الاردن: المخابرات بين تزوير الإنتخابات وفرض التعيينات

husein-toka.jpg44

الدكتور حسين عمر توقه

قسوة الكتابة

إن الأخوة القراء  يفترضون بالكاتب أن يكتب كل ما يريدون سماعه  ويفترضون بالكاتب أن يعرف كل شيء في كل الأوقات  ولكن الكاتب كغيره من الناس يخطىء ويصيب ويعلم ويجهل وإن أي فكرة قد يطرحها الكاتب هناك فكرة تقابلها في الإتجاه المعاكس .

والكاتب هو أسير لفكرة تستحوذ نفسه  وعقله وضميره  فهو يسعى من أجل سبر أغوارها والتعرف على حقائقها وإطلاع الناس عليها . وقد تأتي هذه الحقائق مؤلمة وجارحة  لا سيما إذا كانت المواضيع والأحداث  التي يتطرق إليها حساسة وهامة . وقد يقضي الكاتب الساعات الطويلة في البحث عن المراجع والمصادر الموثقة من أجل ترجمة بعض الأفكار  إلى كلمات مكتوبة  وفي أحيان كثيرة لا يرضى الكاتب عما يكتب فيمزق في غمرة من المرارة والأسى كل الأوراق.

وإنني وأنا أكتب مقالتي هذه ” المخابرات بين تزوير الإنتخابات وفرض التعيينات ” أتحمل مسؤولية كل كلمة أكتبها وأنا لا أمثل أحدا من الناس غير نفسي ولا أنتمي لأي تنظيم ديني أو أي حزب سياسي بل لا أمثل عشيرتي . فأنا وبكل بساطة  جندي من جنود الحسين رحمه الله آمنت طوال مسيرتي بالإخلاص لله وللوطن الأردن الأغلى وإلى الملك الحسين رحمه الله . وإن أي كلمة أكتبها هي نابعة من إخلاصي لهذا الوطن الغالي وإلى الشعب الأردني الطيب الأصيل .

واجبات المخابرات العامة :

 في المادة رقم  (8) من قانون المخابرات العامة  لسنة 1964

تم تحديد واجبات ومهام المخابرات العامة بحماية  الأمن الداخلي  والخارجي للأردن من خلال القيام بالعمليات الإستخبارية اللازمة لذلك

وتنفذ المخابرات العامة  الواجبات التي يكلفها بها رئيس الوزراء بأوامر خطية

وفي عام 1965 برزت المخابرات العامة الأردنية على سطح الأحداث وأثبتت كفاءتها وبراعتها على مستوى الإقليم حين تمكنت من إلقاء القبض على سعيد رمضان زوج إبنة حسن البنا وتم الكشف عن محاولة لإغتيال الرئيس المصري جمال عبد الناصر .

ولقد أثبتت المخابرات العامة أنها من أكفأ وأقوى الأجهزة المخابراتية على مستوى العالم وقامت فعلا بتنفيذ واجبها في حماية الأمن الداخلي والخارجي ضد كل أنواع التآمر بكل كفاءة واقتدار  ولقد تعاقب على تسلم إدارتها نخبة من رجالات البلد عرفوا بالحرفية والأمانة والرجولة والإستقامة  في ظل جلالة المغفور له الملك الحسين رحمه الله  لم تشبهم شائبة ولم تدخل جيوبهم أموال الحرام .

وخلال العقود الماضية تطورت واجبات المخابرات العامة حتى أصبحت اليوم تشمل  الواجبات التالية

·   جمع المعلومات وتقديمها إلى الحكومة لتستعين بها في رسم السياسات المناسبة

· مقاومة الأنشطة التخريبية  للتنظيمات التي تعمل بسرية وغير مرخصة على الأراضي الأردنية

· مقاومة الإرهاب والتنظيمات الإرهابية  التي تستهدف في أنشطتها أمن الدولة وسلامة المواطنين

·  مقاومة عمليات التجسس

هذه هي الواجبات كما وردت في قانون المخابرات . ولكن الأحداث الأخيرة وتصريحات بعض المسؤولين السابقين من رؤساء الحكومات والوزراء السابقين  ومن الأعيان والنواب تفيد بأن هناك بعض الواجبات والمهام التي تمارسها المخابرات العامة غير منصوص عليها في الواجبات التي حددها القانون ومن جملة هذه المهام العمل على تزوير الإنتخابات النيابية والعمل على حماية بعض الفاسدين والعمل على دعم وترشيح بعض الأشخاص في المناصب العليا مثل الوزراء والأعيان ورؤساء مجالس الكثير من المؤسسات والهيئات .

هل ينتهي عمل ضابط المخابرات وارتباطه بالدائرة بعد إحالته على التقاعد ؟

قبل التحدث عن موضوع التزوير وفرض التعيين يجب أن أتطرق هنا إلى  توضيح نقطة تلتبس في كثير من الأحيان في ذهن المواطن البعيد عن جو العمل الإستخباري فيظن أن ضباط المخابرات هم عملاء وأن إرتباطهم بالدائرة يستمر حتى وفاتهم وأنا أود أن أوضح هنا أن ضابط المخابرات ليس عميل وأن واجب ضابط المخابرات هو إدارة العملاء وهم الذين يعمدون إلى تزويد المخابرات العامة بالمعلومات وفي بعض الأحيان يتم تكليفهم ببعض المهام .

الحالة الوحيدة التي يمكن أن يتحول فيها ضابط المخابرات إلى عميل حين تتمكن إحدى الدول أو أحد أجهزة المخابرات الأجنبية عربية كانت أو غربية من النجاح في تجنيد أحد ضباط المخابرات للعمل لديها ولصالحها  وهو بهذا يخون وطنه ويبيع نفسه  ويحكم عليه في معظم الدول بعقوبة الإعدام .

وأحب أن أؤكد هنا أن 99% من ضباط المخابرات تنتهي علاقتهم مع المخابرات العامة حال إحالتهم على التقاعد قانونيا وحقيقة على أرض الواقع  وتبقى حماية هؤلاء العملاء  والحفاظ على سريتهم وبذل المستحيل من أجل عدم كشف هويتهم مهمة رئيسة ومبدأ هاما من مبادىء العمل الإستخباري ولا يجوز بأي حال من الأحوال قيام أي ضابط إن كان على رأس عمله أو حتى بعد إحالته على التقاعد أن يعمد إلى كشف شخصية أي عميل  تم تجنيده من قبل المخابرات العامة  إن كان أردني الجنسية أو غير أردني .

ومن المؤلم والمؤسف أن معظم الروابط بين المتقاعدين تزول وتتلاشى ولا تبقى بالطبع غير علاقات اجتماعية محدودة بل على العكس فلقد لمستُ في السنوات الأخيرة  أن العلاقات الإنسانية والقيم الكريمة تتلاشى بين الضباط المتقاعدين وبين الضباط الذين تولوا المسؤولية منهم أو بعدهم . وأذكر أنني قمتُ بزيارة إلى أحد مدراء المخابرات السابقين بعد إحالته إلى التقاعد وبعد ثلاث دقائق ( نعم ثلاث دقائق ) من مغادرتي منزله تلقيتُ اتصالا من مدير مكتب المخابرات الجديد وقال لي بالحرف الواحد  يا دكتور حسين إن الباشا يريد التحدث إليك وبالفعل أخبرني مدير المخابرات الجديد في ذلك الوقت أن من الأفضل عدم زيارة مدير المخابرات القديم . وبعد أن تمت إحالة المدير الجديد إلى التقاعد قمت بزيارته في منزله وسألته هل سيقوم مدير المخابرات الحالي بالإتصال بي ويطلب مني عدم زيارتك ؟؟.

وأحب أن أذكر هنا أن أحد رؤساء الحكومات السابقين  قد قام بترشيح أحد ضباط المخابرات السابقين لتعيينه وزيرا في حكومته  وبكل أسف تم استبعاده  من التشكيلة الحكومية لأن مدير المخابرات في ذلك الوقت قد اعترض على تعيينه  علما بأن ضابط المخابرات المذكور بعد تقاعده كان يشغل سفيرا في وزارة الخارجية الأردنية .

ولقد ظهرت خلال السنوات العشرة الماضية  ظاهرة مؤلمة وقاسية تتمثل في قيام بعض مدراء المخابرات بإحالة مجموعة من الضباط الأكفاء وهم في قمة العطاء لأنهم محسوبون على المدير السابق وهي خسارة لا تعوض في الكوادر المدربة والشابة . حيث بلغ مجموع من تمت إحالتهم في زمن مدير مخابرات سابق 145 ضابطا .

إن الخطورة هنا ماذا  يحدث لو قام كل مدير مخابرات أو أي ضابط مخابرات بالإعلان عن أسماء العملاء الذين يتولى إدارتهم  أو أسماء النواب الذين نجحوا عن طريق التزوير  أو أسماء الوزراء أو الأعيان أو رؤساء المجالس الإدارية للمؤسسات الحكومية  الذين تم تنسيب أسمائهم وتزكيتهم  عن طريق المخابرات العامة ؟؟؟

وفي تصريح لوكالة رم  أنه تم عقد اجتماع تشاوري  خاص برئاسة جلالة الملك لإختيار أعضاء مجلس الأعيان الجديد بحضور رئيس الحكومة في ذلك الوقت  عون الخصاونه  ورئيس مجلس الأعيان طاهر المصري ومستشاره لشؤون العشائر  الشريف فواز الزبن وأن الخصاونه اعترض  على تعيين رئيس الوزراء السابق معروف البخيت بسبب قضية الكازينو ومدير المخابرات العامة السابق محمد الرقاد المتهم بتزوير انتخابات مجلس النواب عامي 2007 وعام 2010  أعضاء في مجلس الأعيان  وقد انتهت حصيلة  النقاش بين الخصاونة والزبن إلى تسوية استبعاد البخيت وإختيار الرقاد  في مجلس الأعيان .

كثيرون يعرفون أن أجهزة الهاتف الخاصة بالنواب تشهد نشاطا متزايدا في كل قضايا الفساد الكبيرة التي شهدتها القبة البرلمانية وكثير من النواب يتلقون مكالمات هاتفية من قبل المخابرات العامة  لتلقينهم بل وإصدار أوامر لهم  في طريقة تصويتهم .

في صراع مرير بين رئيس ديوان ملكي سابق وبين مدير مخابرات سابق اعترض رئيس الديوان الملكي على قيام مدير المخابرات بتنسيب ثلث أعضاء مجلس الوزراء من  المرتبطين بدائرة المخابرات العامة   وحاول جهده العمل على تقليص هذه الأسماء بل واعترض أصلا على مبدأ تدخل مدير المخابرات في تعيين الوزراء .

وفي لقاء شخصي بيني وبين رئيس مجلس أعيان سابق أخبرني أن جلالة الملك طلب منه إعداد قائمة بالأعيان والتركيز على أسماء الأردنيين من أصل فلسطيني وأن ينهي هذه القائمة قبل عقد اجتماع بينه وبين  مدير المخابرات العامة وبين مدير مكتب جلالة الملك وبعد عشرة أيام اتصل به مدير مكتب جلالة الملك وطلب منه إرسال القائمة وتم الإعلان عن تشكيل مجلس الأعيان الجديد دون الرجوع إلى رئيس مجلس الأعيان السابق  والذي تم شطب اسمه من قائمة الأعيان .

يبدو أن هناك أكثر من جهة تساهم في إنتقاء أعضاء مجلس الأعيان         ” مجلس الملك ” فرئيس الديوان يتغنى بتعيين 22 عينا ولا نعلم كم هو عدد الأعيان الذين  قام رئيس الوزراء بتنسيبهم  ولا ندري هل ساهم هذه المرة مستشار جلالة الملك لشؤون العشائر بإنتخاب أي عين وهل قام كل من مدير مكتب الملك ومدير المخابرات العامة بالمشاركة في عملية اختيار أعضاء مجلس الأعيان أم لا .

وفي النهاية إذا كانت من مهام وواجبات دائرة المخابرات العامة مقاومة عمليات التجسس فإنني أتساءل لماذا يتم الإبقاء حتى الآن على وزراء ومستشارين تم فضح تواطئهم وعمالتهم لجهات غير أردنية  وتم كشفهم في وثائق ويكيليكس .

من كل ما تقدم يبدو أن هناك مهام وواجبات جديدة تمارسها دائرة المخابرات العامة غير منصوص عليها في  قانون المخابرات العامة  .

وإنني أناشد جلالة الملك المعظم إصدار أوامره ليس للمخابرات العامة فحسب بل ولكل الجهات الرسمية المعنية بالإنتخابات النيابية ألا  تقوم بتزوير الإنتخابات النيابية  وألا يتم تعيين  العملاء في المناصب العليا للدولة وعلى رأسها  وزراء في أي حكومة مقبلة .

باحث في الدراسات الإستراتيجية والأمن القومي

 

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. تحية التقدير إلى الأخ الدكتور حسين على هذا المقال الجريء الواضح والذي يعكس حرصه واهتمامه على أمن وسلامة جهاز المخابرات لا شك بأن مسيرة المخابرات والتي أثبتت طوال سنوات منذ اللحظات الأولى أمانة واستقامة الكوكبة المحترمة من المدراء المؤسسين السابقين الذين قمة في المهنية والإحتراف والنظافة والأمانة وإنه لمن المؤسف أن هذا الجهاز الأمني قد أخذ يتهاوى ويتراجع منذ اللحظات الأولى التي شاهدنا فيها محاكمة مدراء المخابرات واحدا تلو الآخر فإذا كان الفساد قد وصل هذه الدائرة الأمنية المغلقة فما هو حال بقية الوزارات والدوائر الحكومية وإنني أرجو القيام بدراسة الأسباب وأرجو من جلالة الملك ومدير المخابرات العمل على إلغاء كافة المشاريع التجارية التي تقوم بها المخابرات العامة وعلى رأسها مزارع الحق والبحث عن وسائل تمويل بديلة فالمخابرات لا تريد منافسة المزارعين الأردنيين في مصدر رزقهم ولا تريد إنشاء شركات للإتجار بالبترول كما كان الحال في شركة خرانة وأرجو من مدير المخابرات الحالي العودة بالمخابرات العامة إلى واجباتها المنصوص عليها في القانون والإبتعاد عن كل مواطن الشبهة وإنني أحيي الدكتور حسين على هذا المقال النابع من حرصه ‘لى أمن واستقراره الوطن

  2. ألإجابة على سؤالك (لماذا يتم الإبقاء حتى الآن على وزراء ومستشارين تم فضح تواطئهم وعمالتهم لجهات غير أردنية وتم كشفهم في وثائق ويكيليكس). تكمن في إجابتك على سؤال اَخر وهو من ألذي يدير ويمول دائرة ألمخابرات فعليآ وليس كما نص عليه ألقانون أو ألدستور، أنصحك بقرائة ما ذكره “جورج تَنِت” بهذا ألخصوص تحديدآ، وهو شخصية غنية عن ألتعريف خصوصآ في أوصات ألمخابرات ألعامة. ودمتم ألسيكاوي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here