الكوكايين السياسي في الجزائر

زرواق نصير

تجلى تصاعد صراع العُصب على الحكم في الجزائر، مع قرب الإنتخابات الرئاسية، في بيان أصدره الجيش حول قضية حجز سبعة قناطير من مادة الكوكايين نهاية شهر ماي الماضي ،مهرَبة داخل حاوية لحوم مجمدة مستوردة لأحد حال المال، و تولّى الجيش التحقيق فيها من خلال جهازي المخابرات والدرك، غير أن هزّات القضية جاءت أكبر من القضية نفسها، بعد الحديث عن تورط قضاة و مسئولين كبار في الدولة و إطارات وأبناء وزراء،على أن ذروة الهزة، حتى الآن، هي تصريح مدير الأمن الوطني اللواء عبد الغني هامل لوسائل الإعلام حيث قال: ” أن التحقيق الابتدائي في قضية المخدرات شابته تجاوزات واختراقات ولكن القضاة تمكنوا من حسم الأمور ولم يتركوا الأمور تتميع “. و أنه “يمتلك ملفات إدانة تخص القضية بحوزة مصالحه “. على أن أخطر ما في تصريحه قوله:” من يريد محاربة الفساد يجب أن يكون نظيفا” و هي جملة ردَدها مرتين’و هو كلام خطير وغير مسبوق،أدلى به صباحا وأُقيل بسببه مساء، و المقصود طبعا هو الجيش ممثلا في جهازي المخابرات والدرك التابعين لمؤسسة الجيش التي يرأسها الرجل القوي قائد الأركان القايد صالح، نائب وزير الدفاع الذي هو رئيس الجمهورية.

و القضية و إن قرأها الجزائريون على أنها قضية جنائية ذات أبعاد سياسية تتمثل في صراع لوبيهات السلطة على الحكم،إلا أن تصريح اللواء الهامل،أعاد طرح القضية من قضية تهريب ذات أبعاد سياسية،إلى محاولة فهم ماذا يجري بشكل أعمق داخل المجموعة المغلقة المحيطة بالرئيس والمحسوبة عليه.

وعليه، فالسؤال الجوهري هو: ماذا يجري بالضبط في محيط الرئيس.؟

لمحاولة فهم ما يجري،لا بد من الرجوع إلى حادثة إقالة الجنرال توفيق مدير المخابرات السابق(2015) بقرار رئاسي جاء للحد من نفوذ المخابرات داخل مؤسسات الدولة و صناعة القرار،و هي إقالة حّررت إرادة الرئيس و محيطه و هيئة أركان الجيش،و تم نقل صناعة القرار إلى الرئاسة و هيئة الأركان بدل المخابرات التابعة أساسا للجيش،و بداية شراكة جديدة بين المؤسستين.

و الظاهر أن الجيش،بعد ثلاث سنوات من التحالف،بدأ ينظر بعين الريبة و الشك في طموحات محيط الرئيس و قراراته،و لم يعد راضيا على كيفية إدارته للبلاد،بعد سلسلة الفضائح المالية والإدارية،و ضعف مؤسسات الدولة، و ترهلها إلى درجة مواصلة مباراة نهائي كأس الجمهورية رغم تصفير بعض المشجعين على النشيد الوطني وإعطاء ظهورهم له بحضور الوزير الأول،كما يبدو أن الجيش حسم قراره داخل دائرته الضيقة في مسالة خلافة الرئيس بوتفليفة ،و بدأ بإزاحة المعوّقات،و منها محيط الرئيس،فاللواء الهامل من أقرب المقربين للرئاسة(كان قائدا للحرس الجمهوري) وشغل منصب مدير الأمن الوطني(منذ 2010) ثاني أقوى و أكبر جهاز أمني،و كذلك مسّت الشظايا وزارة العدل الذي يرأسه الطيب لوح،و هو من المقربين للرئيس بالحديث عن تورّط قضاة و نواب عامّون في قضية الكوكايين،و كلاهما ذكرت شائعات على أنهما مرشحين محتملين للرئاسة بعد بوتفليقة،

كما أن اتساع نفوذ هذين المؤسستين المدنيتين السياديتين داخليا( العدل،الداخلية) في إدارة شؤون الدولة،و تقلص نفوذ الجيش و تهميش دوره، و غلبة المدني على العسكري في اتخاذ القرارات،أزعج المؤسسة العسكرية،و زاد من تخوفها خاصة مع قرب الانتخابات الرئاسية(2019) و بداية الترويج للعهدة الرئاسية الخامسة لبوتفليقة،من خلال تصريحات مؤيدة لشخصيات حزبية و سياسية لهذه العهدة،و التي يبدو أنها كانت دون الرجوع إلى مؤسسة الجيش أو التشاور معها حولها.

على أن المستهدف الحقيقي من العملية ليس الرئيس نفسه،إنما شقيقه و مستشاره السياسي السعيد بوتفليقة،الذي يبدو رجل الجزائر القوي و ظل شقيقه الرئيس،مستشار بصلاحيات رئيس الجمهوية،والذي توسّع نفوذه،و يكاد ينفرد بصنع القرار بعد إزاحة مدير المخابرات السابق توفيق،و الظاهر أن الجيش لم يعد يقبل

انفراد السعيد بصناعة المشهد الرئاسي العام القادم الذي سيكون النهاية لنفوذ الجيش و خروجه النهائي من اللعبة السياسة.

فالسعيد بوتفليقة،صار هو صاحب القرار السياسي،و خلفه ترسانة من المؤسسات المالية التي أشرف شخصيا على صناعتها كمنتدى رؤساء المؤسسات( أكبر تجمع مالي و اقتصادي في الجزائر) و هو عبارة عن شبكة واسعة أحاط بها نفسه من أصحاب المال و الأعمال،فصار الآمر النهائي و هو ما عجَل تحرك الجيش تحت غطاء الكوكايين، و البدأ بقطع الأذرع القوية الوازنة،و المفتاحية المقرَبة من شقيق الرئيس شخصيا والتي تخدم طموحاته وتساعد على بناء و تثبيت أركان إمبراطوريته السياسية و المالية الخاصة،و هي عملية ستطال بكل تأكيد رؤوس و رموز مؤسسات أخرى،حتى يضمن الجيش عودة قرار الرئيس القادم إليه وحده.

 مسألة الحكم جد معقدة،و صناعة القرار أشد تعقيدا، ذلك أن الجزائر لا تزال تعيش وضع “المرحلة الانتقالية” سياسيا منذ 17 جوان عام1967،السنة التي انقلبت فيها مؤسسة الجيش على مؤسسة الرئاسة،يوم انقلب العقيد هواري بومدين ،وزير الدفاع،على الرئيس المدني  أحمد بن بلة،تحت عنوان ” التصحيح الثوري” الذي تولّدت منه أخطاء ما فتئت تتراكم حتى أنهكت الدولة و مؤسساتها،و زاد من صعوبة “تصحيح التصحيح” كمتوالية هندسية تعصف بالجزائر،و جعلها عاجزة على تصحيح مسار الدّولة،و قضى على إرادة التغيير لأن مفهوم الدولة استُبدل بالجهة،و المؤسسات تحوّلت إلى عُصب، و انتقل عمل السلطة الحاكمة من حل الأزمات إلى إدارتها،وهي الأسباب الجوهرية المعوّقة للنهوض،و التي تجعل المخرج الوحيد هو قيام الجمهورية الثانية،وهو قرار لا يستطيع إعلانه و ضمانه إلا مؤسسة الجيش إذا توفرت على إرادة واعية و رؤية واقعية لحاضر الجزائر و مستقبلها..و تلك معضلة أُخرى تحتاج إلى دراسة.

كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email

7 تعليقات

  1. نصير،

    سيدي، انا لم اصحح إلا ما أخطأت انت فيه…عد الى مقالك، راحع ما تكتب، ففي الفقرة الأخيرة منه والتي تبدأ بعبارة مسألة الحكم جد معقدة…..ستجد انك كتبت 17 جوان 1967 ولذلك أنا صححت ما اعتبرته خطأ لا غير. ثم انت تكتب في صحيفة موجهة للرأي العام العربي عبر الأرض وكلمة جوان لا تفهم إلا في تونس فضلا عن الجزائر التي أخذتها عن تونس. ..اذن يجب ان تضيف باستمرار كلمة يونيو التي تفهم في المغرب وفي باقي المعمورة. ..المدرسة الجزائرية لعلمك اخذت عن المدرسة التونسية والمدرسة التونسية كانت ضد المدرسة المصرية ليس لأنها لم تكن على صواب ولكن كرها في عبد الناصر …هذه أمور جيلك لم يعشها وهذا للتوضيح فقط.
    في الواقع الأشهر الفرنسية التي تأخذ بها المدرسة الجزائرية جريمة في حق أبناء الجزاير بكل المقاييس…لكن هذا ليس ذنبك ولا ذنبي….لكن لا يمنع من ان تناقش هذه الأمور على مستوى المنظمة العربية للتربية لإيجاد حل جامع يوحد تسميات الأشهر العربية.

  2. من ليلة الانقلاب على مؤسسة الرئاسة من قبل المؤسسة العسكرية والجزائر في ليل بهيم ما رأت ضوء النهار

  3. 1 ) اسطوانة الجمهورية الثانية تذكرنا بجمهورية فرنسا .
    2) هذه الجمهورية لاتناسب طموح الشعب الجزائري بل تناسب النخب التي لا تؤمن بسيادة الشعب .
    3) الى متى تبقى الجزائر تسير بالمراحل الانتقالية ؟ .
    4 ) نتمنى ان يخرج الشعب من الوصاية الابوية المفروضة عليه .

  4. لا يا أخ مراد..التصحيح الثوري كلن في19 جوان 1965 و ليس 1967..

  5. تاريخ التصحيح الثوري هو 19 جوان 1965 و ليس 17 جوان 1967

  6. أهلا سي زرواق، مشاركاتك في صحيفة رأي اليوم الموقرة قليلة ولكنها مفيدة . تاريخ ما يعرف في الأدبيات السياسية الجزائرية بالتصحيح الثوري هو 19 جوان/يونيو 1965 وليس 17 جوان 1967. هذا ما يجب تصحيحه. عتقد كذاك وقد أكون مخطئا أن حكاية الكوكايين لا تمس شقيق الرئيس ، بل المقصود منها ضرب رؤوس أخرى وهذه الرؤوس تمت الإطاحة بها او تحييدها او تخويفها من اللعب في ميدان رئاسيات 2019. فنيش ، اللعبة انتهت. فمن كان مستهدفا هو المدير السابق للأمن وقد تمت تنحيته، يعني بالنسبة له اللعبة انتهت لا طموح رئاسي ولاهم يحزنون، تم تقصيبه كما يقال بعامية منطقة الحضنة ولعلك منها. المقصود الآخر بها هو الوزير الأول السابق عبد المجيد تبون ورغم ابعاده من الحكومة إلا أن اعداءه لم يرتاحوا وكان يجب القضاء عليه تماما. ولذلك تم الزح به في القضية عبر ابنه. خلاص تم تشويهه. هناك آخرون أقل أهمية… لكن شقيق الريس لا علاقة له بالموضوع. العنصر الجديد في القضية هو حضور بعض الأطراف الدولية وتحديدا الأمريكية والإسبانية. أمريكا حاضرة عبر جهاز مكافحة المخدرات. وهي مؤسسة أمنية لا تقل أهمية عن سي آي إي. اسبانيا موجودة كذلك فالباخرة المحملة بالكوكايين بقيت في أراضيها ثلاثة ايام، ماذا فعلت هناك ولماذا بقيت ثلاثة أيام بلياليها…ربما هناك أطراف دولية أخرى، سنرى.. يعني الموضوع ليس وطنيا بحتا..

  7. اذا العشب اراد يوما الحياة فلابد للقدر ان يستجب ام ان ينتضر الشعب التغيير من جهة اخرى فالوضع لن يتغيير و سيزداد الوضع سوءا و ستسيطر الزمر الفاسدة على مقدرات البلاد.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here