الفنان الأمريكي بريان كارلسون ..ريشة فنية تنتصر للشعوب ضد الإمبريالية

 

 

باريس ـ حميد عقبي:

يكرس الفنان الأمريكي بريان كارلسون، معظم وقته لرسم لوحات تفضح قبح الإمبريالية الأمريكية وما وصلت إليه من بشاعة وحشية ومادية قاسية والتي تزداد مع قدوم الرئيس ترامب، هنا الفنان يحمل الريشة كمعول ليهدم زيف الشعارات الإعلامية الكاذبة التي تسعى لتجميل الوحش وأن تصنع منه ملاكا حالما، هذا الفنان يناصر قضايا الشعوب المقهورة والتي تدمرها الأسلحة الأمريكية في حروبها العبثية التي لا تنتهي، كما أنه محبا ومناصرا لقضية الشعب الفلسطيني ومن المعارضين للحرب في اليمن حيث يعتبر ما يتعرض له الشعب اليمني من تجويع وقتل ودمار يعد وصمة عار في جبين البشرية.

يناصر بريان كل قضية إنسانية ويرسم وجوه الذين يعتبرهم أبطالا يحملون مشاعل التنوير والمقاومة، كما يتفنن في السخرية من ترامب، حيث يعتبره كارثة لا أخلاقية تشوه أمريكا، يؤمن بريان في أحقية الشعوب بالعيش في سلام دون أن نتدخل لنشعل الخلافات ونطورها إلى حروب قذرة تهدف لسلبها ثرواتها وبيعها أسلحة الموت والتدمير.

من خلال نقاشاتي المتعددة معه منذ تعرفي إليه ودعمه لي في تأسيس المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح، فيمكنني أن أجتهد لمحاولة التعريف برؤية الفنان الأمريكي بريان كارلسون، وندعوكم لتأمل لوحته البديعة عن الحرب اليمنية ومعانأة الشعب اليمني، فاللوحة لمرأة تحتضن طفلها المصاب بالهزال، يرى بريان أن الفن هو الذي يشعر بألم الإنسان أينما كان، وما يرسمه ليس للبيع بالمزادات الفخمة ليقتنيها التجار والمشاهير ويعلوقونها على جدرانهم، ما يرسمه هذا الفنان يتحول لشعارات إحتجاجية يشارك بها في المظاهرات والوقفات المنادية بالعدالة والسلام والمساواة والرافضة للعنصرية والمادية ومشاريع تخريب البشرية.

بريان رسم بورتريهات لعهد التميمي ونشطاء وناشطات مدافعات عن الحقوق، كما رسم إلهان عمر ورشيدة طليب النائبتين بالكونجرس الأمريكي وكذلك وجوه نشطاء في أمريكا اللأتينية وأفريقيا، في رسمه لهؤلاء يضفي الفنان جماليات خاصة معتبرا أن الفن يجب أن يقدرهم ويكرمهم، كما أنه يرسم دعاة الحروب والدمار بأسلوبه التهكمي الخاص وما تنتجه أفعالهم من ألم وترجيديا بشرية.

في هذه اللوحة عن التراجيديا اليمنية المستمرة منذ ست سنوات حلت بهذا الشعب المنسي كوارث صادمة، تحصد الأبرياء وتشردهم ويموت طفل يمني كل عشر دقائق بسبب الجوع، هنا في هذه اللوحة لا نرى وجه الأم ولا الطفل، ترعبنا سيقان الطفل الهزيلة وتلخص الكثير من الألم الذي يشعر به كل طفل جائع ومريض، بريشتها يحاول بريان أن يذيب جليد القسوة في أنفسنا وأن نشعر برعشة هذا الطفل، بخفقات قلبه، بعينيه الغائرتين وهو يصاب بالإغمى للحظات ثم يستيقظ ليرى أن ما حوله من رعب يزداد شراسة ووحشية ولا يأبه أحد لألمه.

الأم بلباسها الذي يغطي جسدها ووجها تمثل الأرض، هذه الأرض صاحبة الحضارات العريقة التي تتفاخر بعض الشعوب بانتسابها إليها، ها هي اليوم معرضة للحرق والتدمير وهي تلوم أبنائها الذين يتصارعون ويتحاربون من أجل الغير، بريان يخاطب الضمير الإنساني ويوجه رسالة لمواطنيه حيث يريدهم أن يحسوا أنهم شركاء في صناعة هذا الواقع المرعب وما تحصده الأسلحة الأمريكية من أرواح بريئة ويدعوهم أن يتظاهروا ضد هذه السياسة المدمرة، هو لا يريدهم فقط أن يلعنوا هذه الحروب فقط بل أيضا أن يلعنوا صناع وتجار الحروب وساستهم ورئيسهم.

يظهر ساعد الطفل كأنه يشير إلينا أن نشعر بجوعه، يبدو أنه يرضع من أمه الجائعة، يظهر جزء من وجهها، تبدو وجهة نظرها نحو طفلها المتعب، تجلس القرفصاء وسط فوضى الدمار المرعب، هنا للون الأسود قوته البديعة لرسم ترجيديا يصعب وصفها في خطب وكلام يمكن أن يقال، كأننا في فضاء عاصفت به شياطين الدمار وهزمت آلهة الحب والسلام، كأن فناننا يسأل هل نحتاج إلى  آلهة تكره الموت والحروب والتدمير أم أننا بحاجة إلى بشر يشعرون ببعضهم البعض؟ ببشر يؤمنون أن الحياة موحشة ومرعبة بوجود حروب عبثية وغبية، ببشر لا يتاجرون بأسلحة تقتل الضعفاء وتوجعهم؟

سنلاحظ لون الشال على ظهر الأم وكأنه يوحي أننا مع أمرأة شابة وجميلة أي أن الحرب لم تسلب هذا الأرض كل جمالها، كون جمالها فيه من العراقة والحضارة والإنسانية مما يجعلها تتمتع بشباب إنساني بهيج، كأنها دعوة إلى أبنائها أن يتركوا الإحتراب والقتال ويحتفوا بها وبالحياة والحب والسلام، تتعدد الخطابات الوجدانية والإدانات للقبح والموت والحرب ونحن لسنا مع خطابات سياسية جافة ولكننا مع فن إنساني فيه من المشاعر والأحاسيس الموجهة لأي إنسان، من خلال هذه اللوحة يوثق هذا الفنان تراجيديا مؤلمة لعل الضمير الإنساني يستيقظ ولعل الشعب يٌحسّ بها ويسعى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من طفولة وحياة.  

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here