اللغة في روايات صبحي فحماوي

fahmawi-new.jpg666

د. ماجدة صلاح

تُعد اللغة العنصر الأهم، والأداة التي تتشكّل من خلالها جميع العناصر الأخرى المكونة للرواية، فاللغة ” صياغة بنائية مميّزة، والخطاب الروائي لا يمكن أن يتحدد بالحكاية فحسب، بل بما يتضمن من لغة توحي بأكثر من الحكاية، وأبعد من زمانها ومكانها ومن أحداثها، وشخصياتها”([1]) فبالكلمات تبني الرواية عالمها.

اعتمد صبحي فحماوي على تعدد الأصوات في رواياته، فتعددت مستويات التعبير اللغوي، وتفاوتت شحناتها الإيحائية، وطاقاتها الدلالية فلامست الواقع ذلك؛ ” أن تعددية اللغة السردية وتنوّع مستوياتها، تكسب العمل السردي انفتاحا على الأصوات الحياتية كافة، مما يجعل من الرواية صياغة جمالية، مهما حاولت أن تغرق نفسها في التخيّل أو الوهم أو أي فضاء آخر غير الواقع الذي أنتجت فيه ولأجله”([2]). فهذه التعددية تضفي على الرواية واقعية، وانفتاحا وتنوّعا.

وقد عمد الروائي إلى استخدام لغة تكاد تكون واحدة في جميع رواياته، وهي ذات بعدين: “لغة مطابقة للواقع”، و”لغة شعرية”.

  • اللغة الفصحى البسيطة، وهي اللغة المطابقة للواقع، تقترب كثيرا من لغة الاستعمال اليومي، وهي أحادية الدلالة، حيث شغلت اللغة الفصحى الوسطى مساحات واسعة من الروايات، وهذا ما يميز لغة الروائي فحماوي، إذ يبتعد عن اللغة المعقدة، فهدفه إيصال مأساة اللاجئ الفلسطيني، وتوثيق معاناته. وهذه اللغة القريبة من العامية (اللهجة الفلسطينية) نقرؤها في الحوارات الدائرة بين شخصيات الرواية، مطعّمة ببعض الكلمات العامية، فعند أحد الحواجز الإسرائيلية دار حوار بين أشخاص فلسطينيين معهم امرأة في حالة وضع، ونظرا للانتظار الطويل تعرّضت المرأة لنزيف حاد، مات على أثره جنينها، وأصبح وضعها الصحي في خطر، فصرخ كل منهم في وجوه جنود الاحتلال قائلا:

” الله أكبر، مات الجنين في بطن أمه..!” وقال آخر:

“يا حسرة أبوه، وأهله..!” وقالت امرأة منهم:

“يا قهر الحاجز وسنينه..!الحقوا المرأة المجهضة على الحاجز، لا تزال مشيمة الجنين الميت تنزف بغزارة بين فخذيها، فالمستشفى على بُعد مئتي متر عن الحاجز..”

“يا خواجة عملنا تنسيق مسبق مع المستشفى، وقالوا لنا تعالوا… ” تململ الحاجز وقال:

“بدكم تصاريخ..!”

“معنا تصريح..!”

التصريخ ما فيش فيه أسماء… مكتوب، ” ثلاثة مرافقين فقط”([3])

ولغة الحوار هنا فصحى ميسّرة، تقترب من اللهجة الفلسطينية، ممتزجة ببعض الكلمات الدارجة.

  • “اللغة الشعريّة”: هي لغة إيحائية رمزية، متعددة الدلالة، مكتنزة المعاني، تخترق المألوف فتخلق مساحة واسعة للتأويل.

تأتي اللغة الشعرية في الوصف، وصف الطبيعة، أو المدن، فحين يسترجع السارد ذكرياته القديمة في وطنه، نجد اللغة محمّلة بطاقات إيحائية وشحنات عاطفية. فها هو مشهور حين شاهد بحر الإسكندرية، استحضر ما فعله الاحتلال ببحر عكا وقوارب الصيادين، يقول:

“لماذا فكوا حبال قوارب الصيادين الصغيرة المتماوجة بحمولاتها المتجمعة في بحر عكا، والمستجيرة بأسوار أحمد باشا الجزار، وأبعدوها عن أوتادها الحديدية، وأطلقوا عليها نيرانهم، فاخترقت الطلقات أخشابها التراثية القديمة، ونزفت دماءها، فامتزج الأحمر بالأزرق، وماتت القوارب بصياديها، وتماهت أخشابها المقطعة مع أمواج البحر، أكلتها وعول البحر، ولم يعد جدك منذ ذلك اليوم”([4])..انزياحات أنسنت الجمادات وبثت فيها الحياة، فالقوارب مستجيرة بأسوار أحمد باشا خوفا من أسلحة العدو، أبعدوها قسرا بفك أوتادها المنغرزة في قاع البحر كما أبعدوا الفلسطيني، وأمطروها بوابل من الرصاص التي اخترقت أخشابها، نزفت تلك القوارب، مازجة لون البحر الأزرق بلون دمها الأحمر، إنها صورة مأساة الفلسطيني..الصيادون خرجوا للصيد ولم يعودوا، التهمتهم وعول البحر. صورة مفعمة بالمشاعر الحزينة والاشتياق والتعجّب، من خلال الاستفهام، ونهضت جملة(… أخشابها التراثية القديمة) ببيان أصالة الفلسطيني وتاريخه. جسّد فحماوي بالانزياحات مأساة شعب أُبعد عن وطنه، وقضت عليهم أسلحة العدو بطرق وحشية.

أو حين يتحدث عن لحظة لقائه بحبيبته/ فلسطين:” تُرى كيف سيكون هذا اللقاء؟ سيكون كاندفاع الموج العاتي، على رمال الشاطئ الحالم، حيث يقذف الموج غيلما وسلحفاة، يغذان خطاهما مقتربين من بعضهما على رمال الشاطئ بالأحضان!” تتسارع خطاهما شوقا وحنينا لبعضهما… أو كتلمّس الغيوم الرطبة لأوراق الأشجار المكتظة في قمم الجبال، والتي تتحوّل إلى قطرات ندى متلألئة، تحت أشعة الشمس الدافئة، الممزوجة برطوبة الكرمل وظلاله ”  وذلك ما عبر عنه الشاعر محمود درويش في قصيدته، متماهياً مع سرديات صبحي فحماوي…

“هذا البحر لي

هذا السماء الرطب لي”

حين تداعب الغيوم أوراق الشجر بقطراتها الندية فتخضّر وتتلألأ أعلى الكرمل..

 ” سيكون لقاؤنا كلقاء الأمطار الغزيرة بالأرض المشققة التربة عطشا، سيكون لقائي بك كالماء الذي يُسقى به المتهالك في الصحراء، من شدة العطش، أنا الأرض العطشى، وأنت المياه العذبة “([5])..إنه العودة إلى الحياة، لقاء ابن ضل وتاه في صحراء الحياة القاحلة، ليجد أحضان أمه تنعشه وترد له حياته.

بيّنت هذه التشبيهات المتتالية مدى الحب والتعلّق بالحبيبة/ الوطن، فعودته إليها رجوع إلى الحياة التي فقدها ساعة تهجيره من أرضه، يشتاقها اشتياق التربة للمطر، وحاجة الأوراق والشجر إلى قطرات الندى، كلمات مفعمة بالحنين والشوق إلى حبيبته تكشف هذا الحب الجارف لوطنه.

وقد عمد إلى اللغة السهلة الفصحى الوسطى، القريبة من اللغة العامية ؛ لمنح رواياته واقعية، وجعلها تخاطب مختلف الطبقات والمستويات، وتصل إلى أكبر عدد من القرّاء، لعلهم يتفاعلوا مع القضية التي يطرحها الروائي في رواياته، وهي تدور في مجملها حول القضية الفلسطينية، ومأساة الشعب الفلسطيني، لأجل ذلك كله لم يكن اهتمام الروائي منصبا على اللغة، ولم يسع جاهدا لتنميق كلماته، بقدر ما كان اهتمامه وعنايته بالمضمون، ومحاولة إيصال تلك المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، خاصة في ما يتعلق بحدث أو صورة من صور المأساة، إذ نجده يستخدم الكلمات المتداولة والشائعة، كما نجده يدخل بعض الكلمات العامية في لغته الفصحى، بل إنه يلجأ إلى “تعريب” اللهجات العامية – إذا جاز التعبير- وذلك حفاظا على الهوية الفلسطينية، وخوفا من ضياعها، ولإضفاء مزيدا من الواقعية على شخصيات الرواية وأحداثها. وهو في كل ذلك يتخذ من هذه الأساليب الفنية والتقنية سبيلا لتوثيق الأحداث التاريخية، والأماكن والقرى والمدن الفلسطينية..واللغة بدلالاتها المحمّلة لتبقى شاهدا على ما مرّت به القضية الفلسطينية، في الوقت الذي يحاول فيه العدو الصهيوني ومن تبعه تغيير معالم التاريخ، وطمس الهوية الفلسطينية. وهذا لا يعني وجود لغة راقية شعرية ذات دلالات متعددة في مواضع كثيرة من رواياته. إنها سرديات بل وثائق أدبية تدين ما ارتكبه الصهاينة من جرائم بحق الشعب الفلسطيني، والممارسات التعسفية والهمجية التي انتهجتها إسرائيل لتهجيرهم.

[1]. أدب عبد الرحمن الشرقاوي، ثريا العسيلي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1995، ص287.

[2]. في نظرية الرواية(عبد الملك مرتاض وسيد إبراهيم)، حسين مناصرة، الشبكة العنكبوتية،  http://berber. ahlamontada. com/t20868-topic

[3]. حرمتان ومحرم، ص136.

[4]. الإسكندرية 2050، ص53.

[5]. عذبة، ص69.

شيكاغو

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here