المصالحة المغربية الألمانية والأزمة الليبية

جمال أكاديري

بينما يستضيف المغرب، جولة جديدة من المفاوضات بين الفرقاء الليبيين، مواصلا لعب دور الوساطة السلمية، لحل النزاع المسلح، الذي دام طويلا، وخلف خرابا عمرانيا و تمزقا مدنيا.

 تزامنا مع هذه المناقشات، تستعد العاصمة الأوروبية برلين، لاستضافة المؤتمر الثاني، لإنهاء النزاع في ليبيا، تحت رعاية الأمم المتحدة، وبمشاركة الحكومة الانتقالية، التي تشكلت بداية العام و للمرة الأولى.

الهدف طبعا، هو دعم العملية السلمية، بما في ذلك الاستعداد للانتخابات، المقرر إجراؤها في شهر ديسمبر، مع الانسحاب المخطط له، (بموجب شروط وقف إطلاق النار) لكل القوات الأجنبية ومعها ميليشيات المرتزقة، من ربوع الاراضي الليبية.

من جانبهم، المتابعون السياسيون، يترقبون بوادر مصالحة دبلوماسية قريبة بين الرباط وبرلين ، بعدما عرفت سابقا العلاقات توترا وجمودا.

فلقد وجهت الحكومة الألمانية، دعوة رسمية للمغرب للمشاركة في هذا المؤتمر الثاني، الذي سينعقد في شهر يونيو؛ فإذن كل شيء محتمل والكل ينتظر.

فالصراع في ليبيا الممزقة، أصبح مدولنا بشكل متزايد منذ بداية عام 2020، ويتعرج في طريقه لإيجاد حل دائم ومقبول من كل اطراف النزاع ، بعد مرور عام واحد على مؤتمر برلين الاول.

و يعد اتفاق وقف إطلاق النار، في أكتوبر 2020 وتحديد موعد الانتخابات في ديسمبر 2021 من قبل الحوار التفاوضي الليبي تقدمًا مهمًا، في الصراع المتعثر منذ سنوات.

 في الوقت نفسه، فإن التعاملات التجارية السرية مستمرة، متجاهلة حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، وسلوكيات عدم الثقة، بين بعض الأطراف الليبية المسلحة المدعمة من طرف حلفائها الأجانب،  تبعث بدورها على القلق ، وتوضح مدى هشاشة وعدم يقين نتائج هذه التطورات التفاوضية الأخيرة.

والملاحظ بأسف، أن المفاوضات لا تجري فقط تحت رعاية الأمم المتحدة ، فلقد حرص الروس على إعادة إستخراج المزيد من النفط في ليبيا. وصار معروفا ان الأتراك والروس لديهم مصادرهم ومحاوريهم في الظل ، و فوق الارض الليبية، التي تسمح لهم عند احتدام المواقف ، بالتحدث عن مصالحهم علانية وتمكينها. هذا يهدد  بفتح جانبا مجموعة مفاواضات منافسة ، تكمن خطورتها انها ستولد الكثير من الفرص المعيقة للسلم و سوء الفهم ، وكأن هناك شرخا خلفيا ، لإختلاق حرب اخرى خفية في الوقت الذي تحاول تمثيلية الاطراف الليبية الاكثر شرعية ، ان تتحاور و تتوافق فعلا ، تحت مظلة مؤتمر الصخيرات و برلين . وهذا مما يعنيه ، ان تمثيلية السلطة و الشرعية هما الإشكالان المحوريان ، حاليا في ليبيا،  اللذان مازالا على المحك .

فيتعين على الدول الأوروبية اذن ، وخاصة دبلوماسية ألمانيا وفرنسا ، تنسيق سياستها تجاه ليبيا بشكل أكبر هذه السنة وتطوير موقف مشترك ، لكن ليس بعيدا عن اتفاق مؤتمر الصخيرات ، الذي يعد حتى الآن الاطار السياسي الوحيد الذي يدعمه مجلس الأمن ، وتقبله أطراف النزاع في الازمة الليبية.

فالبعد الإقليمي للنزاع الليبي اذن واضح ، فبينما كانت دول الاتحاد الأوروبي غالبًا على خلاف ، فيما يخص التصرف السياسي المناسب اتخاذه ، تجاه الحرب الأهلية الليبية، خلقت روسيا وتركيا تموقعا تنافسيا ، وتمكنت كلتاهما التموضع على رقعة النزاع ، كلاعبين رئيسيين في ضفة الجوار المباشر لأوروبا وتقومان باستمرار ، بتوسيع نفوذهما الجغرافي الاستراتيجي.

فصار الآن الأوروبيون يعلمون جيدا ان بدونهما ، لن يكون حل النزاع الليبي سهلا.

ولهذا سيكون من الأهمية بمكان، أن يتعاون الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه ، مع مجهودات الوساطة الدبلوماسية المغربية النقية الصافية، البعيدة عن عقلية تلك التحركات الاقليمية المحفزة بالأطماع  .

فكما تتمتع ألمانيا بثقة كبيرة في الأوساط الليبية ، فالمغرب وبالمثل له نفس المكانة ، ولهذا يجب أن تحترم مبادرته ذات النوايا الحسنة، في استخدام هذه الحضوة الدبلوماسية التي اكتسبها بجدارة ، عند احتضان مؤتمرات سابقة ناجحة للفرقاء الليبيين، (وقبل ظهور حتى وساطة الأوروبيين السلمية ) والتي كان قصدها النبيل الشريف ايجاد حل سياسي تفاوضي نهائي للصراع.

فالمغرب لا يشعر، بأنه يؤخذ على محمل الجد ، في الدور الذي أبدعه كقوة إقليمية حاضرة .

ففي يناير 2020، ردت الرباط بحزم على استبعادها من مؤتمر برلين الأول. بل ارتابت الدبلوماسية المغربية حينها في أن ألمانيا تحاول باستمرار عرقلة المغرب من ممارسة “دوره الإقليمي”، “ولقد توضح هذا جزئيا فيما يتعلق بالقضية الليبية.

ستكون إذن ليبيا قادرة على أن تحسم هذه المرة ، بتوجيه من أعمال مفاواضات مؤتمر برلين والصخيرات، في الخروج من لائحة بؤر التوتر الخطيرة إقليميا ، و تستثمر في توسيع طموحاتها الديموقراطية وتلم شملها ، وتفتح عهدا جديدًا في تاريخها.

سيكون اذن عام 2021  ، سنة السلم المصيري بالنسبة لها ولضفة البحر المتوسط عموما.

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. لماذا إستطاع العالم الصهيوني الغربي بإحتلال مناطق العالم العربي الإسلامي لأطماعه الدنيوية و كانت ثورات إنطلقت قبل عشر سنوات سميت او عرفت بالربيع العربي أيدنا الحراك او إختلفنا حوله الإستفسار و التعليق بخصوصه اين كانوا الدول العرب و المغرب احد منهم حيث الإهتمام و التدخل و الدفاع عن الموضوع المعني غائب او خطابات و شعارات و فلسفة كلام لا غير ام الخطط و البرامج التنفيذية و الإستراتيجية بين دول الحلف العربي لا قيمة و لا حضور لهم كل منهم كان يتابع و يشاهد و يراقب الاحداث و الوقائع و يطلق بين الحين والأخر إنتقادات و تدخلات كلامية و إعلامية و لحد اليوم و نحن نعيش الوقائع و الأحداث اكثر سوء و حزن. و ما النصر إلا من عند الله القدير و ليس بعشاق وسخ الدنيا و عبيد و جنود وخدام لإبليس و الفرج على امة الإسلام الصادقة و الصابرة و الصامدة و التابعة لصراط المستقيم يارب العالمين.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here