القمع في البر والبحر لن يجدي نفعا في كبح تطلع المغاربة للحرية والكرامة والإصلاح الجذري والتنمية الفعلية المدخل الأنجع لإنتزاع حلم الهجرة من الصدور

د.طارق ليساوي

الوضع العام في المغرب يشبه حرائق الغابات في صيف شديد الحر،  فبمجرد أن يتم إخماد حريق إلا ويشتعل الأخر، والواقع أن هذا التشبيه ليس مبالغا فيه، ولطالما نادى الكثير من الأحرار والغيورين على هذا البلد والشعب الكريمين، إلى أن الوضع العام يتجه نحوالمزيد من التعقيد والتأزم والإنفجار… وأن سياسات التسويق للنموذج والإستثناء المغربي، كذَبَها الواقع الإجتماعي والسياسي، وأخر حلقات هذا الوضع المأزوم قتل شهيدة تطوان طالبة الحقوق، التي قتلت برصاص خفر السواحل المغربي، وهي في طريقها إلى الفردوس الأوروبي، لكن قدر الله أن تكون رحلتها إلى فردوس الخلد إن شاء الله، وإنا لله وإنا إليه راجعون وتغمد الله الفقيدة برحمته وألهم أهلها الصبر والسلوان…وعزائنا أن تتم محاسبة الذي أعطى الأمر بإطلاق النار على الشباب المغربي في عرض البحر فهؤلاء العزل لا يهددون أمن البلاد وحدودها، فهم فروا من الظلم وسياسة التفقير والتجويع  …

لا أخفيكم أنني أجد صعوبة في الكتابة لاسيما في مثل هذه الظروف المؤلمة لأهالي الضحايا ولعموم المغاربة،والتي تنذر بعواقب وخيمة على أمن البلاد والعباد ، وأحاول قدر الإمكان أخد مسافة للتأمل والتبصر، ولا أرغب في أن يكون قلمي من الأقلام التي  تصب مزيدا من الزيت على النار المشتعلة أصلا، لكن للأسف مانراه من أحداث وسلوكيات سياسية غير مسؤولة من قبل حكام البلاد تقود حتما إلى الهاوية وتدفع بالبلاد والعباد إلى المجهول.. وتدفعنا بالمقابل، إلى رفع صوت معاناة الناس والدفاع قدر الإمكان عن حقوقهم فلوكنا نملك الثروات القارونية والسلطات العمومية الواسعة التي يملكونها، لما كتبنا هذا المقال، ولكن لإخترنا توفير فرص عمل والسكن اللائق وحل مشاكل الناس بأنجع السبل أي بالمال والتنمية والعدل، وأضعف الإيمان التورع عن تعريضهم للأدى..

 وما دمنا لا نملك إلا القلم والورق، فإننا نمارس صلاحيتنا في النقد والتوجيه والنصيحة إستجابةً لقول الله تعالى : {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران : 104]…فالسكوت عن الظلم جريمة، فما يحدث لايمكن أن يرضي إنسانا عاقلا..ولا نعلم على وجه التحديد ماهي مصلحة ولاة الأمور  في دفع الأمور إلى هذا النحوالتراجيدي..

فالمغرب منذ 2011 يعيش على وقع إحتجاجات شعبية ذات طابع إجتماعي وإقتصادي بدرجة أولى ، وهي مطالب مشروعة ولا تهدد أمن البلاد أواستقرارها، بل تعبر عن قدر كبير من الحكمة والتبصر من قبل غالبية المحتجين ففي أوج إحتجاجات حراك 20 فبراير، عاش المغرب وضعا مستقرا وكانت الإحتجاجات سلمية، وبمجرد تجاوب العاهل المغربي في خطاب 9 مارس مع مطالب المحتجين تم نزع فتيل الأزمة، وإخماد إحتجاجات شعبية أدت في بلدان الإقليم  إلى إسقاط أربعة أنظمة عربية..

وإستطاعت حكمة العاهل المغربي ومرونته أنذاك، أن تخرج البلاد من عنق الزجاجة، وتكرر المشهد في الحسيمة بعد طحن محسن فكري، وبدأ حراك الريف بمطالب مشروعة أهمها القصاص من قتلة الرجل بهذه الطريقة البشعة ومحاسبة المسؤولين عن سياسة “طحن مو”، وتطور الحراك ليشمل مطالب إجتماعية إعترف العاهل المغربي مرة أخرى بشرعيتها، وأقال العديد من المسؤولين على خلفية حراك الريف، لكن بعد فترة من ضبط النفس من قبل السلطة وتعاملها بمرونة مع الإحتجاجات ، إنقلب الوضع وتم إعتقال النشطاء وضاق صدر الدولة وأجهزتها،  بإحتجاجات شعبية سلمية وحضارية في الغالب ، فكانت لغة التصعيد والعسكرة ، ولم تتمكن الدولة من طي هذا الملف إلى الآن، ولازال الوضع في الريف غير مستقر بشكل عام…بل إن  موجة الهجرة العلنية إنطلقت من المدن الساحلية بشمال المملكة، ورأينا أن بعض  نشطاء حراك الريف الذين شملهم العفوالملكي مؤخرا، قد ركبوا قوارب الموت باتجاه الضفة الأخرى ..

وبعد الريف إنفجرت موجة إحتجاجات في مناطق أخرى من المغرب منها خريبكة جرادة وقبل ذلك أحداث سيدي إفني وإكديم زاك…وهوما جعل الأوضاع تتجه بشكل متسارع   نحوالمجهول والخروج  عن السيطرة، بل إن فُرَص الإصلاح التدريجي والأمن أصبحت تتقلص بالتدريج، والسبب يعود إلى غياب الإرادة السياسية الجادة، وإلى الإزدواجية، فالخُطَب والأقوال لا تُتَرجم إلى أفعال وممارسات، فمنذ 1999 ونحن نعيش تحت متتالية من الإصلاحات ومبادرات جيدة على الورق، لكن “دار لقمان لازالت على حالها”   …

فالمغرب قبل إنفجار أحداث الربيع العربي، إستطاع أن يملك الجرأة لطي صفحة سنوات الرصاص وتم تعويض الضحايا ماديا ومعنويا، وقدمت الدولة شبه إعتذار عن الانتهاكات الجسيمة طيلة عهد الراحل الحسن الثاني، وتم الإقرار والتعهد بالقطع مع هذه الممارسات، والإلتزام باحترام حقوق الإنسان ، وهوما ترسخ في دستور 2011، لكن الممارسات طيلة 6 سنوات الأخيرة تعيد البلاد مجدادا إلى سنوات الرصاص وتمت الردة عن مسار إصلاحي كان جيدا في مطلع القرن 21…

فمن المستفيد من هذه الردة ؟ وهل   التوجه الإنتكاسي للخلف، يحقق هيبة الدولة وحماية وحدتها؟ وهل ذلك  يتم بالإعتداء على حقوق مواطنيها وفي مقدمة هذه الحقوق  الحق في الحياة والكرامة؟!، فالوطن للمغاربة ولا أحد له الفضل على البلاد اوالعباد إلا الله جل وعلا ، فالتحكم في مصائر العباد بهذا الشكل الإستبدادي والإستعلائي غير مقبول عقلا وشرعا ف” متى إستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟”…

فالذي لا يريد النظام السياس المغربي  الإعتراف به، هوأن   مسلسل الإحتجاجات هونتاج طبيعي، لفشل السياسات العمومية وضعف مخرجات التنمية، فالاختيارات السياسية والتنموية خاطئة، ولا تخدم مصالح عامة الشعب المغربي، فالتوجه العام يصب في خدمة مصالح الأقلية المحتكرة للثروة والسلطة في البلاد، والقوانين والتشريعات تصب في حماية هذه الأقلية وضمان سيطرتها، وهوالأمر الذي  يقود   إلى ما نراه من هروب جماعي نحوالمجهول ..

ويَنْضَاف إلى ذلك، سوء الإدارة وعدم كفاءة المسؤوليين العموميين وتغليب الولاء على الكفاءة وانتشار   الفساد والإستبداد وغياب أدنى شروط الحكم الرشيد من حيث المساءلة والمحاسبة والشفافية ووقف نزيف هدر المال العام..

وهوما يدفع البلاد دفعاً   نحونفس السيناريوالسوري وليبي ، ونتمنى أن يكون تحليلنا خاطئ، لكن المؤشرات التي نراها كل يوم ورد السلطات المغربية وأسلوبها التقليدي والمعارض لحقائق  الأمور وتمسكها بالحلول الأمنية واستخدام الحلول الصلبة، يقود البلاد إلى هذا السيناريوالأسود…

 ولا نريد لبلدنا ولباقي البلدان  الإندحار نحوهذا السيناريو، ولا  أعتقد أن أحدا من المغاربة يريد ذلك، لكن للأسف النظام الحاكم والعقلية والمزاج السياسي ربما يبدومن خلال ردود أفعاله على الأرض يرغب في تفجير الأوضاع، فالإستقرار النسبي في المغرب لا يفسر بفعالية السياسات العمومية، وإنما بإدراك جزء واسع من الشعب للمخاطر التي تهدد البلاد، فالمغرب غير بعيد عن خارطة الدم التي مزقت بلدانا كانت متماسكة سياسيا وإجتماعيا، لكن الفساد والإستبداد ونهب الثروات الوطنية، في ظل تفشي الحرمان الإقتصادي والإجتماعي وغياب شروط العيش الكريم لدى غالبية الناس وانسداد الأفق في وجه الشباب،  كلها عوامل تقود للهاوية…

وبنظرنا، بالرغم من سوداوية الواقع المغربي إلا أنه لازال بالإمكان تدارك الموقف، وأعتقد ان غالبية الشعب المغربي تنتظر من العاهل المغربي أن يتدخل فهوالذي يملك مفتاح الحل، ويملك قدرا واسعا من السلط التي تمكنه من تنزيل الحل وضمان تنفيذه.. لأجل ذلك فهومطالب بإحداث تغيير جدري في السياسات المتبعة من حيث الأسلوب والتنظيم..فالدولة المغربية في حاجة إلى إعادة هيكلة جذرية من الرأس إلى القاع…

فالمنهجية المتبعة في إدارة الدولة لا تنسجم مع الكلفة والتحديات الناشئة، فالمغرب لا يحتمل هذا الترف السياسي ومؤسسات ديموقراطية مزيفة: حكومة شكلية لا تملك من الأمر شيئا و برلمان بغرفتين لا دور له يذكر في ضمان السلم الإجتماعي والإستقرار السياسي، وإنتخابات شكلية يقاطعها غالبية المغاربة،  وبيروقراطية إدارية مترهلة على المستويين المركزي واللامركزي…غايتها تحقيق ريع سياسي وإغناء بعض النخب وضمان ولاءها، وأصبح نتيجة لذلك،  العمل السياسي مصدرا لتحقق المكاسب والمغانم ،  وتزداد المأساة عمقا مع إنتشار الفساد وغياب المحاسبة والمساءلة، والطامة الكبرى زواج السلطان بالتجارة والذي يشكل سبب رئيس في الخراب الذي نراه …

فخارطة الطريق تبدأ بالإدراك والتشخيص الجيد لمكامن الخلل، ثم في مرحلة موالية إعادة هندسة  المؤسسات الدستورية القائمة، والبحث عن صيغة إنتقالية جديدة، تبدأ بنظرا بلجنة تأسيسية منتخبة من عموم الشعب، تشرف على وضع دستور للبلاد، وصياغة عقد إجتماعي جديد ينسجم مع موازين القوى والتحديات الناشئة .. ووضع السلطة في يد حكومة إنقاذ وطني مشكلة من كفاءات وطنية معْتَرف بنزاهتها وبُعْدِها عن “البزنس”، تتولى الإشراف على إدارة المرحلة الإنتقالية، مع  وضع هيئة رقابة وجود للأموال المنهوبة، ومحاسبة ناهبي المال العام منذ 1956 إلى اليوم، واسترداد الثروات المنهوبة والمهربة، ومنع المشتبه فيهم من السفر خارج البلاد حتى التأكد من ذمتهم المالية، وهذا بالطبع لمن تقلدوا المناصب العمومية أوإرتبطوا بدوائرها…

أما الإستمرار في سياسات التسويق وسياسات الواجهة فلم تعد تجدي نفعا، فوضع البلاد أصبح يعرفه القاصي والداني ومواقف السلطة وقراراتها المجانبة للصواب تسهم في تأجيج الوضع أكثر، فما الغاية من طحن أوقتل شباب يبحثون عن العيش الكريم فظروفهم الإجتماعية والاقتصادية والنموذج الإستهلاكي الذي يتم الترويج له ليلا نهارا،  يدفعهم نحوالبحث عن المجهول وركوب الصعب، وبدلا من تبني تذابير عاجلة لإحياء الأمل في قلوبهم ومد يد المساعدة لهم، وخلق دورة تفاؤل وأمل بين الشباب المغربي، بإمكانية تغيير الأوضاع دون الحاجة لركوب أمواج البحر ، يتم تبني سياسات قمعية ضد الراغبين في الهجرة وضد المحتجيين… فالحل ليس في مواجهة حلم الهجرة ومقاومته بالعنف، وقمع المحتجيين وإعتقال بعضهم في غياهب السجون، ولكن بتغيير السياسات الخاطئة ومحاسبة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة ، ولما لا  إقتطاع جزءا من ثروات الأغنياء المغاربة عبر فرض الزكاة، وتوجيهها للفقراء وسد حاجياتهم في السكن والعيش الكريم وذلك ليس بالأمر المستحيل إذا توفرت الإرادة السياسية والنوايا الخيرة، وذلكم هوالمدخل الوحيد والأنجع لإنتزاع حلم الهجرة من الصدور…وحسبنا الله  ونعم الوكيل…والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون …

إعلامي وأكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني والشرق آسيوي..

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. اعتقد ان المغرب في حاجة الى تغيير جدري والتغييردائما يكون مفيدا

  2. …. صحيح من الألف إلى الياء/ أعز الله نورك للوطن المغربي ولشعوبه النابضة القلوب/ تحيتي.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here