اللقاء الروسي التركي وفرصة الحل الشامل

 

بسام ابو شريف

في اتصال هاتفي اتفق الرئيس بوتين والرئيس اردوغان على عقد قمة خلال الأيام القليلة المقبلة، ويكتسب هذا اللقاء أهمية قصوى ربما أهمية تفوق أهمية كل لقاءات سوشي والآستانة اذ سيبحث الزعيمان ملف سوريا في ظل متغيرات استراتيجية هامة، ولاشك أن كلا من الرئيسين يدرك أهمية هذه المتغيرات على صعيد المنطقة ككل، وبشكل خاص على صعيد انهاء حالة عدم الاستقرار في سوريا لدفع عملية اعادة البناء في سوريا نحو النور وعلى أساس دستور جديد يضمن الحريات والديموقراطية في سوريا .

ويعلم الرئيسان أن المتغيرات التي تهب عواصفها في المنطقة تنبع من عوامل عديدة، وليس فقط عامل الغزو التركي لشمال وشمال شرق سوريا، أو ماتسميه انقرة عملية ” نبع السلام ” .

فالعوامل الرئيسية المتغيرة تنبع في الأساس من بلورة سياسة اميركية جديدة في المنطقة “وربما في العالم “، تحاول ارجاع واشنطن الى موقعها الذي ينأى بها عن الصراعات العسكرية بشكل عام، وبالنسبة لسوريا ومايدور شمالها قال ترامب بوضوح للصحفيين أثناء استقباله لرئيس ايطاليا : ” مايجري في شمال سوريا ليس مشكلتنا وسحب قواتنا من سوريا هو لمصلحتنا الاستراتيجية “، واتضح من تصريحات الخارجية الاميركية والبيت الأبيض أن الولايات المتحدة لاتعارض حملة تركيا في شمال سوريا، بل تشترط فقط عدم تدميرماشرعت في بنائه من هيكل وهمي لدولة كردية في شمال سوريا، ولفت انتباه المراقبين ماصرح به مسؤولون اميركيون ” دفاعا عن تركيا “، بأنه لم تلحظ واشنطن أي هروب منظم وكبير لعناصر وقيادات تنظيم الدولة الاسلامية، وذلك من باب سد الطريق على القلق الاوروبي .

وبدا الأمر واضحا جدا عندما قال ترامب للصحافة : ” البعض يريدنا أن نطلق النار على عضو في الناتو ولن نفعل “، أما العقوبات فالواضح أنها سطحية وشكلية لأنها ربطت فورا استثناء مبيعات السلاح الاميركي لتركيا، وسارع ترامب بارسال نائبه الببغائي بنس ووزير خارجيته ” البوق أو جون “، بومبيوالى انقرة وتنازل اردوغان فوافق على استقبال بنس بعد أن كان قد رفض ذلك، وكان بذلك يتحدث من مركز قوة .

أما المتغير الآخر، فهو ماجرى بحثه بين الرئيس بوتين وكل من الملك السعودي وولي عهد الامارات، اذ رغم الغلاف السميك المشرب بالاتفاقات الاقتصادية والاستثمارات المشتركة كان موضوع الخليج وسوريا هما الرئيسيان في البحث، فقد بحث ملف اليمن كمدخل لتقريب وجهات النظر، والاتفاق مع ايران على تعاون لحفظ أمن الملاحة في الخليج، وضرورة عودة سوريا لجامعة الدول العربية، وتحسين العلاقات معها استنادا للدستور الجديد الذي ستقره اللجنة التي تضم المعارضة التي تدعمها السعودية والامارات .

دخول روسيا على أزمة الخليج تم في ظرف استجد بعد استياء السعودية من موقف واشنطن ازاء ضرب الارامكو ( عدله ترامب بعدها بارسال قوات وصواريخ )، ذلك أن ترامب علق بقوله : ” لم نتعهد بالقتال دفاعا عن السعودية تعهدنا ببيعها السلاح لتقاتل، وتدافع عن نفسها ” وكذلك رفض ترامب التفاوض مع روحاني في نيويورك استجابة لمبادرة ماكرون، وذلك برفضه الغاء العقوبات المفروضة على طهران .

هذه المتغيرات جعلت من روسيا أقوى قوة على الأرض السورية، وروسيا تربطها بتركيا اتفاقيات أسلحة وتجارة واسعة، وترى روسيا أن التفاهم بين تركيا وسوريا هو الطريق الأسلم لبسط الاستقرار والتوصل لحل سياسي في سوريا، وأعلن ذلك لافروف قبل وصول اردوغان بالنص، أما بوتين فقد أعلن ناطق من الكرملين أن اردوغان تعهد بعدم المساس بوحدة الأراضي السورية، وذلك قبل انعقاد قمة بوتين اردوغان .

روسيا تريد الاستفادة من المتغيرات للولوج في طريق الحل السياسي، وسوف يستند بوتين الى فكرة قد تتحول الى مبادرة وهي : اذا كانت تريد حماية حدودها من عمليات الأكراد ضدها فان هذا الهدف يمكن تحقيقه باتفاق بين الحكومة السورية وتركيا، وقد يكون باحياء وتفعيل اتفاق ” أضنة “، أو باتفاق جديد .

واستبقت تركيا الاقتراح الروسي، الذي اعتقد أنه سيطرح باعلان مفاجئ موجه للأكراد ويركز على : ” يستطيع الأكراد المسلحون أن يغادروا المناطق المتمركزين فيها بسلام ان هم سلموا سلاحهم وانسحبوا 30 – 35 كيلومترا داخل سوريا “، وهذا يعني أن تركيا تريد حلا يضمن أن لايتواجد أي مسلح كردي على الحدود الشمالية لسوريا ( مع تركيا )، لمسافة 40 كيلو مترا في عمق الأراضي السورية، ويقدر الأتراك أن هذا سوف يجبر الحكومة السورية على ضبط هذا السلاح، اذ لايمكن أن تقبل الحكومة السورية بوجود جيش آخر سوى الجيش السوري على أراضيها، ومهد اردوغان لهذا بقوله أن تركيا سوف تسحب قواتها بعد انتهاء العملية، وسوف تشهد تسارعا في القصف التركي، خاصة في شمال شرق الفرات ضد مواقع الأكراد المسلحين، وستسحب فرنسا وانجلترا قواتها من تلك المناطق معلنة انهيار مشروعها لاقامة كنتون كردي في مناطق النفط والغاز السورية .

اذا كان اردوغان يتأرجح بين أطماع الدولة العثمانية، وبين ضمان أمن تركيا ومناعة حدودها فان لقاءه مع الرئيس بوتين قد يضعه أمام ضرورة حسم الأمر براغماتيا، واذا جمع الرئيس مواقف اردوغان المعلنة فسيصل الى :

1- اعلان تركيا أنها ضد تقسيم سوريا .

2- ان تركيا لا أطماع لديها لضم اراض سورية .

3- ان ابعاد المسلحين الأكراد مسافة 40 كيلو مترا هو هدف .

4- أن تكون الدولة السورية، هي المسؤولة عن أمن الحدود من طرفها .

وهنا نتوقف لنقول ان سيطرة الحكومة السورية على المناطق الحدودية، هو تعبيري بينما استخدم اردوغان تعبير ” سنسلم المناطق الحدودية لممثلي الشعب السوري فيها !! ” .

وقد يعني أشياء عديدة بذلك، أو قد يكون قد نصب كمائن عديدة على هذا الطريق، اذ لفت انتباهنا ماقاله هذا المساء وزير خارجية تركيا ان العشائر العربية في منبج تطالب تركيا بانفاذ الوضع لأن الجيش السوري لم يدخل منبج بعد، وهي تخضع لسيطرة المسلحين الأكراد المتحكمين بالأغلبية العربية / العشائر .

ان خوض هذه المعركة السياسية الدبلوماسية ضرورية وهامة على أن يترافق مع تحرك مستمر في التقدم تسيطر فيه قوات الجيش العربي السوري على المناطق الحدودية وصولا للقامشلي ومرورا بمناطق النفط والغاز، وهذا ماتلوح له روسيا عبر اعلانات وزارة الدفاع الروسية المتتابعة حول المساحات التي سيطر عليها الجيش العربي السوري، واصرارها على منع أي صدام عسكري بين الجيشين التركي والسوري، لكن من الواضح أن قسد مازالت تتعنت في تسليم المناطق لتعود الى شرعيتها تحت سيطرة الحكومة السورية والبرلمان السوري، اذ يبدو أن هنالك جهات تشجعها على ذلك، وان هنالك قيادات ترتبط بالمخابرات الاميركية والاسرائيلية كلفت بوضع العراقيل مثل : ” نفتح الحواجز لعبور الجيش السوري لكن تبقى الترتيبات الادارية في المناطق كماهي “، هيكل الكنتون وهذا مالا تقبله الدولة السورية .

الوقت هنا عنصر هام … الخميس يجتمع اردوغان مع بنس، وبعدها يذهب الى موسكو وربما تتحرك ايران، وقد ينضم ممثلون من الحكومة والجيش السوريين لمفاوضات .

كاتب وسياسي فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. اعتقد ان اردوغان يعلم جيدا ان اللعبه انتهت في سوريا ، بالنتيجه التي يريدها بوتن وحلفاؤه ، ولكنه يقوم ببعض الاستعراض البهلواني لاغراض داخليه وحزبيه !.
    ويقوم بتقليد سيده ترامب !!.

  2. وربما تتحرك ايران، وقد ينضم ممثلون من الحكومة والجيش السوريين لمفاوضات …….. و لربما ينتهى كل التوقعات فاشوش …. و احتمال يخسر كردوغان كل احلامه العقيمة … و يمكن ايران تواجه اسوا الاحتمالات …..و عسى ان يضرب الله الظالمين بالظالمين …. و لعلهم ينتهون فى مزبلة التاريخ……. ………… و اهى كلها احتمالات ….. و يشاء الله و ما شاء فعل

  3. لو ان اردوغان نيته سليمه لقام بالاتفاق مع الحكومه السورية اولا وبذلك توضع التنظيمات الكردية بين فكي كماشة وبمجرد الإعلان عن الاتفاق وخصوصا بعد الانسحاب الامريكي سيضطر الأكراد إلقاء السلاح وتسليم المنطقة للحكومة السورية بدون قتل وتدمير. لكن خطة اردوغان هي زرع عملائه في الشمال السوري على غرار جيش لحد في جنوب لبنان لاستثمارهم في الضغط على الحكومه السورية لإعطاء الاخوان المسلمين مقاعد في الحكومه الجديدة وهذا لن يحدث. ولذلك هناك جولات اخرى من التصعيد وربما مواجهه مع الجيش التركي،

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here