القدس في ضمير المجهول: لعبة المفاوضات والخيانة والتفريط

labib-kamhawi.jpg44

 

د. لبيب قمحاوي

 

تعتبر قضية القدس بالنسبة للبعض أمرٌ محسومٌ لصالح اسرائيل، لافائدة من محاولة تغييره أو حتى  إضاعة الوقت في مناقشته. هذا الموقف يستند إلى عقلية الهزيمه التي تسيطرعلى البعض وتقود تفكيرهم نحو الأستسلام الكامل لواقع القوة القهري عوضاً عن رفض ذلك الواقع والنضال من أجل الحق.

المخطط الأسرائيلي للقدس  يتجاوز مفهوم السيادة  السياسية والجغرافية على القدس، وينطلق الى ماهو أخطر من ذلك بهدف تحويلها الى مدينة لليهود ولا مكان للأقامة الدائمة فيها الا لهم،وكل ما عدا ذلك بما فيه الوجود الفلسطيني العربي يعتبر، من وجهة النظر تلك، أمراً طارئاً ومؤقتاً وسائراً الى زوال ان عاجلاً أم آجلاً.

وانطلاقاً من هدا المفهوم، فإن الحديث عن أي تسوية عادلة للقدس هو أمر غير مطروح اسرائيلياً، لا للتفكير ولا للتفاوض، ويشمل ذلك كافة التيارات والمدارس السياسية والفكرية الاسرائيلية . فالقدس هي أحد القضايا التي لا يمكن حلها بالمنظور التقليدي للمفاوضات، خصوصاً وأن تلك القضايا تصب في خانة الأولويات الأستراتيجية المتناقضة بين أطراف الصراع حيناً، وتصب في خانة المحرمات التي لا تقبل التفاوض حيناً آخر. الموضوع ليس موضوع سيادة يمكن تعريفها ومناقشة أسسها واخضاعها للتفسير والتحليل. فالقدس قد وُضِعَتْ على مسار أكبر من الأطار السياسي لدولة إسرائيل تمهيداً لأن تأخذ موقعها كعاصمة لليهود ولليهودية في العالم .وهنا تكمن المعضلة لأن القدس قد أصبحت عملياً بالنسبة لليهود خارج نطاق أي مفاوضات وأي ترتيبات لوضع نهائي آخر، وأن مفاوضات الوضع النهائي في المنظور الأسرائيلي تهدف فقط الى تكريس المخطط اليهودي للقدس وتحويله من أمر واقع  بقوة الأحتلال الى أمر مشروع ومقبول فلسطينياً وعربياً وعالمياً.

وقد تتطور دولة اسرائيل في يوم من الأيام لتصبح دولة وطنية ليهود اسرائيل فقط وليس يهود العالم، وحتى لو حدث ذلك، فإن ما يتعلق بالقدس سيبقى شيئاً آخر مختلف كونه يهدف الى أخراجها من النطاق الوطني الاسرائيلي الى النطاق العالمي اليهودي من خلال جعلها عاصمة ليهود العالم واليهودية العالمية في كل زمان وليس فقط عاصمة لدولة اسرائيل .

إن هوية القدس والسيادة عليها ليست دينية ولا يجب أن تكون كذلك. وهكذا فإن تحويل القدس الى مدينة لليهود فقط يتطلب اخراج الأماكن المقدسة من الإطار السياسي وإعطاء السيادة الدينية عليها لإخرين وبما يجعل من تلك الأماكن حدثاً طارئاً في تاريخ المدينة على اعتبار أن الواقع المستمر لها في الماضي والحاضر هو واقع يهودي. وهكذا، إبتدأ التفكير الصهيوني باختراع أنماط وحلول وسيادات تجئ من خارج القدس ومن خارج فلسطين لتتعامل مع تلك الأماكن باعتبارها مزارات دينية فقط  وليس باعتبارها جزاً عضوياً من تاريج القدس وواقعها ومستقبلها . ومن هنا جاء التفكير بتوزيع الولايات الدينيه للأماكن الأسلامية والمسيحية على جهات آخرى غير فلسطينية مثل الأردن والفاتيكان لفرض فك الأرتباط السياسي والتراثي بين تلك الأماكن المقدسة والقدس.

التعامل مع الأماكن المقدسة في القدس يجب أن ينطلق إذاً من المنظور الأصلي والحقيقي بأن السيادة على القدس هي للفلسطينيين العرب، وبالتالي فإن السيادة على أي جزء من القدس ومنها الأماكن الدينية، هي بالضرورة للفلسطينيين العرب وليس لأي جهة آخرى عربية كانت أم أسلامية أم مسيحية أم دولية . والسيادة في هذه الحالة ليست سيادة دينية محصورة  بل سيادة سياسية شاملة، ولا يجوز ولا يحق لأحد أن يدَعيها لنفسه، لأن من شأن ذلك المساعدة في المس بالسياده السياسيه للفلسطينيين على القدس، وبالتالي تكريس الأدعات اليهودية و المساهمة في تهويد القدس وتحويلها الى مدينة لليهود واليهودية .

أن مثل هذا التطور يعني في واقع الأمر أن اجراءات تهويد القدس مازالت غير مكتملة، وان عملية استكمال تهويدها سوف تأخذ أشكالا وأساليب لا تخطرعلى بال، وأن بعض أساليب التهويد قد تستفيد من إجراءات وسياسات قد تنبع من داخلنا ومن رحم أمتنا ومن صنع بعضنا سواء عن جهالة أو عن لؤم ووعي، والنتيجة ستكون على اي حال واحدة، وبالاً على الفلسطينيين وخسارة للعرب والمسلمين .

 إن واقع الأمور يفترض استحالة استبدال حالة الصراع بحالة سلام حقيقي مع إسرائيل لأن متطلبات السلام لأحد الأطراف قد تشكل في حد ذاتها بذور الحرب للطرف الآخر . القدس لم تعد أحد قضايا الصراع بين الفلسطينيين واسرائيل فقط، وانما دخلت أطراف آخرى في قضية القدس. فما تتعرض له القدس على يد البعض قد يتجانس ويتناغم في خطورته مع المخططات الاسرائيلية الهادفة الى تغيير معالم القدس العمرانية والديموغرافية وهويتها الفلسطينية وبما يؤدي الى ابتلاعها الى الأبد.

ومن هذا المنطلق، فإن عملية تسهيل إستبدال هوية القدس للمواطنين الفلسطينيين العرب من سكان القدس بجواز سفرللسلطة الفلسطينيه أو اردني مع رقم وطني أو اسرائيلي أو كل هذا وذاك مقابل سحب الهوية المقدسيه اجراء يصب، ضمن إجراآت آخرى، في مخطط تحويل القدس الى مدينة لليهود من خلال تحويل أولئك الفلسطينيين من مواطنين مقدسيين يحملون الأوراق الثبوتية لذلك، الى جالية فلسطينية عربية مقيمة في القدس وذلك حسب القوانين الجائرة المتعلقة بالقدس والتي سنتها سلطات الأحتلال الاسرائيلي. هذا مع العلم أن الهدف الأسرائيلي قد لا يركز الآن على طرد سكان القدس من الفلسطينيين، وانما على ازالة صفتهم وهويتهم المقدسية وتحويلها الى هوية آخرى . أما الخطوة الثانية والمتمثلة بالطرد والغاء الحقوق، فقد تأتي في مرحلة لاحقة، عندما تكون الظروف اكثر ملائمة بالنسبة للأسرائيليين، وضمن إطار مفاوضات تهدف إلى إغلاق ملف القضية الفلسطينية وبما يرضي ويناسب اسرائيل.

ان الأطلالة العربية والأسلامية على قضية القدس كانت وما تزال إطلالة ضعيفة باهتة شكلية وإعتذارية، دون مستوى الأخطار المحيقة بالقدس . والتعامل الفلسطيني والعربي والأسلامي قد فشل حتى الآن في صياغة موقف يُرغم اسرائيل على التفكير ولو لهنيهة في مخططاتها المتعلقة بالقدس وضروة إعادة النظر في تلك المخططات . بل ان العكس مازال، حتى الآن، صحيحاً، مما دفع اسرائيل واليهودية العالمية الى التمادي في مخططاتها المتعلقة بالقدس معتمدين على أن هذه الأمة العربية، وتلك الأمة الأسلامية، لا تملك من أمرها شيئاً وأنها سوف تخضع لواقع القوة كونه الأثبت بالنتيجة من الأجترار التقليدي اللفظي للحقوق والمقدسات والمحرمات الى غير ذلك من المسميات التي يتشدق بها حكام الأمتين العربية والأسلامية، اللذين وصل بهم الأمر الى حد عدم الشعور بوجود أي خطر أو سبب يستدعي اتخاذ أي إجراء حقيقي لدعم عروبة القدس وصمود أهلها .

الموقف الأساسي الذي يتطلب تأكيداً عربياً واسلامياً مستمراً واضحاً لا لبس فيه، وملزماً لا اجتهاد فيه، هو أن القدس مدينة فلسطينية عربية، السيادة السياسية عليها ملك للشعب العربي الفلسطيني فقط. وأي نوع أو نمط آخر من السيادة بما في ذلك السيادة الدينية غير مقبول وغير معترف به، بل وقد تستعمله إسرائيل واليهودية العالمية جسراً لتنفيذ مخططاتها المتعلقة بالقدس .

إن ممارسة الفلسطينيين لحقهم السيادي يأتي طبيعياً وفي سياق الأمور في حين أن ممارسة أي نوع آخر من السيادة بواسطة جهة غير فلسطينية أمراً غير مقبول إطلاقاً وفي حال حدوثه فإن الثمن لممارسة سيادة دينية لا معنى حقيقي لها سيكون فاجعاً وهو الأعتراف بشرعية الأحتلال الأسرائيلي لمدينة القدس كون سلطة الأحتلال سوف تكون عملياً مصدر ومنبع تلك السيادة الدينية المزعومة والتي تحتاج حكماً إلى موافقة سلطات الأحتلال الأسرائيلي .

ان التعامل مع قضية القدس، كقضية وليس كمشكلة كما يحلو للبعض أن يصفها، يجب أن يتم من خلال منظور استراتيجي  واضح لا يسمح بالأنزلاق في التفاصيل الصغيرة وبما يسمح لتلك التفاصيل أن تصبح وكأنها هي القضية الأساس . وهذا نهج اسرائيلي تقليدي في التعامل مع الفلسطينيين والعرب، حيث يتم إغراقهم في التفاصيل بهدف إبعادهم عن القضايا الأساسية،خصوصاً في مفاوضات غير متكافئة كالتي تجري الآن بين الأسرائيليين والفلسطينيين وأطراف آخرى منها الأردن .

قضية القدس يجب أن لا تكون محصورة بنفق أو مسجد أو كنيسة . فالقدس قضية  سياسية، حدودها مدينة القدس بغض النظر عن مساحتها الجغرافيه أوتركيبتها السكانية . وكل خطوة تكرس الحق السياسي الفلسطيني في القدس هي خطوة هامة مهما صغرت . إن المسؤولية الفلسطينية هي في ذلك بالتحديد، وليس في الدفاع عن مسجد أو كنيسة وجعلها قضية بديلة عن قضية القدس. لا يوجد بديل عن القدس سوى القدس، واذا كانت مسؤولية الفلسطينيين تكمن في الدفاع عن السيادة السياسية على القدس، فإن مسؤولية المسلمين والمسيحيين هي في التصدي للهجمه الدينية اليهودية، والدفاع عن حقوق المسلمين والمسيحيين الدينية في القدس ولكن ضمن مفهوم واطار السيادة السياسية للفلسطينيين وليس خارجها أو بشكل منفصل عنها أو حتى موازي لها. واذا كانت السيادة السياسية للفلسطينيين على القدس هي في صلب قضية فلسطين، فإن منع تحويل القدس الى مدينة لليهود واليهودية هو في صلب قضية القدس. ان المساهمة في الدفاع عن قضية القدس يجب أن تشكل مدخلاً لابراز الأهمية السياسية والدينية للقدس ومستقبلها تحت السيادة الفلسطينية العربية، لا أن تشكل مدخلاً لأقتناصها من الداخل وتوزيع الأسلاب والغنائم بإسم الدين وعلى حساب الفلسطينيين. وعلى كل المفاوضين في كل زمان ومكان سواء أكانوا فلسطينيين أم أردنيين أم غير ذلك أن يعوا هذه الحقيقة وأن يعلموا أن أي حل يتجاوز السيادة الفلسطينية على القدس هو تصفية للقضية الفلسطينية وهو خيانة للثوابت الفلسطينية،وأنه لا يوجد أي سيادة أو ولاية دينيه لأحد على القدس سوى السياده الفلسطينية والولاية الفلسطينية. وعلى القياده الفلسطينيه أن تعلم بأن التآمر مع المطالب الأمريكيه والأسرائيليه باستبدال القدس بضواحيها مثل أبو ديس كعاصمة لأي كيان فلسطيني وتقسيم السياده عليها إلى سيادات فلسطينيه وإسرائيليه وولايات ووصايات دينيه مثل الوصايه الأردنيه على الأماكن المقدسه الأسلاميه هي خيانة للقدس وخيانة لفلسطين . لا أحد يفاوض عدوه وهو في أضعف حالاتة، والفلسطينيون سوف يكونوا في حال أفضل بتجنب الأنخراط في مفاوضات تهدف إلى انتزاع مزيد من التنازلات لصالح إسرائيل.    

 

كاتب اردني                                                                               [email protected]

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. حقيقة كل هذا نتيجة او حصاد ما يسمى ب”الربيع العربي ” للأسف هذا ما حذرنا منه الكاتب الكبير الاستاذ عبدالباري عطوان في اكثر من مرة ؛ والضعف الذي ذكره الكاتب هو فعلا نتيجة الربيع العربي بالدرجة الاولى ؛ اما الحلول المقترحة لحد الان تبتعد عن ما هو حاصل على ارض الواقع ؛ الهدف المنشود من وراء أي حل مقترح يجب ان يكون في اطار المدخلات والمخرجات ؛ فما يوجد لدينا من واقع مرير يمثل قوة اسرائيل والدعم الدولي لها في كل ما تتخذه من اجراءات للسيطرة على القدس والضعف العربي الذي ذكرناه بالمقابل لا يعطي نتائج او مخرجات باهرة او مأمولة من الشعب الفلسطيني والعربي على حد سواء.

  2. نعم اتفق في نقطة ان الفلسطينين يجب ان لا يفاوضوا والعرب في اضعف حالاتهم كما أشار الكاتب ؛ ولكن هل لدى الفلسطنيون والعرب اي ارادة ممكن فرضها حتى بالامتناع عن المفاوضات ستفرض اسرائيل على ارض الواقع كل ما تهدف لتحقيقه بالقوة كما فعلت سابقا وتفعل حاليا ؟؟؟؟ فهل الانكفاء والابتعاد عن التفاوض هو الحل ؟؟ وان كان كذلك فهل لديهم القدرة على تنفيذ ذلك الحل ؟؟ يجب ان نكون واقعيين حيث ان السياسة هي فن الممكن ؛ ويجب ان ندرس جيدا ونعي ما هو ممكن عمله فعلا ليحقق مصالحنا بدلا من الامال والاماني صعبة المنال ومستحيلة النتنفيذ .

  3. يتحدث الاستاذ قمحاوي كأن اليهود واسرائيل واقع دائم في فلسطين. وكأن دويلات الشرق واقع دائم. يا سيدي الوضع في الشرق الاوسط غير مستقر و سيبقى غير مستقر حتى تزول إسرائيل و قد يكون قيل ذلك زوال دويلات الشرق التي هي احد ضرورات وجود اسرائيل و استمرارها. الدول الكبرى في كل العالم توحدت على اساس قومي او عقائدي الا الامة العربية التي كانت موحدة ثم قسمت على اساس تخريبي ضد الطبيعة مما لا يمكن ان يستمر.

  4. The removal of any leader who dare to think about getting Jerusalem back is a must for the jews and the Americans thats why when morsi dared to say we all crave to pray in alaqsa he crossed the red line no one dared to cross before him exept yaser arafat. Mahmoud abas know his limits not only that I think he realy don’t care to get alaqsa back

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here