشهد الصباحي النادر في غزة، واحتساء القهوة الساخنة بين حقول الفراولة “الأرضية” و”المعلقة”، يتطلب الاستيقاظ قبل الشروق.

تبدأ الرحلة بقطع مسافة 10 كيلو مترات قبل المغامرة والتوغل بالسيارة لمسافة 3 كيلومترات في أراضٍ زراعية طينية وعرة على أطراف بلدة بيت لاهيا، أقصى شمالي القطاع.

بعد ما يزيد عن الـ60 دقيقة بالسيارة نجحنا في الوصول إلى حقل فاكهة الفراولة أو “الذهب الأحمر” كما يفضل مزارعوها تسميتها.

بمجرد دخول تلك البقعة الخضراء يتلاشى عناء الرحلة، إذ تجد صورة نادرًا ما تجدها في قطاع غزة، الذي تحول خلال العقدين الماضيين، بفعل كثافتها السكانية المرتفعة إلى غابة من الكتل الإسمنتية.

ويقطن في القطاع، الذي لا تزيد مساحته عن 365 كيلو مترًا مربعًا، أكثر من مليوني نسمة، ما يجعله واحدًا من أكثر المناطق كثافة بالعالم.

ويعيش هؤلاء أوضاعًا متردية تحت وطئة حصار تفرضه إسرائيل على غزة منذ أن فازت حركة “حماس” بالانتخابات التشريعية الفلسطينية، عام 2006.

** أرضية ومعلقة

مدخل ذلك الحقل عبارة عن مقهى صغير خصصه مالكه أكرم أبو خوصة (40 عامًا)، لمن يريد أن يستمتع بتذوق ثمار الفراولة الطازجة فور قطفها.

عادة ما تزدحم مقاعد المقهى الخشبية بالزوار في بداية الربيع، فالأجواء الباردة ومياه الأمطار، التي تشكل مستنقعًا طينيًا في طريق الوصول إليه، تجعل من الصعوبة زيارته خلال الشتاء.

خلف المقهى يمتد حقل الفراولة على مسافة 10 دونمات (الدونم يساوي 1000 متر مربع)، نصفها مزروعة بالفراولة الأرضية والنصف الآخر مزروع بشتلات الفراولة المعلقة داخل بيوت بلاستيكية.

تُزرع الفراولة المعلقة في أحواض بلاستيكية ترتفع عن سطح الأرض بمتر ونصف، وتتميز بجودة عالية وبامتداد موسمها لما يزيد عن أربعة أشهر، بينما ينتهي موسم الفراولة الأرضية خلال ثلاثة أشهر.

في حقل الفراولة الأرضية، التي بدأ موسم قطافها مطلع الشهر الجاري، انشغل 7 شباب، يغطون رؤسهم بقبعات قماشية، بجني الثمار الناضجة أو التي اقتربت من النضج.

يضع الشباب هذه الثمار في صناديق خشبية صغيرة مبطنة بطبقة رقيقة من الإسفنج أو الفلين، فحبات الفراولة يجب أن تصل إلى السوق لامعة دون أي خدش.

** عناية فائقة

يبدأ موسم قطاف فاكهة الفراولة في غزة، مطلع ديسمبر/ كانون أول، ويستمر حتى نهاية شباط/ فبراير من العام التالي.

وجني ثمارها يتطلب من قاطفها أن يبقي ظهره محنيًا حتى ينتهي من تعبئة صندوقه، وأن يظل حافي القدمين حتى لا يؤذي حذائه الشتلات أو المعدات الزراعية، كخراطيم المياه والبيوت البلاستيكية الصغيرة.

بعد تعبئة الصناديق تُنقل إلى خيمة تتوسط الحقل، ليبدأ فريق آخر بفرزها، فالحبات وردية اللون غير مكتملة النضج تنتهي إلى صناديق بلاستيكية صغيرة يتسع الواحد منها لنحو 250 غرامًا من الفراولة.

يخضع اختيار الثمار لمعايير دقيقة، فيجب أن تكون متناسقة الشكل ولامعة اللون من دون خدوش ولا شقوق، لأنها مخصصة للتصدير إلى أسواق الضفة الغربية ودول الخليج العربي والاتحاد الأوروبي.

أما القسم الآخر من ثمار الفراولة فهي توضع في صناديق بلاستيكية أكبر تتسع لنحو كيلو غرام واحد، وتورد إلى الأسواق المحلية.

** قيود واعتداءات إسرائيلية

في حقول غزة لا يتم يوميًا جني الفراولة التي ستباع في أسواق أوروبا ودول الخليج، فإسرائيل تسمح بتصديرها عبر معبر “كرم أبو سالم” التجاري جنوبي القطاع يومي الثلاثاء والخميس فقط.

وهو ما يتطلب قطف الثمار في يومي الإثنين والأربعاء، وتجهيزها لتمكث في الثلاجات إلى اليوم التالي.

الصورة الجميلة لحقول الفراولة وطقوس قطافها الصباحية ليست كل شيء، فلا يكتمل المشهد من دون معاناة مزارعو غزة من القيود الإسرائيلية على التصدير والاعتداءات العسكرية المتواصلة على القطاع.

يقول المزارع أكرم أبو خوصة لمراسل الأناضول إن “زراعة الفراولة تكلفنا الكثير من المال بسبب حاجتها إلى كميات كبيرة من المياه وعناية متواصلة وأسمدة وأدوية خاصة”.

ويضيف أنه “في حال منعت السلطات الإسرائيلية تصديرها إلى الأسواق الخارجية فإننا نتكبد خسائر هائلة؛ فسعرها في الأسواق المحلية زهيد”.

ويوضح أن “الكيلو غرام الواحد يباع عند تصديره بـ14 شيكل (3.7 دولار)، بينما يباع في غزة بأحسن الأحوال بـ5 شواكل (1.3 دولار)؛ نظرًا للظروف الاقتصادية الصعبة بالقطاع”.

وتبلغ تكلفة زراعة الدونم الواحد، الذي ينتج بأحسن الأحوال 3 أطنان في الموسم، نحو 10 آلاف شيكل (نحو 2700 دولار).

وتشمل هذه التكلفة ثمن الشتلات والأسمدة وأدوية الوقاية من الحشرات وأجور العمال، بحسب أبو خوصة.

ولا تقتصر معاناة المزارعين على فرض قيود على التصدير أو منعه، فخلال الهجمات العسكرية الأخيرة على القطاع، منتصف الشهر الماضي، استهدفت طائرات إسرائيلية أراضٍ مزروعة بالفراولة.

وتسببت هذه الهجمات بخسائر كبيرة لأصحاب تلك الحقول، خاصة أن تدميرها جاء قبل أسابيع من موعد جني المحصول.

ولا توجد إحصائية رسمية بمساحة الأراضي الزراعية المستهدفة من المقاتلات الإسرائيلية ولا قيمة الخسائر المادية.

ووفقًا لبيانات وزارة الزراعة الفلسطينية في غزة، فإن مساحة الأراضي المزروعة بالفراولة تبلغ قرابة 908 دونمات، ويُقدر إنتاجها بنحو 2800 طنًا.

وعادة ما يتم تصدير 70 بالمئة من إنتاج الفراولة في غزة إلى الأسواق الأوروبية والخليجية، فيما يورد باقي الإنتاج إلى الضفة الغربية والسوق المحلية بالقطاع.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here