“المراقبة  THE WATC” لـ”جويديب روي- باتاتشاريا” تستعيدُ أجواءَ الصراعِ السياسي والعسكري في أفغانستان

بيروت  ـ عبد الرحمن مظهر الهلوش:

صدرت في بيروت عن الدار العربية للعلوم ناشرون، رواية (المراقبة، للروائي جويديب روي- باتاتشاريا، الطبعة العربية الأولى تموز/ يوليو 2018, 326 صفحة. أنجزت الترجمة مها عز الدين)، حيث تسرد الرواية عالم الحرب الأمريكية الأخيرة في أفغانستان في دائرة تجمع بين بسالة “أنتيغون” شخصية في الأدب اليوناني القديم، رسمها سوفوكليس، بصورة متحدية ومستعدة للمخاطرة بحياتها كي يحظى جسد أخيها بطقوس الدفن المناسبة، وبين شخصية معاصرة من الباشتون وهي “نظام” رسمها الروائي وشكّلها على غرار أنتيغون كي تواجه مصيراً مشابهاً لِما وصلت إليه أنتيغون في المأساة اليونانية. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية (1939- 1945) والولايات المتحدة تشارك في عمليات عسكرية كل عام, والحرب الدائرة في أفغانستان هي الأطول بينها جميعاً. أطول من الحرب الثورية, والحرب الأهلية, والحربين العالميتين, والحروب في كوريا, وفيتنام, والعراق. إنّ الحرب هي حالنا الطبيعي, وذلك أمر يحمل المرء على التفكير فيه والكتابة عنه, كما يقول المؤلف. لذلك جاءت رواية “المراقبة THE WATCH” (ص 324). وبهذه النية المبيتة شرع المؤلف في كتابة روايته حيث تشخص السلوك العسكري الأميركي انطلاقاً من أفغانستان.

– استعادة التاريخ

تستعيد رواية ((المراقبة)) مرحلة موّارة من تاريخ أفغانستان, هذا البلد الذي لم يعرف طعم الاستقلال عبر قرون من الزمن, فلا يكاد يتخلص من قوة استعمارية لتحل محلها قوى أخرى, من خلال تلاعب القوى الاستعمارية بمصير ذلك البلد وحكامه, وسط صراعات دامية بين قبائل متعددة الانتماءات العرقية والدينية. تسلط الرواية محاولات الولايات المتحدة المستمرة من أجل توطيد وجودها ومصالحها في أفغانستان, حيث تشكل أفغانستان موقعاً استراتيجياً في طموحات السيطرة والتمدد الأميركي, في تلك المنطقة الهامة من العالم. فحرب أفغانستان سمحت لواشنطن بتحقيق عدد من الأهداف الرئيسيّة ضمن استراتيجيّتها الهادفة إلى السيطرة على منابع النفط في آسيا الوسطى, فقد انتشرت للمرّة الأولى قوّات أميركيّة في عدد من الجمهوريات السوفياتيّة السابقة الغنيّة بالنفط(أوزبكستان, طاجكستان, وتركمانستان), وتم وضع اليد على تركة الإتحاد السوفياتي السابق. حيث عادت أفغانستان خلال العقديْن الأخيريْن بقوّة إلى واجهة الأحداث الدولية. يعتمد الروائي, جويديب روي- باتاتشاريا, على حضور التاريخ في الرواية, عبر مسارين اثنين يتداخلان في بنية العمل الروائي السردية, وتتجلى الواقعية في تركيز الروائي على حقبة زمنية بداية الاحتلال الأميركي لأفغانستان (2001), والثاني رمزي من خلال إسقاط وقائع تاريخية قديمة (يونانية), على الحرب التي شنها الأميركيون ضد أفغانستان في بداية الألفية. محاولاً إضفاء نوع من الأسطورة على شخصيات الرواية, ((أنتيغون, سوفوكليس)). استطاع المؤلف ببراعة واضحة أن يضفي على شخصيات الرواية نوع من التمايز, من خلال الغوص في أعماقها, وإظهار سلوكها؛ حيث هناك شخصيات تمثل منطق الغزو والقوة(الجنود والجنرالات الأميركيون), وأخرى محلية لها طابعها الخاص وأهدافها ومواقفها وحتى تناقضها وصراعها مع محيطها العشائري. فالتنافس على الظهور والزعامة تعتبر سمّة خطيرة في الشخصية الأفغانية, وكذلك من المعروف عن الأفغان أنهم متعصبون للقبيلة؛ ورفضهم للذل وقبولهم السريع بخيار الموت إذا كانت حريتهم مهددة أو بلدهم تعرض لتهديد خارجي, ونظام القبيلة قوي عميق الجذور في أعماق تاريخ الشعب الأفغاني حيث تعدد الانتماءات القبلية(الطاجيك والهزاراو الأوزربك والإيغور).

– قندهار

ومن هذا الوسط العشائري المتنوع تنحدر ((نظام)) الشخصية المحورية في الرواية, وهي تمثل روح التحدي والمغامرة للمرأة الأفغانية العنيدة وغير المبالية بالمخاطر, والتي عاصرت الحرب الأمريكية على بلادها؛ بدا ذلك من خلال إصرارها على دفن جثة أخيها يوسف… من هنا ينفتح المشهد الروائي في ((المراقبة)) على موقع القتال ((تارستان)) في مقاطعة قندهار/أفغانستان حيث ألقى الأمريكان قنبلة أفنت عائلة من الباشتون بكاملها, فقد كانت((نظام)) تجر عربتها تنظر بعيداً إلى الجبال التي أمضت عمرها فيها(ص 14). وكانت ((نظام)) هي الناجية الوحيدة من الهجوم على منزلها, وقد بدت بدون ساقين؛ بدأت رحلتها وهي تضغط الأرض براحتي كفتها تدفع عربتها إلى الأمام, تمضي عبر المسارات الجبلية الوعرة, قاصدة قاعدة للجيش الأميركي احتفظت بجثة أخيها يوسف, فقررت المطالبة بها لكي تدفنها وفقاً للشريعة الإسلامية(ص 17), لقد كان يوسفاً في نظرها ذلك البطل الباشتوني الذي قاوم أنصار حركة طالبان الأفغانية التي وصلت إلى حكم أفغانستان عام 1996, واستشهد وهو يحارب الغزّاة الأميركان, باقتحامه معقلاً لهم, أمّا بالنسبة للأمريكان فقد كان يوسف قائداً طالبانياً إرهابياَ ومتمرداً يجب قتله. تصل نظام إلى القاعدة الأميركية وتطالب بجثة أخيها, فتواجه بالرفض والحذر, ويتم التعامل معها كانتحارية… يخبرها الجنود بِأَنَّ جثة أخيها ستنقل إلى العاصمة الأفغانية كابول, ليتم عرضها عبر وسائل الإعلام بحضور الجنرالات الأميركان وحلفائهم من الأفغان, ومن خلال عرض الجثة, يتم إيصال رسائل مشتركة من قبل الجنود الأميركان لخصومهم ومؤيديهم على حدٍ سواء. بهذه الكيفية تُبرز رواية ((المراقبة)) كواليس السياسة العسكرية والإعلامية الأميركية, وهذا المشهد (عرض الجثث) سبق أن تم تطبيقه في العراق أيضاً من قبل الجنرالات الأميركان عندما قُتِلَ نجلا الرئيس العراقي صدّام حسين (عدي وقصي) وبعض من أفراد عائلتهما في مدينة الموصل العراقية(شمال) حيث تمّ ترميم جثثهم لتبدو وكأنها لأُناس ما زالوا أحياء يرزقون وعرضها أمام وسائل الإعلام؛ فقط من أجل إيصال رسائل لخصوم الولايات المتحدة بأنّهم قادرون على قتل أعدائهم أينما كانوا وساعة يشاؤون. يبدو المشهد الروائي برمته أشبه ما يكون بكابوس عبثيّ, يضع القارئ أمام قوتين متصارعتين(الولايات المتحدة الأميركية) و(حركة طالبان المتشددة)) تستخدمان ما لديهما من قوة لإرهاب خصومهم. يقول الروائي جويديب روي- باتتشاريا:((… حاولت في رواية ((المراقبة)), أن أتخذ موقفاً معتدلاً, أن أدخل النزاع, لا كمحارب, بل كوعاء تتردد من خلاله أصداء أصوات الأشخاص الذين لا صوت لهم, لكل من أُبعِدَ إلى ما أصفه بـــــــ ((أرض الأضرار الجانبية الإحصائية)) التي لا تنتمي لأحد, بالإضافة إلى أولئك الذين أرسلوا إلى للقتال, والذين يعانون من الصدمات النفسية…))(ص 325). إنَّ التاريخ مهما توافرت الوثائق والوقائع والشهود, يبقى بحاجة إلى إضاءة على الجانب المعتم منه, وهنا يضيء الروائي على المأساة الأفغانية المستمرة منذ سنوات.

صحّافي وكاتب سوري

الكتاب: ((المراقبة THE WATCH)).

المؤلف: جويديب روي- باتاتشاريا.

الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون, بيروت, الطبعة العربية الأولى, تموز/يوليو 2018.

عدد الصفحات: 326.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here