القيروان التونسية.. مرشحو الرئاسة ينثرون وعودًا تنموية

القيروان/ الأناضول

قبالة محراب “جامع عقبة” في مدينة القيروان وسط تونس، يقف متأملًا منبر الجامع وعمارته وزخرفته، وتُلتقط له صورًا أشبه بالتذكارية مع المعلم الديني العريق.

لم يكد مرشح انتخابات الرئاسة، رئيس حزب “تحيا تونس”، يوسف الشاهد، ينهي خطابه أمام أنصاره في قاعة بالقيروان، حتى سارع لزيارة جامع عقبة (تأسّس عام 50 للهجرة)، قبل ساعات من توقيت صلاة الجمعة.

وهو يتجوّل وسط أروقة الجامع العتيق، متأملًا تفاصيله المعمارية، بدا على ملامح وجه الشاهد أنه يريد توجيه رسالة طمأنة بشأن حرية المعتقد ورعاية الدين.

وهي سياسة اعتمدها النظام الحاكم منذ استقلال تونس سنة 1956، إلى غاية الثورة الشعبية 2011 (أطاحت بنظام زين العابدين بن علي 1987 – 2011)، حيث يتم التركيز على القيمة الدينية والحضارية للقيروان، على حساب قيمتها الاقتصادية والثقافية والعلمية.

زار الشاهد القيروان في أكثر من مناسبة دينية، وأشرف فيها على مجلس وزاريّ استمر ثلاثة أيام قبل حوالي عام، وهو رئيس للحكومة لمدة ثلاث سنوات.

كما زارها عندما كان وزيرًا للتنمية المحلية، سنة 2015، وهو ما يعني حرصه على توجيه رسائل دينية وروحية من أعرق جامع في تونس.

مكان اجتماع الشاهد في قاعة مؤتمرات خاصة كان على بعد مئات الخطوات من خيمة اعتصام عشرات الشباب العاطلين عن العمل، قبالة مقر ولاية (محافظة) القيروان منذ أشهر؛ للمطالبة بتوفير فرص عمل.

ونظم هؤلاء الشباب وقفة احتجاجية، رافعين شعارات تندد بعدم إيفاء الحكومة بتعهداتها التنموية وقرارات المجلس الوزاري، الذي أشرف عليه الشاهد بالقيروان، في نوفمبر/ تشرين ثانٍ 2018، وتضمن 88 قرارًا ما تزال أغلبيتها عالقة.

الشاهد، الذي لم يزر المعتصمين، أثنى في خطابه أمام أنصاره على أهالي القيروان، ولم ينس الحديث عن المشاريع التي أقرها لصالح الولاية وسبب تعطل إنجازها.

وصرّح بأن الولاية عانت من تعطل المشاريع التنموية، وبأنه جاء هذه المرّة “كمرشح للرئاسة لعرض رؤية مستقبلية لولاية القيروان، وتفسير سبب تعطل بعض القرارات”.

ورأى أن ترشحه لكرسي قرطاج (قصر الرئاسة) “مبني على الواقعية وتشخيص الواقع وكيفية تجاوز المشاكل التي خلفتها المنظومة السياسية”.

وتحدث عن وجود 45 قرارًا على صعيد وطني لتجاوز تلك الصعوبات.

**

مورو يرثي حالها

في اليوم التالي لزيارة الشاهد، حلّ موكب عبد الفتاح مورو، رئيس مجلس النواب بالنيابة، المرشح عن حركة النهضة (إسلامية)، بساحة الشهداء في مدينة القيروان.

ولم يخل الخطاب من مداعبة وجدان أهالي القيروان بشأن وضعها التنموي غير المتناسب مع قيمتها الحضارية.

وقال مورو: “هذه المدينة العريقة لم تحظ بحقها لا من حيث ماضيها التاريخي ولا مجدها الحضاري ولا من حيث الوعود التي أعطيت لأهلها لتطور واقعهم ولتفرض نظام تنمية جديد”.

وفي رسالة انتقاد للحكومة، تابع: “اليوم ساءني أن مدينة القيروان القديمة تتهاوى بناياتها دون عناية رغم الوعود”.

وأخذ مورو على عاتقه وعودًا “من منطلق صلاحياتي كرئيس للجمهورية (في حال فوزه) أن تسترد القيروان أملًا مفقودًا لدى مواطنيها، من خلال جمع الطاقات الحسنة لتنفيذ برامج واقعية وفعلية”.

**

فقر وجريمة

منذ بدأت الحملة الانتخابية في 2 سبتمبر/ أيلول الجاري، يتسابق مرشحون إلى القيروان، بعضهم من المعارضة وآخرون من الائتلاف الحكومي، وتجمعهم المغازلة ودغدغة العواطف وإثارة مشاعر الفخر تارة والغضب تارة أخرى.

وصفوا المدينة بما يليق بـ”عاصمة الأغالبة” من قيمتها الحضارية ودورها التاريخي.

واستعمل المرشح محمد عبو (التيار الديمقراطي المعارض) عبارة “عاصمة الأغالبة” على معلقة إعلان اجتماعه في القيروان، مرفوقة بصورة جامع عقبة.

و”الدولة الأغلبية”، وعاصمتها القيروان، أسسها إبراهيم بن الأغلب سنة 800 م، وانتهت على أيدي الفاطميين عام 909 م.

وأطلق “عبو” حملته الانتخابية من ساحة الشهداء بالمدينة، ولم ينس زيارة مدينة “حاجب العيون” (نحو 70 كلم جنوب القيروان)، وهي مسقط رأسه، وتحدث عن علاقته الوجدانية بأهلها.

فيما اختار المرشح المستقل، قيس سعيد، أن تكون حملته الانتخابية وسط سوق المدينة العتيقة بين الحرفيين والتجار، واطلع على الجوانب التراثية للمدينة.

أعضاء حملة المرشح نبيل القروي، رئيس حزب “قلب تونس الجديد” (يقبع بالسجن بتهم تبييض أموال وفساد)، زاروا الأحياء الشعبية ذات الكثافة في القيروان.

وغازلوا النسبة العالية من الفقراء، وهم نحو 35 بالمئة في المحافظة ذات الـ570 ألف ساكن.

ورفعوا شعار “تمزيق ورقة الفقر”، وتوفير الأمن الجمهوري للمواطن، في ظل ارتفاع منسوب الجريمة.

**

مخزون انتخابي

تحتل محافظة القيروان الترتيب السادس من حيث قاعدة الناخبين بأكثر من 409 آلاف ناخب مسجل.

هذا المخزون الانتخابي المقيم في أعرق مدن تونس وبين نفائس المعالم الدينية والحضارية، هو في آخر السلم التنموي، وفق المعهد الوطني للإحصاء (حكومي).

عضو الرابطة التونسية لحقوق الإنسان (غير حكومية)، رضوان الفطناسي، يقول إن المجتمع المدني وضع في انتخابات 2014 مشروع محاسبة للمرشحين (نطالبك ونحاسبك)، ويظهر “عدم إيفاء المرشحين بوعودهم، فلم تنخفض نسب البطالة ولا الفقر ولا الأمية المرتفعة”.

ويصف الفطناسي، في حديث مع الأناضول، تلك الوعود بأنها “وعود وهمية غير مبنية على دراسة معمقة”.

ومن تلك الوعود مشاريع أقرتها حكومات ما بعد 2014، التي ترأسها حزب “نداء تونس”، الذي انشق عنه الشاهد.

ويتابع الفطناسي أن “المرشح المنصف المرزوقي، الذي زار القيروان قبل ساعات من انطلاق الحملة الانتخابية، وعد في انتخابات 2011 بتحويل القيروان إلى عاصمة مغاربية، ثم أصبح رئيسًا للجمهورية ولم يحقق وعده، وها هو يعود”.

وقال المرزوقي، في مقابلة مع الأناضول الأسبوع الماضي: “لو لم تحدث مصيبة 2014 (خسارته انتخابات الرئاسة) لما توقف هذا البرنامج”.

ودعا الفطناسي المرشحين إلى “تقديم وعود تستجيب للواقع، وتعمل على إصلاحه”.

وشدد على سعي الرابطة الحقوقية إلى “توثيق وعود المرشحين للانتخابات الرئاسية لتحميل المسؤولية لمن يتخاذل عن خدمة القيروان، التي تستحق واقعًا أفضل وأملًا في المستقبل.”

وتنتهي الحملة الانتخابية للمرشحين، وهم 26، الجمعة المقبل، يليه يوم صمت انتخابي، ثم يدلي الناخبون بأصواتهم داخل تونس، الأحد المقبل، لاختيار خليفة للرئيس الباجي قايد السبسي، الذي توفى في 25 يوليو/ تموز الماضي، عن 92 عامًا.

ويقترع الناخبون خارج خارج تونس أيام 13 و14 و15 سبتمبر/ أيلول الجاري، على أن تُعلن النتائج الأولية في 17 من ذات الشهر.

وفي حال إجراء جولة ثانية، فسيتم التصويت قبل 3 نوفمبر/ تشرين ثانٍ المقبل، بحسب هيئة الانتخابات.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here