المختار غميض: السودان والبُعبع العربي.. هل يُسعفها الأفارقة؟

المختار غميض

يقال إذا عُرّبت خُرّبت..من هذا المثل الدارج، كيف افتضح أمر الانقلابيين العرب الداعمين للمجلس العسكري الانتقالي في السودان ؟

لماذا تطالب الإمارات بالتحقيق في مجزرة القيادة العامة بالخرطوم !؟ وما سيناريوهات المستقبل السياسي القريب بالسودان ؟

مجلس عسكري انتقالي أم انقلابي..

قبل شهرين اشترط الاتحاد الافريقي على المجلس العسكري المسمى بالانتقالي، تسليم السلطة للمدنيين في ظرف شهرين..فهل أصبح إنقلابيا بدعم عربي ؟!

لم يستجب المجلس العسكري للأفارقة، فتوسّط الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لإمهال المجلس شهرا آخر، انقضى الشهر كذلك، وانقلب رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان على تفاهماته مع المعتصمين مع تنفيذه مجزرة قبيل عيد الفطر، ناكصا على عقبيه وضاربا عرض الحائط بما مضى من اتفاقيات مبشّرة بالآمال.

جمّد الأفارقة عضوية السودان فارتعد العسكر وطالب أثيوبيا بالتوسّط وبعودة المفاوضات مع قوى الحرية والتغيير ! وهي المفاوضات التي أعلن البرهان تجميدها .

الضربة الإفريقية كانت قويّة ولم تكن متوقّعة من المجلس العسكري السوداني بعد ارتكابه مجزرة مروّعة بحق الحراك الشعبي كادت أن تعصف بأحلام المنتفضين، وذكرى مجزرة رابعة ليست بالبعيدة عن الأذهان، خلال ما يعرف بالموجة الأولى للربيع العربي.

قصفت مجزرة القيادة العامة السودانية أرواح مايزيد عن مائة مدني مسالم أعزل في محاولة لزعزعة كيان المعتصمين وتفريقهم وبث الرعب وترهيبهم عن العودة للاعتصام، ناهيك عن رفع سقف مطالبهم هذا إذا فكروا في العودة.

فقد قررت مفوضية الاتحاد الإفريقي، تعليق عضوية السودان في الاتحاد، إلى حين نقل السلطة إلى حكومة مدنية منتخبة، بعد تصويت مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، لصالح تعليق مشاركة السودان في كل أنشطة الاتحاد لحين تشكيل حكومة مدنية.

وكان الاتحاد الإفريقي، أمهل في منتصف أفريل الماضي، المجلس العسكري شهرين فقط لتسليم السلطة لحكومة مدنية أو تعليق عضويته في الاتحاد، قبلها أن يمددها ثلاثة أشهر بطلب من قائد الانقلاب المصري السيسي.

التعريب والتخريب

لم يعد خفيا على أحد بمن فيهم أولئك الذين ساندوا الانقلابات بحجة مكافحة الإرهاب وتوفير الأمن والرخاء، تواطئ القوى الانقلابية مع كل ذي نفس مستبدة بالحكم، كما لم تكن خفية بعد زيارة رئيس المجلس العسكري بنفسه إلى مصر حيث أدى التحية العسكرية لنظيره المصري وما رافق ذلك من تعليقات من كبار المحللين والسياسيين، ثم طار مباشرة إلى أبو ظبي، قاطرة الترويكا العربية المضادة للثورات بالإقليم.

كما زار قائد قوات الدعم السريع التابع للمجلس العسكري وقائد ميليشيا الجنجويد حمدان دقلو (حميدتي) كما يعرف عند المنتفضين، زار السعودية حيث تلقى الضوء الأخضر لعملياته ضد المعتصمين، ولحميدتي طموح سياسي كبير أعلن عنه بنفسه وهو يذكر لحد كبير بشخصية السيسي، وهو نفسه الذي ورط البشير في جرائم بدارفور طلب على إثرها لمحكمة الجنايات الدولية.

وكذلك زار رئيس المجلس العسكري نفسه عبد الفتاح البرهان السعودية خلال أعمال قمم مكة الأخيرة حيث التقى العاهل سلمان وابنه ولي العهد.

هذا المحور المضاد للحراك السوداني كشفته كبريات المجلات الأمريكية “فورين بوليسي” في تقرير تطرّق لدور الدول العربية المطلة على الخليج، ومصر في إثارة الفوضى في السودان وسط غياب أمريكي تام .

مشيرا إلى أن مسؤولين أمريكيين عبروا عن عدم رضاهم عن الدور الذي تؤديه السعودية والإمارات ومصر في السودان، مشيرا كذلك إلى أن أيديهم مقيدة ولا يستطيعون التحرك.

وربط كاتبا التقرير الفوضى الأخيرة في السودان بالدور الذي تؤديه دول في المنطقة، سارعت لملإ الفراغ الذي تركه الإطاحة بالرئيس عمر حسن البشير.

كما أن الضربة الأكبر كانت في سحب الأفارقة لبساط التدخل في خط الأزمة من تحت أرجل العرب وقطع الطريق عليهم في أي وساطات أو حلول بعدما وصلت الأمور إلى إراقة الدماء في اعتصام سلمي كبير، أشبه بسيناريو معتصمي رابعة والنهضة المصرييْن.

كل هذا يثبت ولا يبرّئ اليد الخليجية المصرية الطولى والمؤثرة في السودان التي تدخلت وأذنت ووسوست، منذ البداية مع الحراك ضد الرئيس البشير، بالتعاون مع سدنة النظام ورعاته الإقليميين، كما جاء في تعبير تجمع المهنيين السودانيين حتى وصل الأمر إلى نقطة اللاعودة.

لكن كلما حانت فرصة الالتقاء، والتفاهم بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري إلا وعادت الأمور إلى النقطة الصفر.

وبعد تعليق عضوية السودان دعا المجلس العسكري لإعادة المفاوضات بشأن تشكيل مجلس انتقالي مدني.

هذه دعوة رفضتها قوى الحرية والتغيير وأكدت أن فيها استهانة صريحة بالأرواح التي أُزهقت خلال فض اعتصاماتهم.

الحل إفريقي ؟

في غضون هذا الشد والجذب مع افتضاح أمر العسكر للاستئثار بالحكم، وصل رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، في زيارة إلى العاصمة السودانية الخرطوم  للوساطة بين المجلس العسكري وتحالف المعارضة بشأن انتقال ديمقراطي للسلطة، حيث التقي بأعضاء المجلس العسكري الانتقالي، وشخصيات من حركة إعلان قوي الحرية والتغيير المعارضة.

بعد موافقة عسكر السودان على معظم النقاط التفاوضية ولم يبق سوى بند واحد يهم تركيبة المجلس السيادي، هاهو العسكر ينقلب على تفاهماته في دعم واضح لخط الانقلاب على مطالب الشارع السوداني بعد الزيارت الأخيرة لأبو ظبي ومصر والسعودية..لكن يبدو أن العمق الإفريقي سيطيح بالدسائس العربية الانقلابية التي لا تتورّع في ذهابها إلى النهاية في مغامراتها الانغماسية.

خلال وساطة رئيس الوزراء الأثيوبي آبي أحمد، طالب الأخير فرقاء الأزمة بترك الأجندات الخارجية، وهنا يمكن القول إنه سحب البساط من الدور الإقليمي الذي يمارسه المحور العربي، السعودي الإماراتي خاصة.

هذا الأمر كان وراء مطالبة الإمارات بالتحقيق في مجزرة العسكر، خاصة بعد دعم واشنطن الصريح للقرار الإفريقي لمجلس الأمن والسلم بنقل السلطة للمدنيين وتعليق عضوية السودان، ثم مطالبة منظمة العفو الدولية بتحقيق في الجريمة العسكرية، ثم خاصة ايداع جورج نادر السجن ورفض القضاء الأمريكي الإفراج عنه.

ووقوفا عند أمل الوسيط الإفريقي في المفاوضات وقرب التوصل إلى تكوين مجلس سيادي بآغلبية مدنية، فإن مطالبة العسكريين

باستئناف المفاوضات من حيث انتهت تعد مناورة حتى لا تصعد القوى الثورية مطالبها، ليس أكثر.

وإذا علمنا أن تلك العتبة نفسها هي التي توقفت عندها المفوضات قبل المجزرة، فإن ذلك لا يمكن إلا أن يصب في لعبة العصا التي يشهرها العسكر ليقبل المعتصمون بالجزرة.

عموما لم يجلب التدخل العربي في السودان إلا الويلات والخيبات والدم، ومع تدويل أو بدرجة أقل، لنقل إذا جاز القول، “أفرقة” الأزمة السودانية وخروجها من البعبع العربي بمعناه الهلامي والمخيف والذي يوظف الأحداث في خارج سياقتها، بإسقاطات دموية، أصبحت نذير شؤم، وبومة خراب.

بعبع مخيف لأنه تبيّن بالمكشوف أن العرب، بمعنى النظم الرسمية، كلما تدخلوا في أزمة وحشروا أنوفها فيها إلا زادوها تأزما، وليس لنا أبدا أن نستعرض أي أزمة، ففي المثال الواحد سنجد طوام عربية كبرى ومآسي ومآتم، من القضية الأمّ، التي يقولون إنها قضيتهم الأولى إلى حرب الخليج الأولى وحتى واقعنا اليوم، محطات تستوقفنا وتستبكينا على أطلالها على حدّ عبارة إمرئ القيس.

وبالتالي فإن السيناريو المنتظر للواقع الذي تردت فيه السودان، لن يكون في كل حال من الأحوال أسوأ من أي مخرجات عربية، ولا بائسا مثل أحسن المخرجات العربية، لذلك يبقى الوسيط الإفريقي فأل خير وأمل، خاصة وأن طريق الألف ميل في خطوته الأخيرة لا الأولى، وما ذلك على الله بعزيز.

كاتب تونسي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here