المبروك درباش.. وكاد اللإناء يخطف أبصارهم

 almabrouk darbash

المبروك درباش

العقل مساح في القلب ولعب سلطنة المعرفة، هو أيضا العنفوان الأبدي لمبدأ “إقرأ”، الشكل المنفتح للشك والتساؤل ومبدأ العقل الثاني، بعدالتدبر في مجال الحواس الست. كيف؟ لأن الجدل يستخدم العقل، من خلال بابي البِرّ والعقوُق، فالبِر هوالمعرفي المُكتظ بالتكاوين الحياتية التي هي الاخرى نُغم عقلبارة يعج بها الفضاء المجتمعي، وخلاف ذلك هو العقوق، وهو الخروج عن العقل، أى حالة الأرضاء الرخو لكل الأشياء الأخرى في القلب، والتي قد تُزف على جماليتها، وليس تكوينها البنيوي.

ولكن أشياء كثيرة في حياتنا لا تخضع لمنطق العقل، وليست بالضرورة جميلة، وتحيا لتشاكسه بين الحينة والاخرى، تحيا لتنغص تقاويمه الصريحة، كالدين مثلا. الدين هو أحد التكاوين الجاذبة للجانب الرخو من القلب، أي الأبيات المنقوشة بلغة العاطفة، أو السريرة.

السؤال هو،هل الدين، إذاً، نقيض العقل؟ ومن منهما أحق بالمبادرة، هل هي للدين أم للعقل، في محاولة أيهما للبقاء في حالة التضاد السقيمة؟ من منهما يمثل السلطة، ومن بالتالي المعارضة؟ وهل نستعرضهما بمقياس الزمن، أي من سبق الآخر على الأرض، أو في الكون؟ هل ولد أو تكون الأنسان بعقل ثم اختار الدين لينظم به حياته التي باتت تتزاحم وتنفرجشيئا فشيئا؟ وتباعا، هل هذا يجعل من الدين القانون والعرف وليس الارتباط الروحي؟ أم أنالقصة مختلفة تماما، وبالتالي الدين هو الأصل، وهو الجذر التكويني للكائن الإنسان؟الإنسان، هذا الخَلْقُ العاقل والمتدين معا؛ حالة إناء تندى في عقنقل يمتد امتداد الأرض، تَتَرّبَ مطواعا، فالتصق به وبقى.

السؤال الآخر، يدور حول ماهية العقل أصلا، ماذا يعني وكيف نصنفه؟فالعقل كتلتان من الطين المُبتل والمُبتل جدا. الأول بللهُ بالدراية والحكم في الخطأ والصواب، والثاني ملم بزُنيقات الأنزلاق الفطري نحو الفلسفة. نحن هنا بصدد الأول مع قليل من الثاني، فليس من العقل التحييد أو الإقصاء لأن هاتين يُفقدان الإنسان متعة التجربة، أي الحياة كما يجب أن تكون؛ كلٌ لا يُقتضب.

ولكن الدين في مجتمعاتنا مجال حيوي للتزاحم السياسي، وقد يبدو هذا سيئاً لوهلة، ولكنه ليس تماما كذلك، فالدين يجاري الحياة التي ملؤها تدابير الناس. الجدل هنا، ليس هنا، ولكن في تطويع بعض الكتاب لقتل وتجاهل باقي الكتاب. فالإسلام مثلا، هو دين دنيوي بحث حسب العرف المتداول،ولكنه كذلك يقر العذاب المؤجل كما الآني، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتدارك الخطيئة بالعفو الآني والمؤجل، سَمحٌ مع أهل الدين وغليظ على غيرهم. المشكل إن التطويع المباشر لبعض الكلم قد يصير مأخدا على الدين، وأهل الدين وأتباعه، وأعراف الدين وتقاليده. وقد يصير الدين مرتعاخصبا للخرافة، فتسيطر عليه حتى تفقده كيانه وأساسه الجذر. الخرافة تعشق مريديها، وتبتلع قوام التفكير فيهم، لأنها تملأ الفراغ الكسول من الذهن، الذي يظل يلجأ لها كلما عجز عن التدبر، وتواكل عن إستعمال العقل.

سألني مُلحد أوروبي مرة،في مؤتمر آكاديمي، عن قصة الإسراء والمعراج في الثرات الإسلامي وعكف يبرهن من خلالها عن خرافية الإسلام، متسائلا بتراخ عن كيفية تمكن بشر من قطع ألاف الأميال، وإجتماعه بنخبة من قرائنه، وعودتهِ أدراجه في ليلة واحدة. نعم، إنه الخيال الديني الذي يصور أن سبحانه قد أعطى نبيه براقا يركبه، ليطير به الى كل السموات، فرغم إعجاز الخلق والخالق تظل هكذا صور في إطار خيال البشر،وقد تبدو مخالفة للعقل، الذي يتجاوزها بدوره، وينحاز لسريرته المطاطية الإستيعاب، معللا الموضوعية الجافة بالغيب والقدرة اللآهية وإعجازهما، وتساعده خاصية الأستمتاع البشري بالخرافة في تبرير كثير من اللامعقلن في تفاصيلها. أخبرته أن الإسلام في جذره، وبدون صراخ، لايعني بالشكل، بل بالصورة المعنى، فالرسول لم يركب حصانا أو بغلا، ولم يلتق بالأنبياء فعلا، بل إن حالة الوحي أعطت الصورة القابلة للتعامل معها وفق منطق الدين، فجسد الرسول قد لم يبرح مكة، ولكن رؤياه برهنت أن الرجل رأى أشياء بعيدة تدل على علم ومعرفة. كذلك، نحن المسلمون، لسنا مولعون بالأميال وفعلية البعث لكل الأنبياء، بل بالمعني المختزل في الرواية، التي ليس شأناً أن تُصدق أو تُكذب، بل تتبيل لأساس معرفي في العقيدة، أي أن تُعقلن، وتُجادل في ذلك مليا. وهذا المعنى ضاهر في الصورة الكريهة لأكلة مال اليتامى والربا، والزنى، وكذلك التواصل الوطيد بين الديانات في رؤية جُل من سبق من الرسل.فالصورة القصة هي وسيلة وقتها وزمنها لإيصال فكرة ما، كاللغة مثلا؛ فليس المهم بأي لغة قد تقول شيئاً ما، بل ما تقول هو ما يقاس ويؤخد عنك وعليك، وعن القول أساسا.

الفاروق المعرفي هنا؛ أن التدبر في الدين يجب أن يجالس العقل وليس أن يشاكسه بحرفية الرواية أو النبوة أو الوحي. كذلك، ليس من الحكمة الدينية أن نجزّأ الدين لغرض آني، فليس من الدين بشئ أن يعبث رجل، كالصادق الغرياني في ليبيا، بآية نزلت في قوم هلال بن عويمر، غير المسلمين: ”  “، في قتال قوم مسلمة، كأهل منطقة ورشفانة في خلافهم مع جيرانهم من مدينة الزاوية. فهؤلاء لايقاتلون اللهوالرسول وليسوا كفرة، ومشاكلهم مع جيرانهم المسلمين أيظا آنية وسيرفعها سيل الزمن. وكان من الأولى أن نستحظر آيات ذوي القربى، واللجوء للعدل، والعفو وضبط النفس. أليست هذي القرآنيات أقرب في تشخيص حالة خصام بين مسلم وأخيه؟

إن الإختيال بآيات الله على الناس هو الجهل الوَخِم بعينه، وهو استغلال مقيت للكتاب، أساساهغلبة ومتاع ضئيل. يماثله في ذلك التفكير ‘الجهادي’، أي القتالي، ضد مؤسسات الدولة أو الأنظمة الأخري، فهاتان معركتان في الأيديولوجيا وليس الدين، وتطويع الدين يفقد هذه مصداقيتها وذاك برهانه وبنيان حامليه، ويوقعهم في سردايب البرغماتية. ليس للدين من حافظين دون آخرين على الضفة الأخرى من التداول السياسي. ليست كل الأحصنة سريج الراكبين وليس كل النحو بقر حلوب. يجب أن يستحي أهل الدين من العقل حتى يخشاهم الله، وإلا فلا ملاذ من البحت عن مقبرة تسع كل الأديان، وتُبقي على الإنسان، واقفا مهابا بعقله كما صوره وأراده الله.

كذلك، حالات ‘المزايدة’ على الله بالمواطن، أو على المواطنبالله، في الدعوةإلي إلغاء الفائدة في المصارف في الدول التي هي أصلا مسلمة، وأهلها مسلمون، وبنوكها عامة وتتبع صندوق مال المسلمين، وعمال البنوك هذه مسلمون، وزبائنها مسلمون، هي قذف في العقل الحق. فالفائدة النقدية ليست هي الربا، ومن يعتقد ذلك عليه أن يقرأ قليلا في التداول وقيمة النقد، وتوازن العملات. ناهيك عن إن أساس إلغاء الربا هو العدالة الأقتصادية، وليست التقنية من وراء قيمة الفائدة.

على مشائخ وكهنة الدين اليوم النضر مليا الى التجربة الإيرانية والاستفادة من ما أفسدته ثورة الخميني والوبال الذي لحق بالإسلام في إيران وعلى المواطن الإيراني الذي نُزع منه إسلامه بإسم الإسلام، فنادرا ما تجد إيرانيا متدينا اليوم، بل أن جلهم لجأ خارج الدولة هربا من الفاشية الدينية، واعتنقوا ديانات أخري في تعبير صارخ عن رفض دولة الشريعة التي تؤله إلامام وتمسخ المواطن المسلم، تغفر للغني تكرارا خطاياه، وتصطاد للفقير قليل هفواته.

ورغم كل هذا، لازال العقل محل شك عَقليِ.

أستاذ جامعي وكاتب ليبي مقيم بكندا

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. سلام وتحياتي ان ما اطلعت عليه من خلال مقالتكم القيمه والذي من خلالها نستطيع ان نقول نداء
    يامن تدعوا المفكرين الاسلام وليس المتئسلمين ان الاسلام في خطر عندما يكون دعاه امثال الاصادق الغرياني والقرضاوي ومن على شاكلتهم وهم كثر

    ولكن والحمد لله نشعر دائما هناك ضوء في تلك النفق وهم امثالكم بعندما تنتج الامه شباب امثالكم وان الاستثمار الحقيقي هو المثقفين الشرفاء
    الامه بخير والمستقبل لشرفاء الامه مهما طالت المحن والرجال والوثقون والمحاك امتحانات لشرفاء والنبلاء
    وقدوتنا الحسنه في ذلك انبياء الله
    فمزيدا من العطاء والتحليل وثبتكم الله على كلمه الحق لنصره الحق ولاشي غير الحق الذي نزل به
    من حق الحق

  2. هل الديانات عقوبة الرب او استغفار الرب لخطأ خلق الانسان؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here