اللجنة الرباعية للشرق الأوسط: وسيطٌ آخر غير نزيه

alla-tatar.jpg666

د. علاء الترتير

نشرت اللجنةُ الرباعية للشرق الأوسط الأسبوعَ الماضي تقريرًا يحثُّ القيادات السياسية الفلسطينية والإسرائيلية على اتخاذ تدابير للمحافظة على مسار حل الدولتين. وإذا ما قرأنا التقرير بعينٍ ناقدة فإننا سنرى سببَ فشلِ الجهودِ المبذولة لتحقيق حل الدولتين طوال العقدين الماضيين، فالتقريرُيزخر بالتحيزات المتأصلة، والافتراضات الإشكالية، والتوصيات غير المستنيرة، والانحياز في رؤية الواقع، وهي كلها من السمات المميزة للمؤسسات الدولية،كاللجنة الرباعية، التي ترسِّخ واقعَ الظلم والاحتلال العسكري والعنف الراهن.

يحتار القارئُالموضوعي في تقرير الرباعية الأخير: فهل هو تقريرٌ صادرٌ من هيئةٍ دولية أم من وزارةٍ إسرائيلية أم من مؤسسةٍ بحثية في تل أبيب؟ فالتقرير يُسلِّمبأن “الإرهاب الفلسطيني والتحريض الفلسطيني على العنف” مسؤولٌ عن انعدام الأمن الإسرائيلي والجمود السياسي. ويبني التقريرُ “تحليلَه” على مجموعة من الافتراضات الخاطئة واللامعقولة، من قبيل أن نتنياهو يدعم قيام دولتين تعيشان جنبًا إلى جنب في أمن وسلام، وأن الغالبية العظمى من كلاالشعبينلا يزالون يدعمون حل الدولتين.

هل يُعقَل أن مسؤولي الرباعية لا يسمعون القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين، من اليمين واليسار على السواء، الذين أعربوا مرارًا وتكرارًاوبوضوح عن رفضهم حلَّ الدولتين؟ فقد قالها نتنياهو عشيةَ الانتخابات الإسرائيلية العام الماضي:”لا لدولةٍ فلسطينية”. وفي تلك الانتخابات، انتخبَالإسرائيليون 78 عضوًافي الكنيست مِمَّن يعارضون حلَّ الدولتين. وفي أيار/مايو 2016، رفضَنتنياهو مبادرةَ السلام الفرنسية المستندةإلى إطار حل الدولتين. وفي تموز/يوليو 2016، أعلننتنياهو بناءَ المزيد من المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة في إطار مشروعٍاستعمارييستحيل معه حل الدولتين.

أما بالنسبة للإسرائيليين أنفسهم، فقد أظهرَ استطلاعٌ أخير أجراه مركز بيو للأبحاث أن 43% فقط من اليهود الإسرائيليين يعتقدون أن “بالإمكان إيجاد طريقةٍ ما لتتعايش إسرائيلُ ودولةٌ فلسطينية مستقلة في سلام،” في حين أن غالبية هؤلاء (62%) الذين يصطفون معاليمين السياسي الإسرائيلي، حسب وصفهم،فيقولون إن حل الدولتين غير ممكن.

أما بالنسبة للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، فإن قرابة من 50 عامًا من العيش تحت الاحتلال الإسرائيلي قد بددت آمالهم، حيث أظهر استطلاعٌ أجراهالمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في حزيران/يونيو 2016 أن 29% فقط يتوقعون نجاحَ المبادرة الفرنسية، وأن 56%يؤيدون الانسحاب من اتفاقات أوسلو، وأن 57% يعتقدون أن حل الدولتين لم يعد ممكنًا. أما بالنسبة للفلسطينيين الستة ملايين في مخيمات اللجوء والمنافي، فإن من الواضح أن أحدًا لم يستشرهم أو يسألهم رأيهمفي هذه المسألة.

تتجلى إشكاليةٌ أخرى فينظرة اللجنة الرباعيةعند الحديث عن مسألة التحريض على العنف. فنسبة الحديث عن التحريض الفلسطيني مقارنةً بالتحريضالإسرائيلي على العنف هي 4 إلى 1، حيث تضمَّن التقرير أربعَ فقرات تتحدث عن التحريض الفلسطيني على العنف مقارنةً بفقرة واحدة تتناول التحريض الإسرائيلي، وهذا مثالٌ واضح لعدم الحياد. فالتحريضالإسرائيلي العنصريوالأصولي المتواصل على العنف يكاديمرُّ مرورَ الكرام على مسؤولي الرباعية. وهذا حتمًا لا يُعزى إلى غيابالأدلة وإنما إلى مخططٍ ممنهج وإلى غياب الإرادة السياسية لمحاسبة إسرائيل دولةً وقيادة.

وحتى لو استخدمنا منطق اللجنة الرباعية، وسلَّمنا بأن العنف منذ تشرين الأول/أكتوبر 2015 في فلسطين-إسرائيل كان متبادلًا، فلماذا تسمي اللجنةُ الرباعية العنفَ الفلسطيني “هجمات إرهابية،” ولا تصف العنفَ الإسرائيلي بذلك؟ فما هو المسوِّغ، إنْوجد، لإطلاق هذا الوصف، وما هي المآرب السياسية التي يخدمها؟

وعلى المنوال ذاته،تدَّعي اللجنة الرباعية أن مخزونَحماس من الأسلحة غير القانونيةوأنشطتها العسكرية أسبابٌ تُلامُ على فشل حل الدولتين، ولكن أين الدليل الذي يُثبتهذاالزعمالمسيَّس؟ ولماذا لاتنظر الرباعية في أي دليلٍ منالأدلة التي تثبت أن إسرائيل هي مَن بدأ الاعتداءات الثلاثة الكبرىضد قطاع غزة؟ إن هذا الادعاء خطير لأنه قد يعطي إسرائيلَ فرصةً ذهبية لشن حرب أخرى جديدة على غزة. وعلاوةً على ذلك، متىسيستمعمسؤولو الرباعية إلى قادةِ حماس بعناية أكبرويلتفتون إلى التغيرات الجوهريةالتي طرأت عليهم على مدار العقد الماضي؟ فعلىاللجنة الرباعية أن تأخذَ على محمل الجد دعوةَجيمي كارتر وماري روبنسونإلى ضرورة الاعتراف بحماس كممثلٍ سياسي شرعي، وعليهاأن تعترف أيضًا بأن الوقت قد حان “للتعاطي” مع حماس إذا كانت الرباعية معنيةً حقًا بإحلال السلام الشامل.

يتحدث التقرير عن الوضع الإنساني المتردي في قطاع غزة، والحصار المسيَّسلسكانهالمليونين،بلغةٍلاسياسية لافتة ترفض التفسير السياسي لهذه “الأزمة الإنسانية”وتواطؤ المجتمع الدولي في استدامتها. وبدلا من ذلك، “يشيد” التقرير بالحكومة الإسرائيلية لرفعها بعض القيود استجابةًلضغط الرباعية، وهذامدعاةٌ للسخريةوتحيزٌ كبير للذات. وفي المقابل، يشكو التقرير غيابَالوحدةالوطنية الفلسطينية، ويعتبره عاملاً آخر يساهم في إفشال حل الدولتين. وهذا ادعاء عجيب لأن اللجنة الرباعية والمجتمع الدولي هم مَن رسخوا هذا الانقسام حين رفضوانتائج الانتخابات الفلسطينية الديمقراطية التي أُجريت قبل عقدٍ من الزمن.

ورغم أن الرباعية تقرُّ بأن التوسع الاستيطاني الإسرائيلي اليهودي عاملٌ يعوق المضي في حل الدولتين، فإنها لا تعترف بأنه انتهاكٌ بيِّن للقانون الدولي، ويمكن أن يرقى إلى كونه جريمةَ الحرب. ولكن لا بد من أن يكون ذكرُ الوقائع على حقيقتها والتمسكُ بالقانون الدولي من السمات الأساسية لأية جهة تدّعي التمثيل العالمي، وإلا فإن شرعية هذه الجهةستظل تتراجع.

اللجنةُ الرباعية للشرق الأوسط هي مثالٌ لوسيط آخر غير نزيه. نهجُها وانحيازها في فهم الواقع لن يقرِّب السلام، بل سيجعله مستحيلًا.فإذا كانت الرباعية والمجتمع الدولي مهتمون حقًا في إحلال سلامٍ عادل ودائم بحق بين الفلسطينيين وبين الإسرائيليين، فعليهمأن يغيروا ما درجوا عليه،وينصتوا أكثر للمجتمع المدني، ويبدأوا في التصديللمسائل الصعبة وعلى رأسها إنهاء الاحتلال الإسرائيلي كخطوةٍ نحو تحقيق المساواة للجميع.

 مدير البرامج في الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية، وباحث ومحاضر جامعي في مرحلة ما بعد الدكتوراة في المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف، سويسرا.تابعوا علاء الترتير على تويتر: https://twitter.com/alaatartir

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. هذا التقرير هو تقریر بالوكالة عن اسرائیل و یجب أن تحل اللجنه الرباعیه لانها لم تکن محایده

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here