المجرم في التلاعب برغيف الفلسطينيين

 

 

د. عبد الستار قاسم

لم يتوقف الصهاينة منذ عام 1994 عن استعمال أموال المقاصة (الضرائب والجمارك التي تجبيها بالنيابة عن السلطة الفلسطينية كحبل مشنقة على رقاب الشعب الفلسطيني. توقف الصهاينة مرارا وتكرارا عن تحويل هذه الأموال إلى السلطة الفلسطينية كنوع من الضغط من أجل أن تلبي السلطة بعض المطالب الصهيونية بخاصة فيما يتعلق بالأمور الأمنية. وكان الصهاينة يجدون دعما ومساندة وتأييدا من قبل الإدارات الأمريكية التي شاركت دوما بممارسة الضغوط على الفلسطينيين واستعدائهم. ولهذا كانت تمر السلطة وما زالت بأزمات مالية تجسدت غالبا في تأخير الرواتب أو التوقف عن صرفها لأشهر.

والصهاينة كما الأمريكيون مدوا قدرتهم الضاغطة على الفلسطينيين إلى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ومنظمة التحرير الفلسطينية. بعض الأموال التي سمح الصهاينة والأمريكيون للفلسطينيين ألحقت اضرارا جمة بالشعب الفلسطيني بخاصة تلك المتعلقة بالأمور الأمنية، لكن إجمالا يبقى الراتب أساسيا لمعيشة مئات آلاف الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

مؤخرا، قرر الصهاينة اقتطاع حوالي خمسة وأربعين مليون دولار من أموال المقاصة والخاصة برواتب أسر الشهداء والأسرى الفلسطينيين، على اعتبار أن الشهداء والأسرى إرهابيون وأسرهم تتحمل المسؤولية. في حين كان يجب على الفلسطينيين أن يروجوا في العالم أن الاحتلال بحد ذاته إرهاب، ومن مسؤولية العالم أن يقف في مواجهة الإرهاب الصهيوني وداعميه الأمريكيين. وهذا امتداد لسلوك الصهاينة الإجرامي بحق الشعب الفلسطيني. ولو كان الهواء تحت سيطرة الصهاينة لأوقفوا ضخه إلينا. يجب ألا نستبعد أي سلوك حقير ومنحط من قبل الصهاينة ضدنا، وعلينا أن نتسلح دائما بالحذر الشديد من ممارسات الصهاينة في مقبل الأيام، وعلينا ألا نتوقع منهم الخير، بل الأسوأ، ودائما علينا أن نستعد للأسوأ.

قال رئيس الحكومة الفلسطينية غير الشرعية القائمة حاليا إن عمل الصهاينة يشكل جريمة حرب. نحن بالتأكيد متفقون على إجرام الصهاينة، لكن السؤال يبقى يحوم حول من هو الأكثر إجراما: هل هو الصهاينة الذين لا يتوقفون عن اعتداءاتهم علينا، أم الفلسطيني الذي وثق بهم ووقع معهم اتفاقيات مشينة ومذلة مثل اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس الاقتصادي دون أن تستوقفه التبعات؟ الفلسطيني هو الذي ورط الشعب الفلسطيني باتفاقيات فتحت الأبواب امام إجرام أكثر حدة وشدة ضد الشعب الفلسطيني، ومنحت الصهاينة حرية الحركة في الاستيطان ومصادرة الأراضي وشل الإرادة الفلسطينية. وإذا كان للشعب الفلسطيني أن يحاسب فعلية محاسبة المسؤولين الذين ورطوه قبل أن يحاسب العدو الذي لا مفر يعمل بما يراه لصالحه. والمشكلة ليست في العدو الذي يخدم أهدافه وإنما في الفلسطيني الذي قرر خدمة أهداف العدو. وعلى الرغم من تغول الاحتلال المستمر ضد الشعب الفلسطيني، وعلى الرغم من كل الممارسات التي من شأنها تصفية القضية الفلسطينية يبقى المسؤول الفلسطيني وفيا لاتفاقية لم تجلب على الفلسطينيين سوى المزيد من الخراب والدمار.

ومن المعروف أن رئيس الوزراء غير الشرعي الموجود حاليا كان من أكبر المتحمسين لأوسلو وأهل أوسلو.

من هو العاقل في الأرض الذي يضع لقمة خبز شعبه بيد عدوه فيضع أموال المقاصة تحت إرادة الصهاينة غير المسؤول الفلسطيني؟ ولماذا تكون هناك مقاصة أصلا؟ لقد أجرم المسؤولون بحق الشعب الفلسطيني، وبدل أن يبادروا إلى إعادة النظر بكل ما صنعوه من ورطات للشعب الفلسطيني يمعنون في الاستمرار في غيهم السياسي والوطني. وبدل الهرولة إلى المؤتمرات والمحاكم الدولية، علينا أن نراجع مختلف أوضاعنا الوطنية والثقافية والاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والعلمية والتعليمية والتربوية لكي نصحح مساراتنا عسانا بعد ذلك نتمكن من مواجهة ممارسات العدو العدوانية. مطلوب من المسؤولين الفلسطينيين الذين تنقصهم الشرعية والتمثيل الحقيقي للشعب الفلسطيني أن يعترفوا بما اقترفوه من خطايا بحق الشعب الفلسطيني ويغادروا المسرح فاسحين المجال لضخ دم جديد في عروق الشعب الفلسطيني. لقد فشلوا فشلا ذريعا إن كانوا في الأصل يبحثون عن نجاح، وعليهم إنهاء هذا الفشل بالرحيل. ومن فشل على مدى هذه السنوات الطويلة لا يمكن أن يأتيه وحي العقلانية والتدبير العلمي والهمم العملية وروح الانتماء الحقيقية.

هناك إدراك قوي بأن الخروج من الاتفاقيات مع الصهاينة ليس عملية سهلة، وهو سيواجه الكثير من العراقيل، وسيكلف الفلسطينيين الكثير من التضحيات في الأنفس ونقص في الأموال وتشديد في الحصار. لكن عملية الخروج من الاتفاقيات أقل تكلفة من البقاء عليها. البقاء على الاتفاقيات يكلف الشعب وطنا لأن الاتفاقيات صنعت البيئة المناسبة لتصفية القضية الفلسطينية وتشتيت الشعب الفلسطيني في أصقاع الأرض زيادة على ما هو موجود من تشتيت. وقد سبق أن قيل للناس قبل توقيع اتفاق أوسلو إنهم سيخسرون وطنهم وسيخسرون أنفسهم إن وقعوا اتفاقيات مع عدوهم. هام الناس بعد أوسلو في أوهامهم ظانين أن ما قاله السياسيون حول إقامة الدولة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين وتطور سنغافورة جديدة وصفقوا لحتفهم الوطني وانتهاك محرماتهم. الاتفاقيات تكلف الشعب وطنا، أما الخروج منها فيكلفنا التضحيات الجسام التي لا يمكن أن تتساوى مع جريمة تصفية القضية وإلغاء الوطن.

اكاديمي وكاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

9 تعليقات

  1. , ومن اكبر الصهاينه والمتامرين علي الشعب الفلسطيني هو ياسر عرفات الي تسبب في ايلول الاسود ومذابح لبنان ثم اتفاقيه الخزي والعار اوسلو ومع هذا مازال هنك من يمجده مت نصحي من عباده الاشخاص الله المسعان

  2. الحق يجب ان يقال وكلموضوع يجب ان القول من جميع الجوانب سلبيه وايجابيه ووضع حل للسلبيه لنه لا تكفينا الاقوال ولكن يلزمنا الحلول المتاحه والتي توصل لحل
    الدكتور ذكر اتفاقية اسلو لكن للاسف لم يذكر انها اتفاقية اعلان مباديء وليست نهائيه والاتفاقيه هي مرحليه حتى انتهاء التفاوض لكن للاسف الراعي للسلام وضع كل قوته لصالح الاحتلال
    واتذكر اننا جلسنا وناقشنا موضوع اوسلو وقلنا اعلان المباديء جيد وسوف يوصل لدوله مستقله ان احسن استخدامه او سيوصل للدمار ان اساء استخدامه لكن لا ننسى من يقف بجانب الشعب الفلسطيني اذا كان العرب العاربه يفاوضون منذ زمن على تصفية القضيه الفلسطينيه
    اما موضوع المقاصه يا دكتور هو حق وهو من اموال الفلسطينين ويجب ان يعاد لا تنسى انني وانت ما زلنا تحت الاحتلال ونحتاج انا وانت الى تصريح للوصول للقدس
    ايضا لا تنسى يا دكتور انك رشحت نفسك لتكون رئيس السلطه ولم يحالفك الحظ في الانتخابات فلماذا تذكر دوما السلطه بالسوء وانت رشحت نفسك لتكون رئيسها
    اما شرعية الحكومه والرئاسه فاقول لك نعم فقدت االشرعيه لكنك لم تذكر المسببات واكتفيت بالنقد فيا حبذا لو تطوعت للاصلاح الفعلي بين حماس وفتح لتكون لك بادره حسنه ولتخرجنا من هذا المازق الذي بسببه تاجلت الانتخابات وبسببه اصبح لدينا حكومتان وسلطتان ورئيس ينتظر الدخول من مصر لغزه ليعلن الدوله الفلسطينيه في غزه لوحدها
    وقبل ان الوم الغير الوم الشعب الفلسطيني الذي ارتضى بحماس ودحلان وعباس

  3. الاخ البروفيسور عبد الستار مطال الله عمرك واعطاك وافر الصحة : فلسطينبالنسبة لسلطة التفريط الفلسطينية ، ليست هي الارض من النهر الى البحر بل هي منصب وهمي يحصل عليه هذا الفلسطيني من السلطات الصهيونية ، وراتب شهري بالدولار الامريكي او الشيكل وجاه ونفوذوامتيازات وسيارة فارهة وارصدة بنكية وفيللا ، وهل سيحصل على احسن من هذا لو تحررت فلسطين . هذا يفسر تنازلهم السريع والسهل في التنازل عن 78 بالمئة من فلسطين ، واعترافهم بدولة اسرائيل على ارض فلسطين ، الامر الذي لم يذكره كتاب العهد القديم نفسه ولا التاريخ البشري منذ بدء الخليقة ، لا حل مع هؤلاء الا ( تخرجوا قاع ) حتى ( يرحلوا قاع) مثلما حدث في الجزائر .

  4. Palestine will be Ok as long as we have people like you Mr Kasim. Our struggle is to liberate People and our land. Unfortunately, as long as Oslo People are in charge we are in bigger trouble!!!

  5. مقال جيد يوصف حال ما ال اليه الفلسطينيين تحت قياده اوسلو ؛ ذسلطه متخمة وشعب جاءع. ووطن ضاءع . ما التغيير الذي يتوقعه الفلسطينيون ان استمروا في الاذعان والسير في مؤامره اوسلو !

  6. صدقت يادكتور،وإنا أضيف الشعر بيتا بأن هولاء لم يفشلوا بحسن نيه بل هم متورطين بما هو أكثر من ذالك وهم أدوات للاحتلال واختيروا فردا فردا بعدما تورطوا بقتل ابو عمار هاهم اليوم يعرفون تماما ماعليهم فعله ويعرفون كذالك مصيرهم إن لم يفعلوا.
    وقصه الانتخابات المحاكمات الدوليه والتدويل فقط لذر الرماد بالعيون، من أوقف للتذكير وجمد تقرير قولد ستون الذي يدين اسرائيل بجرائم حرب قبل سنوات عديده هو تلك السلطه المشئومه ورئيسها العميل عباس.
    لانثق ولايجب الخنوع لسلطه الخيانه بالضفه الغربيه.

  7. كلام في الصميم من شجع ودعم يهود من كانوا يسمون انفسهم قادة منظمة. … الفلسطينيةوفي الحقيقة ماهم الاعملاء صغار

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here