المتوكل طه: فيلم “على بوابة الخلود” فان غوخ: الألوان القديمة لها بريق حزين في قلبي

المتوكل طه

***

إنه “فنسنت فان غوخ” الفنان الذي رفض صاحب الصالة أن يُبقي لوحاته معلّقة على جدرانها ! فحملها فان غوخ وذهب بها كأنها كومة حطب يجرّها على عربته نحو بيته الفقير .

إنه الفنان الذي كان التشكيليون في باريس يتشاوفون عليه ، وكان يتمنّى لو يجلس ، فقط أن يجلس معهم .. ويتحدث ، ويسألونه عن حاله ويعطونه لفافة تبغ .. ويمازحونه ! فحمل نفسه وذهب إلى جنوب فرنسا ، ليحطّ في غرفة متقشّفة ، لا شيء فيها سوى ما تضخّه العواصف من برودة تجمّد الهواء في الحَجر .. وهناك في الغرفة خلع حذاءه ، لتظهر قدماه الملفّعتان بجوارب ممزّقة !

وعندما نظر الفنان إلى حذائه المتغضّن .. رسمه في لوحة أصبحت من أشهر اللوحات العالمية . ثم ساح في البراري وتنفّس مع شجر الحور العملاق ، وغسّل وجهه بالتراب ، ورسم الطبيعة التي بقيت ممرعة على القماش بألوانه الزاهية .

وهناك رأى زهرة عبّاد الشمس المتهالكة وهي واقفة في وجه الريح .

إن أزهار الرسام تقاوم .. فلا تذبل كالأزهار اليافعة ، التي أمدّته بسحر الإلهام !

إنه الفنان الذي يحمل أدواته على ظهره ، ويجول بنظره في المدى المفتوح ، ليلتقط مشهداَ يخلّده بألوانهِ . وكان يصعد التلال المرتفعة ليطلّ منها على فسحة لا أفق لها لاتّساعها ، لعله يختصرها بريشته ويجمعها في إطار محدد .

هذا الفنان فنست فان غوخ الهولندي الإنطباعي ، الذي كان يقول 🙁 عندما أرى سطح منظر طبيعي لا أرى شيئاَ سوى الخلود ، هل أنا الوحيد الذي أراه ؟ الوجود لا يمكن أن يكون بدون سبب ..)

فان غوخ الذي فتح ذراعيه ورفعهما واستنشق الهواء العليل .. تماهى مع ما حوله من جَمال مفتوح وصفاء خلّاب .

فان غوخ الذي اتّهموه بالجنون وهو أكثر البشر عقلانية وحساسية .. لكن الساذجين من حوله لم يستوعبوا مضامين رسوماته ، فحقّروه وأهانوه .. حتى أن أولادهم ضربوه بالحجارة .. فاشتبك معهم ومع أبائهم !

لقد أودعوا الفنانَ في مشفى المجانين ، وقالوا إنه يصرخ ويبكي في الشوارع ، ويصبغ وجهه بالأسود ليخيف الأطفال .. وفان غوخ لا يذكر شيئاً من كلّ ذلك .. لكنه كان يرى الخوف والظلمة والجزع .

إن الأمر بسيط ، وبسيط جداً وهو أن فان غوخ لم يرسم شيئاً سوى ما صادفه من بشر وشجر .. لا أكثر ولا أقل ! لكنها العبقرية التي حوّلت الخلود الذي رأوه إلى الخلود الذي نراه .

إن قرية “أرليس” جنوب فرنسا وطبيعتها هما ما أثبته في لوحاته .. ولكن بعد أن حرّر الطبيعة من طبيعتها ، وجعلها حاضرة بشكل دائم سرمدي أمامنا .

وربما كان مجنوناً بالفعل عندما قطع جزءاً من أذنه  .. وكأنه يريد أن يقدّمها لتلك المرأة صاحبة المَشْرَب الذي كان يرتاده ، أو ليقدّمها مع اعتذاره لزميله الرسام “غوغان” الذي صاحبه فترة ورسما معاً في فضاءات تلك البلدة الريفية ، وكانا يتشاجران كأيّ صديقين ، لكن غوغان ضاق ذرعاً من البلدة وأهلها .. فَعاد إلى الأضواء في باريس .

لقد كان فان غوخ وحيداً وغريباً وملتَبِساً ويشرب كثيراً ويتخيّل المستحيل ويتصرّف بغرابة ..

كان بداخل فان غوخ شيءٌ لا يعرف ما هو . وما كان يراه .. لا يراه أحدٌ سواه ، وكان هذا يرعبه .. ويدفعه ليفقد عقله ! ثم يقول لنفسه ؛ عليّ أن أُري للناس ما أرى ، لأن فيه الأمل والعزاء لهم .. عدا عن أنه هبة من السماء .

كان يقول : “أنا هو لوحاتي” . ثم اعتقد أن روحاً حوله كانت تهدّده ، أو كائناً غير مرئي كان يشعر به ولا يراه ! يتحدث معه ويلاحقه ، ويسعى لأن يغرس سكيناً في قلبه .

لقد كانت رؤيته للعالَم مُخيفة .. ولهذا ربما تم إيداعه في منتجع للعلاج النفسيّ .. وكان يخرج من المشفى ، تاركاً معظم لوحاته معلّقة على جدار غرفته هناك .. ثم كان يعود إلى المشفى ، ليعيش وسط حالات مفزعة وخرقاء وربما خطيرة .. لكن في قرارة نفسه كان ممتلئاً بقناعة حاسمة بأن الله خلقه في الوقت الخطأ ! أي بعثه ليرسم لأناسٍ لم يولدوا بعد .

يذكر أن فان غوخ أمضى ثمانين يوماً في هذا المشفى ، رسم خلالها خمساً وسبعين لوحة .. شكّلت أهم ما تركه من إبداع .

وعندما سأله أحدهم : لماذا ترسم ؟ قال فان غوخ : لأتوقّف عن التفكير . إنه نوع من التأمّل . وأشعر أنني جزء من كل شيء خارجي وداخلي . وأريد أن أشارك العالم ما أراه . إنّ الرسم هو هديتي للعالم .

وعندما كان يرسم أواخر أيامه خارج البلدة وسط الطبيعة الغنّاء .. جاء صبيّان طائشان وأطلقا عليه النار وأخذا لوحته وأدوات الرسم .. فمات بعد ذلك بثلاثين ساعة ، ولم يذكر حادثة إطلاق النار عليه .. ما جعل الكثيرين يعتقدون بأنه انتحر بإطلاق الرصاص على نفسه .

وحينما وضعوه في التابوت ليلقوا عليه نظرة الوداع .. كان مسجىً كأنه حيّ .. وكانت لوحاته مفرودة حوله ليراها المعزّون الذين تقاسموا اللوحات ، وعادوا بها إلى بيوتهم .. كأن شقيق فان غوخ أراد أن يشكر المُعزّين فأهداهم لوحات أخيه .. وربما كان يظنّ بأنها لوحات مهمة ورائعة .. لكن لم يكن يتوقّع بأنها ستكون ثروة هائلة لمن يمتلكها .. أما فان غوخ الذي هجس بالخلود .. فإنه قد حصل عليه ، وبامتياز كبير .

بعد وفاة الفنان بمئة وستة وعشرين عاماً أي في العام 2016 م ، وجد أحدهم الدفتر الذي كان فان غوخ رسم فيه خمساً وستين لوحة ، اعتبرت اكتشافاً لأهم كنوز وميراث هذا العبقري ، الذي أتمّ هذه الرسوم وهو في مشفى العلاج ، ويكون بذلك قد رسم خلال ثمانين يوماً مئة وأربعين لوحة !

ظلّ أن نقول ؛ لولا ” ثيو” شقيق فنست فان غوخ لانتهى أمره ! لقد كان ثيو عطوفاً على أخيه وداعماً له ومسانداً كبيراً .. لهذا فإن فان غوخ  لم يجد غير ماثيو ليبعث برسالته الأخيرة إليه ، قبل وفاته ببضعة أيام . وأزعم أن رسالة فان غوخ قطعة أدبية ساحرة وعميقة وغاية في التميّز والسخونة الوجودية ، وتنافس إبداعه اللونيّ . وهذا نصّ الرسالة : (إلى أين تمضي الحياة بي؟ ما الذي يصنعه العقل بنا؟ إنه يفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة .

  .. إنني أتعفن مللاً لولا ريشتي وألواني هذه، أعيد بها خلق الأشياء من جديد.. كل الأشياء تغدو باردة وباهتة بعدما يطؤها الزمن.. ماذا أصنع؟ أريد أن أبتكر خطوطا وألوانا جديدة، غير تلك التي يتعثّر بصرنا بها كل يوم.

كل الألوان القديمة لها بريق حزين في قلبي. هل هي كذلك في الطبيعة أم أن عيني مريضتان؟ ها أنا أعيد رسمها كما أقدح النار الكامنة فيها.

في قلب المأساة ثمة خطوط من البهجة أريد لألواني أن تظهرها، في حقول “الغربان” وسنابل القمح بأعناقها الملوية. وحتى “حذاء الفلاح” الذي يرشح بؤسا ثمة فرح ما أريد أن أقبض عليه بواسطة اللون والحركة. للأشياء القبيحة خصوصية فنية قد لا نجدها في الأشياء الجميلة،  وعين الفنان لا تخطئ ذلك.

اليوم رسمت صورتي الشخصية ففي كل صباح، عندما أنظر إلى المرآة أقول لنفسي: أيها الوجه المكرر، يا وجه فانسان القبيح، لماذا لا تتجدد؟

أبصق في المرآة وأخرج .

واليوم قمت بتشكيل وجهي من جديد، لا كما أرادته الطبيعة، بل كما أريده أن يكون: عينان ذئبيتان بلا قرار. وجه أخضر ولحية كألسنة النار. كانت الأذن في اللوحة ناشزة لا حاجة بي إليها. أمسكت الريشة، أقصد موس الحلاقة وأزلتها.. يظهر أن الأمر اختلط عليّ، بين رأسي خارج اللوحة وداخلها .. حسنا ماذا سأفعل بتلك الكتلة اللحمية؟

أرسلتها إلى المرأة التي لم تعرف قيمتي وظننت أني أحبها.. لا بأس فلتجتمع الزوائد مع بعضها.. إليكِ أذني أيتها المرأة الثرثارة، تحدّثي إليها . الآن أستطيع أن أسمع وأرى بأصابعي. بل إن إصبعي السادسة “الريشة” لتستطيع أكثر من ذلك: إنها ترقص وتداعب بشرة اللوحة .

أجلس متأملاً : لقد شاخ العالم وكثرت تجاعيده ، وبدأ وجه اللوحة يسترخي أكثر .. آه يا إلهي ماذا باستطاعتي أن أفعل قبل أن يهبط الليل فوق برج الروح؟ الفرشاة. الألوان. و… بسرعة أتداركه: ضربات مستقيمة وقصيرة. حادة ورشيقة..ألواني واضحة وبدائية. أصفر أزرق أحمر.. أريد أن أعيد الأشياء إلى عفويتها كما لو أن العالم قد خرج تواً من بيضته الكونية الأولى.

مازلت أذكر: كان الوقت غسقا أو ما بعد الغسق وقبل الفجر. اللون الليلكي يبلل خط الأفق .. آه من رعشة الليلكي. عندما كنا نخرج إلى البستان لنسرق التوت البري ، كنت مستقراً في جوف الشجرة أراقب دودة خضراء وصفراء بينما “أورسولا” الأكثر شقاوة تقفز بابتهاج بين الأغصان ، وفجأة اختلّ توازنها وهوت .. ارتعش صدري قبل أن تتعلّق بعنقي مستنجدة ، ضممتها إليّ وهي تتنفس مثل ظبي مذعور .. ولما تناءت عنّي ! كانت حبّة توت قد تركت رحيقها الليلكي على بياض قميصي .. منذ ذلك اليوم، عندما كنت في الثانية عشرة وأنا أحس رحيقها الليلكي على بياض قميصي .. منذ ذلك اليوم، عندما كنت في الثانية عشرة وأنا أحس بأن سعادة ستغمرني لو أن ثقباً ليلكياً انفتح في صدري ليتدفق البياض .. يا لرعشة الليلكي !

الفكرة تلحّ عليّ كثيراً فهل أستطيع ألا أفعل؟ كامنٌ في زهرة عبّاد الشمس، أيها اللون الأصفر يا أنا. أمتصّ من شعاع هذا الكوكب البهيج. أحدق وأحدق في عين الشمس ، حيث روح الكون ، حتى تحرقني عيناي.

شيئان يحركان روحي : التحديق بالشمس، وفي الموت .. أريد أن أسافر في النجوم ، وهذا البائس جسدي يعيقني! متى سنمضي، نحن أبناء الأرض، حاملين مناديلنا المدماة ..

  – ولكن إلى أين؟

  – إلى الحلم طبعاً.

أمس رسمت زهوراً بلون الطين بعدما زرعت نفسي في التراب، وكانت السنابل خضراء وصفراء تنمو على مساحة رأسي ، وغربان الذاكرة تطير بلا هواء. سنابل قمح وغربان. غربان وقمح .. الغربان تنقر في دماغي. غاق .. غاق .. كل شيء حلم . هباء أحلام، وريشة التراب تخدعنا في كل حين.. قريباً سأعيد أمانة التراب، وأطلق العصفور من صدري نحو بلاد الشمس.. آه أيتها السنونو سأفتح لك القفص بهذا المسدس: القرمزي يسيل. دم أم النار؟

غليوني يشتعل: الأسود والأبيض يلوّنان الحياة بالرمادي. للرمادي احتمالات لا تنتهي ؛ رمادي أحمر، رمادي أزرق، رمادي أخضر.

التبغ يحترق والحياة تنسرب.

 للرماد طعم مرٌ بالعادة نألفه، ثم ندمنه، كالحياة تماماً: كلما تقدم العمر بنا غدونا أكثر تعلّقا بها .. لأجل ذلك أغادرها في أوج اشتعالي .. ولكن لماذا؟! إنه الإخفاق مرة أخرى.

لن ينتهي البؤس أبداً ..

 وداعاً يا ثيو، “سأغادر نحو الربيع”.)

***

        اسم الفيلم : at eternity’s gate-على باب الخلود

إنتاج 2017 – أمريكي فرنسي مشترك

المخرج : جوليان شنابل

بطولة : وليام دافو ، مادس ميكلسن ، وإيمانويل سيغتر

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here