المحلل السياسي ألكسندر نازاروف: هل تستعد تركيا وروسيا للحرب في إدلب؟

ما هي أهداف أطراف النزاع في سوريا، وهل هم على استعداد لتغيير قواعد اللعبة على نحو جذري؟

بعد مغامرة اغتيال الجنرال قاسم سليماني، شابت بعض خصلات شعر الولايات المتحدة الأمريكية جراء خوض تجربة منع التصعيد غير المنضبط، وهو ما لم يكن الرئيس دونالد ترامب بحاجة إليه عشية الانتخابات الرئاسية. وفي ظل الوضع الراهن يفترض ألا ننتظر أي سياسات نشطة أو عدوانية في سوريا في العام المقبل من إدارة ترامب.

الأكراد، وبعد الخيانة الأولى من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، ثم العودة الجزئية لها كضامن لأمنهم، يشعرون بفقدان كبير للثقة والأمان، ويحاولون عدم القيام بأي خطوات غير ضرورية.

أما بلدان الخليج، فالأرجح أنها ستبحث عن طرق للحوار مع الأسد أكثر من محاولتهم الانخراط في الشأن السوري.

لقد وصل معظم اللاعبين في سوريا إلى الوضع الذي لا يرغب فيه أحد الأطراف بتغيير أي شيء في اللعبة، فقد تحمل أي تغييرات تكاليف ربما غير متناسبة وتهديدا بفقدان الإنجازات الراهنة.

كذلك أضافت اتفاقيات أستانة وسوتشي تركيا إلى هذه البلدان، والتي ضمنت تعليقا مؤقتا لتوسيع مناطق سيطرة الرئيس الأسد، مقابل التزام أردوغان بمحاربة الإرهابيين، وعدد من التنازلات الأخرى في إدلب، ليصبح الهدف التركي الآن محاولة لخرق التزاماتها بغرض تحويل الوضع الراهن المؤقت إلى وضع مستقبلي دائم، وهو ما نجحت فيه تركيا في الأشهر الماضية.

أما الطرف الوحيد غير المهتم بالحفاظ على الوضع الراهن (وأعني الوضع الذي يتم فيه الإخلال باتفاقيات أستانة وسوتشي) فهو سوريا وحلفاؤها. فضلا عن أن الطرف السوري يرى ضرورة طرق الحديد وهو ساخن، خاصة بالنظر إلى الصعوبات الاقتصادية المتزايدة في إيران، والانهيار الاقتصادي في لبنان، والذي سيضرب حزب الله وسوريا نفسها.

والآن في إدلب، يتم حلّ قضية قدرة سوريا على كسر الوضع الراهن، أو قدرة تركيا في الحفاظ عليه. علما بأن أي تغيير، عمليا، مفيد لسوريا، وليس مفيدا لتركيا.

فما هي سيناريوهات التصعيد؟

بشكل عام، تبدو القوات التركية قادرة على وقف الهجوم السوري، لكنها لن تكون قادرة على الحفاظ على الوضع الراهن، ذلك أن الوجود الشامل للأتراك في سوريا يغير قواعد اللعبة بأكملها، وسوف يفضي في المستقبل إلى جولة جديدة من المفاوضات، التي ستلقي بالكرة من جديد في ملعب الرئيس بوتين، الذي سيكون بإمكانه إثارة قضية مدى التزام تركيا بتعهداتها مقابل إنهاء الضغط السوري على إدلب.

كذلك فإن الغزو التركي يزيل أي قيود على تصرفات بشار الأسد وحلفائه ضد المسلحين الواقعين تحت سيطرة تركيا، بينما لن تستطيع تركيا حمايتهم من هجمات الطائرات والمدفعية الروسية والسورية من دون حرب واسعة النطاق، لا تستطيعها ولا تسعى إليها تركيا. علاوة على ذلك، فمن المرجح أن يتكبد الجيش التركي خسائر أكبر إذا ما وسّع وجوده في المناطق التي يسيطر عليها الإرهابيون، وبدعم من عملياتهم العسكرية.

كذلك تحمل المشاركة الواسعة لتركيا في إدلب تكاليف واضحة فيما يتعلق بحساسية ومعارضة معظم الدول العربية وعدد من الدول الغربية. ورجب طيب أردوغان اليوم يحظى بأعداء كثيرين، وليس لديه أصدقاء في العالم، وأصبح الشريك الرئيسي الوحيد الذي على استعداد للحديث معه على قدم المساواة هو الرئيس بوتين.

من الواضح أن أردوغان يقوم بسيناريو “التصعيد من أجل التهدئة”، لكن هل يقنع بوتين بقدرته على المضي قدما حتى النهاية وإجباره على التعامل معه على أسس جديدة؟ وهل يتعين على روسيا التعامل معه بصرف النظر عن مدى جدية نواياه؟

من غير المرجح أن تؤدي التوترات في إدلب إلى عمليات عسكرية واسعة النطاق بين تركيا وسوريا، وتدهور العلاقات الروسية التركية إلى الحد الذي كانت عليه هذه العلاقات عقب إسقاط الطائرة الروسية. ومع ذلك، فمن الواضح أن نقاط الألم التركية لن تبقى في الظل، وإن حظيت باهتمام متواضع في العلن.

إن أهمية تركيا بالنسبة لروسيا كبيرة بما فيه الكفاية، على الرغم من انخفاضها بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة. فقد أطلق “السيل التركي” مؤخرا، إلا أن تركيا خفضت من استيرادها للغاز الروسي لعام 2019 بشكل كبير. كذلك أجبر تأخير تنفيذ خط “السيل الشمالي-2” روسيا على تمديد اتفاقها مع أوكرانيا بشان نقل الغاز الروسي إلى أوروبا لخمس سنوات، بشروط مواتية تماما لأوكرانيا، وهو ما يقلل من أهمية “السيل التركي” كمصدر للدخل بالنسبة لروسيا. وفي نهاية العام سوف يتم الانتهاء من “السيل الشمالي-2″، وهو ما سيقلل من دور تركيا كممر لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا. على الجانب الآخر فإن صفقة إس-400 قد نفذت فعليا، ومن غير المرجح أن يكون هناك اختراقات جديدة هامة في مجال السلاح الروسي لتركيا.

في الوقت نفسه، فمن غير المرجح أن تلقى مطالبات تركيا غير المبررة بحقول الغاز في البحر الأبيض المتوسط دعما من روسيا، وكلما اتسمت تصرفات الرئيس أردوغان بالعدوانية، انخفض التفهم الذي يمكن أن يلقاه في موسكو، التي لا ينتظر أن تكون سعيدة بظهور منافس جديد لها.

إن العلاقات الحالية بين روسيا وتركيا، هي أكبر دليل على غروب شمس الولايات المتحدة الأمريكية كشرطي العالم، وعودة العالم إلى نموذج أواخر القرن التاسع عشر، عندما كانت القوى الأوروبية في حالة مواجهة مستمرة، غالبا ما كانت عسكرية، إلا أن المفاوضات كانت هي الأخرى مستمرة بصرف النظر عن استمرار المواجهات العسكرية، التي كانت تستخدم لا بهدف إلحاق الهزيمة بالعدو، بقدر ما كانت بهدف تعزيز موقف الدبلوماسيين في أي من تلك البلدان.

مجازا، لا يبدو الموقف مثل لوحة شطرنج كبرى للحرب الباردة، كما وصفه مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، زبغنيو بريجنسكي، ولكنه يبدو كعشرات من لوحات الشطرنج المتناثرة لأدوار متوازية. وبالنسبة لكل من روسيا وتركيا، فإن رقعة الشطرنج السورية ليست اللوحة الرئيسية في السياسة الخارجية للبلدين، وهي أكثر هامشية بالنسبة لروسيا منها بالنسبة لتركيا. لذلك فإني أعتقد أن بوتين لن يسعى بحماس لإنقاذ الرئيس التركي من أن “يلدغ من الجحر مرتين”، وسيتركه فريسة “اللدغ” أكبر عدد من المرات. بوتين يدرك نقاط الضعف التركية، لكن ليس من أهدافه تدمير “الصديق” التركي، ولا حتى إلحاق الهزيمة به. فالموقف التقليدي الروسي ينبع من منطق أن السلام الدائم ينطلق دائما من مراعاة مصالح جميع أطراف الأزمة، إلا أن تركيا لا تشارك روسيا هذا الفهم، ولذلك أعتقد أن هدف موسكو إنما يتلخص في مساعدة أنقرة على الوصول إلى هذه الفكرة. لكن ذلك ربما يستغرق بعض الوقت.

(روسيا اليوم)

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here