المتوكل طه: في يوم المسرح العالمي؛ تقدمة تاريخية – المسرح الفلسطيني

المتوكل طه

***

إن المسرح الفلسطيني قديم ورائد ، فمنذ العام (1909) قدّم “المنتدى الأدبي” في القدس عدداً من المسرحيات، منها “هاملت”، وكذلك فعل خليل بيدس في الناصرة بعد ذلك بقليل، فقدم مسرحتي “مملكة أورشليم” و”السموأل”.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الإرساليات التبشيرية – التي أسست عدداً من المدارس والمعاهد – وكذلك الفرق المسرحية المصرية الزائرة، فضلاً عن تأسيس الإذاعة الفلسطينية العام (1936)، أدت إلى ميلاد حركة مسرحية فلسطينية مبكرة.

العوامل الثلاثة آنفة الذكر دفعت المثقفين الفلسطينيين إلى امتلاك زمام لغة مسرحية خاصة بهم، بعد أن تخلصوا من وصاية الإرساليات التبشيرية ذات الأهداف الغريبة، ففي العام (1927) قدمت مدرسة “روض المعارف” في حيفا مسرحية “عبد الكريم الخطابي”، الأمر الذي أدى إلى منعها من العرض، مرة ثانية، من قبل الانتداب البريطاني، وقد زارت فلسطين عدة فرق مسرحية مصرية كان أهمها فرقة جورج أبيض التي جاءت إلى فلسطين في العام (1914) وقدمت مسرحيات مثل “لويس الحادي عشر” و”أوديب”، وفرقة رمسيس لصاحبها يوسف وهبي وقدمت مسرحيات مثل “انتقام المهراجا” و”راسبوتين”، وكذلك فرقة نجيب الريحاني التي قدمت عدداً من المسرحيات. وكان لزيارة مثل هذه الفرق إلى فلسطين دورٌ كبيرٌ في تشجيع الاهتمام بالفن المسرحي، ليس على صعيد الكتابة المسرحية، وإنما على الاهتمام بالأداء والحركة، وكانت ثمرة ذلك كله تأسيس أول نادٍ للتمثيل تحت اسم “نادي الإخاء الأرثوذكسي” في العام (1916)، إذ قدم عدداً من المسرحيات المترجمة مثل “لصوص الغابة” للفيلسوف الألماني نيتشه على مسرح “فاينغولد” في القدس في العام (1916).

أما الإذاعة الفلسطينية التي أسست في القدس فقد عملت هي الأخرى على تشجيع المسرح، وذلك من خلال ما قام به الشاعر إبراهيم طوقان من تأليف وترجمة واقتباس وتشجيع الكتاب الفلسطينيين في كتابة المسرحية، وقد أكمل دوره عجاج نويهض الذي ترأس القسم العربي في الإذاعة حتى نكبة عام (1948). وفي هذه الإذاعة التي لم تستمر طويلاً تميز عددٌ من الأدباء الفلسطينيين الذين كتبوا للمسرح الإذاعي وغيره، منهم الأرشمندريت ستيفان جوزيف سالم من الناصرة الذي كتب مسرحيات: “السجناء”، و”الأحرار”، و”صراع بين العلم والإيمان”، و”دقت الساعة يا فلسطين” .

وكذلك أسمى طوبي التي كتبت مسرحيات: “نساء وأسرار”، و”صبر وفرج”، و”مصرع قيصر روسيا”.

وصليبا الجوزي الذي كتب مسرحيتي: “أمي”، و”لا بد للحب أن ينتصر”.

ونصري الجوزي الذي كتب مسرحيتي: “أشباح الأحرار”، و”أمة تطلب الحياة”.

ويغلب على هذه المسرحيات، في معظمها، الحبكة البسيطة واللغة المباشرة والشخصية المسطحة وطغيان الشعارات على الحركة الدرامية، إلا أن بعضها حافظ على حبكة متنامية وصراع ملحوظ .

ويعتقد د. إبراهيم السعافين أن معظم هذه المسرحيات استلهمت التراث من أجل نشر الأفكار الوحدوية والقومية لمواجهة التحدي المتمثل في الاستعمار.

وقبل نكبة العام (1948)، تواجد في مدينة القدس وحدها ثلاثون فرقة مسرحية، ورافق هذا الكم الكبير من الفرق وجود عدد كبير، أيضاً، من كتّاب المسرح وشعرائه، ومنهم جميل حبيب بحري الذي كتب اثنتي عشرة مسرحية، منها “الوطن المحبوب” التي نشرها في القاهرة في العام (1923)، و”الخائن” في العام (1924)، و”في سبيل الشرف” في العام (1926)، والشاعر برهان الدين العبوشي الذي كتب مسرحية شعرية بعنوان “وطن الشهيد”، داعياً فيها إلى العمل الموحد ضد اليهودية . وكتب محمد علاء الدين مسرحية شعرية بعنوان “امرؤ القيس”، وكتب محمود محمد بكر هلال مسرحية “فلسطين”. وتجدر الإشارة هنا إلى الدور المهم الذي قدمته مدرسة عين كارم في ضواحي القدس الغربية، حيث بنت هذه المدرسة مسرحاً في باحتها في العام (1925) لتقدم عليها مسرحية “صلاح الدين” التي ألفها الشيخ نجيب حداد، كما قدم النادي الرياضي لقرية عين كارم مسرحية “شيخ الأحرار” على المسرح ذاته، وتدور المسرحية حول مسألة سماسرة الأراض، وكذلك تم عرض مسرحية “في سبيل التاج”، أيضاً، التي تدور أحداثها حول الخونة الذين يبيعون أوطانهم من أجل مصالحهم.

وعُرضت على مسرح عين كارم، أيضاً، مسرحية الشاعر الشعبي الأسطورة نوح إبراهيم “العربي والصهيوني” في العام (1936)، على رغم الظروف الاستثنائية في تلك السنة.

ويمكن إجمال المشهد المسرحي قبل العام (1948) بالقول إنه كان يعاني من عيوب فنية كثيرة لأنه كان يعتمد على الهواية، أولاً، ولأنه ترعرع في ظرف احتلالي يخنق الحريات، ولهذا فقد اعتمد على أسلوب العرض والوصف أكثر من اعتماده على التحليل والتفسير، والعروض الخفيفة أكثر من الحبكة المعقدة، وعلى الصراع اللفظي أكثر من الحركة. أما المقولة التي تناولها المسرح قبل النكبة في العام (1948) فقد تمثلت في غالبيتها بالصراع العربي الصهيوني وأهمية الإنسان الفلسطيني في أرضه ورفضه التنازل عنها، وحث المواطنين على الالتفات إلى أمجاد الماضي، وحب الوطن، والدفاع عنه أمام الإنجليز والصهاينة.

وهكذا، فقد شكل “الآخر” للمسرح الفلسطيني كل شيء تقريباً: المؤسس، والكاتب، والموضوع (وللعجب، فإن المسرح الفلسطيني، في أيامنا هذه، يختلف عن هذه الصورة، كما سنرى بعد قليل).

بعد العام (1967)، تعمقت الرؤية نحو الآخر من خلال مسرحيات كتبها شعراء وكتاب فلسطينيون داخل فلسطين (1948)، اتضح فيها أثر الأيديولوجيا التي يؤمنون بها، فسميح القاسم يكتب مسرحية “قراقاش” العام (1969) وتدور حول ديكتاتور يصدّر أزمته إلى الخارج من خلال الغزو والسلب والنهب والقتل، والرمز واضح وشفاف فيها، والمسرحية تنحى منهج بريخت في المسرح، ولا عجب في أن يتأثر اليساريون بالرؤية البريختية (التغريب) في المسرح. أما في الضفة الغربية فقد تشكلت فرقة “بلالين” العام (1970)، وقدمت مسرحيات مهمة مثل “العتمة” و”الكنز” ” و”نشرة أحوال الجو”، وهي مسرحيات صاغت السياسي والاجتماعي معاً في قالب واحد، وما لبثت الفرقة أن انشقت لأسباب كثيرة، وتشكلت على إثرها فرقة “بلا – لين”.

وشهدت مرحلة السبعينيات ظهور فرق مسرحية كثيرة منها: فرقة المسرح الشعبي، وفرقة النجوم، وفرقة الأمل الشعبي، وفرقة المسرح التجريبي، وفرقة الكشكول، وفرقة المسرح الفلسطيني، وفرقة صندوق العجب، كما عمدت بعض النقابات إلى تأسيس فرق مسرحية لها كفرقة دبابيس التي كانت تابعة لنقابة عمال البناء في رام الله والبيرة، وقدمت عدة مسرحيات منها: “الطرشان”، و”خوازيق”، ومسرحية “الحشرة” التي كانت آخر أعمال الفرقة، إذ تم اعتقال جميع أفرادها بتهمة التحريض على الاحتلال الإسرائيلي.

فضلاً عن ذلك، فقد بدأت الجامعات الفلسطينية هي الأخرى بتكوين فرق مسرحية بدءاً من العام (1975) في جامعات بير زيت والنجاح الوطنية وبيت لحم، ويشار هنا إلى ما قدّمه المرحوم د. عبد اللطيف عقل من نصوص تم عرضها على مسارح هذه الجامعات مثل مسرحية “العرس” و”تشريقة بني مازن”.

مما تقدم نجد النصوص المسرحية التي عرضت كانت محلية، وتناولت على وجه الخصوص نقد التخلف الاجتماعي ووضع المرأة ونقد الأفكار الغيبية والروح الاتكالية وإبراز أهمية الأرض والحفاظ عليها لذا نجد غلبة الفكر اليساري وسيادته في تلك المرحلة من التاريخ–، إذ إن تمجيد المرأة والطبقة العاملة مع إبراز دورها القيادي وتصوير قسوة الأوضاع التي تعاني منها كانت من الموضوعات المفضلة للعروض المسرحية في تلك الأيام، وكان “الآخر” هو الحاضر الغائب في تلك الطروحات، إذ لم يكن من الممكن الإشارة إليه بشكل مباشر بسبب الرقابة القوية والصارمة، ولهذا كان “الآخر” هو الخلفية للأحداث، بمعنى أن المحذوف في المسرحية هو أهم أجزائها. ويمكن القول بهذا الصدد، أيضاً، إن المسرح في السبعينيات تحوّل إلى مكان وشكل من أشكال التربية الوطنية والقومية والمقاومة السياسية المدنية.

لذا ترافق تحويل المسرح إلى شكل من أشكال الحضور والصمود والجدل ترافق مع المد الثوري وتعمق الثورة في المجتمع الفلسطيني في مرحلة الثمانينيات، الأمر الذي وجد ترجمته في اندفاع كثير من الكتاب والشعراء إلى تأليف مسرحيات كتبت للأدب أول الأمر ثم مُسرحت فيما بعد، من أمثال الكاتب راضي شحادة وتوفيق زياد وإدمون شحادة ورياض مصاروة وعبد الحميد طقش وبشير عمرو وعبد اللطيف عقل ومحمد كمال جبر، كل هؤلاء وغيرهم الذين انخرطوا في رفد الحركة المسرحية الفلسطينية بمسرحيات تمحورت حول الهم الوطني والوقوف في وجه المحتل، ضمن صياغة شكلية يمكّنها من المرور من خرم الرقابة.

وقد تميز في هذه المرحلة – مرحلة الثمانينيات – مسرح الحكواتي في القدس الذي قدم العديد من المسرحيات التي أثار بعضها جدلاً عنيفاً بين المتابعين والجمهور، ومن أهم هذه المسرحيات “محجوب محجوب” التي عرضت في العام (1980)، وتدور حول فلسطيني عادي يدرك خطورة الاحتلال وضرره، فيقرر الثورة على كل شيء: الاحتلال والأفكار والبنى الاجتماعية، ولكن شكل ثورته يظل غامضاً دون تحديد، وكذلك مسرحية “ألف ليلة وليلة في سوق اللحامين” وعرضت في العام (1982) وتتحدث عن حارتين: فوقا وتحتا، لترمز إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ومسرحية “حكايات الصلاة الأخرى” وهي للكاتب المسرحي الإيطالي الشهير داريوفو، وقد عرضت في العام (1986)، وهي تتناول مقولات الدين من وجهة نظر الكادحين الذين يعانون الاستغلال.

وتتالت المسرحيات التي قدمها مسرح الحكواتي كمسرحية “بيت زكي” في العام (1986)، و”تغريب العبيد” في العام (1986)، ومسرحية “كفر شما” في العام (1987)، ومسرحية “يويا” في العام (1988)، هذه المسرحيات في معظمها كانت من تأليف أجانب أو تأليف جماعي، وتصدت للمقولات والبنية الذهنية تحت الاحتلال، كان “الآخر” فيها يظهر بطريقة تختلف عما كان يظهر على المسرح قبل النكبة !! “الآخر” هنا تحول إلى صاحب وجهة نظر، صحيح أنه محتل ومستغل وقامع، ولكنه مضحك يثير السخرية، وهو جار رديء يسمم الأجواء، وقد تمت الإشارة إليه من خلال الرمز مرة والموضوع مرة أخرى، وكان يظهر كلعنة أو كعقاب نتيجة الذهنية المتخلفة للمجتمع الفلسطيني. ولأن المسرحيات كانت عادة ما تكون مموّلة من جهات أجنبية، فإن المموّل كان يشترط بعض الاشتراطات التي تجعل من موضوعة المسرحية تثير الجدل واللغط. وفي الثمانينيات، أيضاً، تكوّن ما يعرف الآن باسم مسرح “القصبة” الذي غيّر اسمه عدة مرات لاختلاف رؤاه الفنية، واستقر منذ العام (1989) على اسم مسرح القصبة في القدس، ثم في رام الله – ويعتبر من المسارح المتقدمة تجهيزاً وتأثيثاً – منذ بداية التسعينيات، وقد قدم مسرح القصبة عدداً من المسرحيات المتميزة على مستوى النص والأداء، وكانت إما لأجانب أو عرب أو فلسطينيين، وقد فازت بعض مسرحيات هذا المسرح بجوائز عربية وعالمية، ومن أشهر تلك المسرحيات: “رمزي أبو المجد” و”العذراء والموت” و”المهرج” و”المهاجر”. وفي الثمانينيات، أيضاً، برز اتجاه تجريبي يميل إلى التفكيك والتشتيت وغياب الحبكة وتعويم الشخصيات، وهو تيار أقرب ما يكون إلى التيار العبثي أو العدمي، وقد عكس مسرح “الرحالة” الذي تأسس في العام (1985) هذا الاتجاه من خلال مسرحيات: “الديكتاتور”، و”الرجال لهم رؤوس” في العام (1986)، و”المزبلة” في العام (1987)، وقد استمر هذا التيار فيما بعد في التسعينيات من خلال مسرحيتي “جمهورية فلفشتيكا” و”حديقة الحيوان” وغيرهما، هذا الاتجاه التجريبي كان يعكس حالة من البحث عن الأفكار والأشكال ضمن واقع معقد يغري بالثورة عليه.

وفي الثمانينيات، أيضاً، تميزت فرقة المسرح الشعبي “سنابل” ومديرها أحمد أبو سلعوم بما قدمته من مسرحيات جادة تناولت الهموم السياسية والاجتماعية من خلال طرح واضح، خصوصاً أن معظم النصوص التي قدمتها هي لكتّاب عرب – يلاحظ في مرحلة الثمانينيات أن كتاب النصوص الفلسطينيين تناقصوا بشكل كبير، وتم الاعتماد على نصوص عربية وأجنبية أو تأليف جماعي حيث يغيب كاتب النص المحترف -.

وفي قطاع غزة، كان النشاط المسرحي ضعيفاً بشكل ملحوظ، إذ لم تنشأ هناك فرقة مسرحية استمرت أو قدمت عملاً كبيراً يمكن متابعته، وتكمن الإشارة في الصدد إلى فرقة “حناظل” التي قدمت عملين مسرحيين أحدهما للشاعر عبد الحميد طقش بعنوان “عرس عروة”، أما في التسعينيات فقد ظهرت فرقتان مسرحيتان هما “مسرح للجميع” و”البيادر المسرحية” وقدمتا أعمالاً مسرحية سياسية تعبر عن توق الفلسطيني للحرية والانعتاق.

أما المسرح الفلسطيني في التسعينيات، فقد أصابه ما أصاب الميادين الأخرى من الاضطراب والتردد والشك والأسئلة والنقد والالتفات إلى الذات، بمعنى أن المسرح أخذ يهتم بهذا “الآخر” الداخلي أكثر من الخارجي – تجب الإشارة هنا إلى أن المسرح الفلسطيني في السبعينيات والثمانينيات كان يحاكم أو يسأل “الآخر الداخلي” كمواجهة أو مدخل لمساءلة “الآخر” المحتل، ولهذا غلب على مسرح الثمانينيات الطابع الاجتماعي كواجهة للهدف السياسي–.

فمسرح عشتار الذي تأسس في العام (1991) هدف إلى أن يكون مدرسة تعلم الطلاب المسرح، وقد اقتبس العديد من المسرحيات الأجنبية والعربية، كان أهمها مسرحية “الشهداء يعودون” في العام (1996) التي عبرت عن نغمة تشاؤمية انتقادية للأوضاع التي سادت بعد تشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية في العام (1994)، وكذلك مسرحية “مسك الغزال” للكاتبة الروائية حنان الشيخ التي عرضت في العام (1999)، وهي تتناول المحرم والمخبوء والمحظور. يذكر أن مسرح عشتار يتعاون مع مسرح سويسري ويقوم بإخراج بعض مسرحياته مخرجون أجانب !

وفي بداية التسعينيات، أيضاً، تغير مسرح الحكواتي ليصبح المسرح الوطني الفلسطيني– لأسباب مختلفة لا داعي لذكرها هنا–، وقدم العديد من المسرحيات لكتاب عرب  وأجانب كان أهمها “سيف ديموقليس” في العام (1993) في القدس، تلتها مسرحية “من نجم آخر” وكلاهما لكاتبين أجنبيين، ثم مسرحية “القناع” للشاعر السوري ممدوح عدوان، وفي العام (1999) قدم هذا المسرح “هبوط اضطراري” للكاتب سلمان ناطور، وفي العام (2000) عرض المسرح “واحد عَ الماشي” اقتباساً عن هارون بنتر الكاتب اليهودي المعروف بانغلاقه، وشارك هذا المسرح بتقديم أعمال مشتركة لكتاب أجانب كمسرحية “الأيدي القذرة” و”فلنمثل ستريندبيرغ” و”تقرير إلى الأكاديمية” لكافكا، وفي هذا المسرح نحن نقترب من فكرة المسرح الفنية – الذي يراد لذاته، أكثر مما يراد لمقولاته وأطروحاته -، فبما إن هذا المسرح في القدس لذا يخضع للشروط الرقابية الإسرائيلية ولاحتكاكه بالفرق الأجنبية والتمويل الأجنبي، فإن المسرحيات التي تعرض تخضع لمعايير ومقاييس مختلفة.

في التسعينيات، نلاحظ أن كاتب النص أصبح “آخر”، وكذلك “المخرج”، بالإضافة إلى التمويل، أيضاً، وتعددت طروحات المسرح وانفتحت انفتاحاً كبيراً على كل شيء: الإرث العالمي والعربي، التجريبي والعبثي والملتزم والغنائي والشعري، وأخذ يناقش كل الأشياء، وربما يمكن القول إن بعض المسارح أو الفرق غيرت من الأولويات، وعلى عكس مسرح ما قبل النكبة، فقد أصبح مسرح التسعينيات يقوم بأعمال مشتركة مع الإسرائيليين، وفي بعض المسرحيات اختفى الآخر المحتل كلياً من المشهد، وفي بعضها ظهر قلقاً ومتردداً ومتشككاً. كان المسرح الفلسطيني ناعماً ورخواً في روايته للآخر المحتل في التسعينيات لما تفرضه شروط الممول وشروط العرض وشروط الرقابة – في بلدية القدس الغربية بالذات – وخير دليل على ذلك مسرحية “روميو وجولييت” التي اشترك في تمثيلها فلسطينيون وإسرائيليون !

ومنذ اندلاع انتفاضة الأقصى في العام (2000)، قلّ النشاط المسرحي إلى حدٍ كبير، ولكن مسرح القصبة بقيادة المسرحي الناشط جورج إبراهيم قدم عدداً من المسرحيات أهمها “حكاية الزير سالم” ومسرحية “قصص قصيرة عن الاحتلال” ومسرحية “مش عَ رمانة” ومسرحية “اضبطوا الساعات” ومسرحية “لا لم يمت” التي كتبها الشاعر حسين البرغوثي قبل وفاته بقليل، وهي مسرحيات تناولت الاحتلال وممارساته دون أن تغفل الصوت النقدي الجارح للشخصية الفلسطينية. وهنا يجب القول إن هذه المسرحيات تخلت تماماً عن الصوت العالي والشعاراتي والخطابات الرنانة، واتجهت إلى ذلك النَفَس الهادئ الساخر، ولم تقدم الفلسطيني بطلاً أو ضحية كما كان يفعل مسرح الثمانينيات مثلاً، بل بالعكس قدمت هذه المسرحيات الفلسطيني إنساناً مثل كل البشر، فيه النذالة والخسة والخبث بالإضافة إلى دوافع البطولة والتضحية، الأمر الذي دفع بعض الكتاب إلى انتقاد هذه المسرحيات أو تجاهلها تماماً.

بمعنى آخر، فإن مسرح ما بعد الانتفاضة الثانية لم يكن تحريضياً مباشراً إطلاقاً، وأسباب ذلك متعددة، منها الإحباط العام، وتعقيد الأوضاع، والتمويل، وأماكن العرض، والمرجعيات المختلفة التي تحكم الأعمال المسرحية ومضامينها، كما أنه مسرح يعتمد على النص الفرجوي الذي تؤلّفه المجموعة ارتجالياً على المنصّة وليس على النصّ الأدبي الجاهز، مثل مسرحيتي “الجدار” و”الحاجز” اللتين قدمهما مسرح القصبة مع نهاية 2004 وبداية 2005م.

مسرح “عناد” في بيت جالا قدم مسرحية معين بسيسو “مأساة جيفارا” تحت اسم آخر هو “أحلامي لا تعرف حدوداً “، كما عرض مسرحية “وبعدين”، وكلا المسرحيتين تتناول الاحتلال والاستغلال وقمع الحريات، وقد تعرض هذا المسرح للقصف والدمار خلال اقتحام الاحتلال المدينة في العام (2001).

مسرح ما بعد الانتفاضة الثانية ، وعلى عكس المتوقع، لم يتجه نحو ما يفرزه الجو العام من تعبئة وتحريض وتثوير، بل اتخذ لغة هي أقرب إلى السخرية من كل شيء أو نقد كل شيء، أو نزع البطولة من كل شيء، من خلال مضامين وأشكال مسرحية مبهرة وباذخة، وتساوت إلى حد كبير “الأنا” بِـ”الآخر” في بحثهما عن حلول أو صياغات نهائية تنهي هذا الصراع، وبمقارنة هذا المسرح بمسرح ما قبل النكبة نلحظ الفجوة أو النقلة الكبيرة بين المسرحين، ليتمثلا النقلة الكبيرة ليس في التاريخ فقط، وإنما في الوعي أيضاً!

***

والمسرح الفلسطيني ظاهرة حضارية تصوّر وتعالج القضية الفلسطينية  إلا أنه مسرح تجريبي يتعرّض لكثير من الاحباطات ما جعله مسرحاً آنياً وموسميّاً ومتمزقاً  ، وبالرغم من تشكيل عدة فرق مسرحية داخل الأرض المحتلة.. إلا أن معظم هذه الفرق قد انتهت إما لأنها مرتبطة بشخص أو لأنها بحاجة إلى دعم مادي، أو بسبب الملاحقة والرقابة ، أو لضعف التقنية لديها، ما جعل الفن المسرحي في الأرض المحتلة يتعرض لعملية قمع وتأجيل وتلاشٍ..

وإن أكثر ما يميّز هذه الفرق أنها كانت تحاول التثوير دائماً ولكن اعتمادها على تجارب بعض أفرادها وغياب النصوص المسرحية الجادة جعلها لا تفلح تماماً في شحن المشاهد ودفعه للتغيير بشكل رصين وواع ومدروس .

وربما كانت مشكلتها الأولى بعد الرقابة والملاحقة، النصوص المسرحية حيث تلجأ لتعريب النصوص الأجنبية وإسقاط الواقع عليها أو تأليف فكرة جماعية وتطويرها أثناء العرض ، ما يشير إلى ضعف النص وصعوبة نقله للمشاهد بشكل متكامل وواضح .

وفي محاولة معظم هذه الفرق للتثويرعمدت إلى تغريب بريخت حيث ؛ الحكواتي ، تعريض الحركة، المكياج، القناع، لا تجد بطلاً وإن وجد فإنه بطل مأساوي أو مهزوم .. وهذا بالتأكيد عكس التطهير .. إلا أن تغريب الحكواتي غامض ورمزي ومبالغ فيه، فالمشاهد لا يتمثّل حدثاً أو بالأحرى لا يرى حدثاً يتمثّله..

وباختصار فإن  حركة المسرح المحلي تجريبية وهي بحاجة لمعاودة دائمة ولدراسة شاملة ولوقفة جادّة متمعنة .. لأن المسرح ظاهرة حضارية تستحق ذلك بدون ملل أو تأجيل.هذا حتى العام 2006، إذ نجد أن المسرح الفلسطيني خطا خطوات مختلفة وملفتة بعد هذا التاريخ .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here