الفرق شاسع بين النقد البنّاء وبين جَلْد الذات

جميلة شحادة

تساءل الكاتب والصحفي الفلسطيني، الدكتور أكرم عطاالله  في مقالةٍ نُشرت له في  جريدة نيويورك تايمز، “ماذا لو كل العرب اختفوا جميعا”؟ وماذا لو أفاق العالم فجأة واكتشف أننا لم نعُد موجودين؟ 

ولم يكتفِ الدكتور عطاالله بأن يتساءل فقط؛ بل راح أيضا يعطي الإجابات عن تساؤلاته مُطَعِّما إياها بالأمثلة ليزيدَ من قناعاتنا، نحن العرب، بأَن وجودنا؛ عدمٌ في هذا العالم. حيث جزم، بأن العالم لن يخشى خسارة  أي شيء إذا ما اختفى العرب. فلن ينقطع الإنترنت، ولن تتوقف الأقمار الصناعية، ولا مصانع السيارات … كما أنه  لن يتوقف أي شيء في حياة المواطن الياباني، ولن يفتقد المواطن الأوروبي أي شيء، ولن يخشى الماليزي أو التركي أو الأميركي مِن تعطل حياته اليومية؛ فليس لنا نحن العرب أي دور في الإنتاج الحضاري ولا المعرفي ولا العلمي ولا الصناعي ولا الإنتاج المادي ولا الاكتشافات أو الاختراعات، على حد تعبير كاتب المقال. والآن؛ وحتى إن وافقنا على بعض ما جاء  في المقال من ذكرٍ لبعض عيوب العرب، ألا يحِق لنا أن نسأل دكتورنا الفاضل،  لماذا هذا الجزم في الطرح؟ ولماذا هذا التعميم في الحكم ؟ ولماذا كل هذا الجلد للذات؟

يتضح لقارئ هذه المقالة بعين ناقدة،  بأنها مقالة كشفت في معظم ما جاء فيها عن عملية جلد للذات. ومعروف؛ أن عملية جلد الذات الناجمة في بعض الأحيان عن الشعور بالذنب؛ هي عملية هدّامة لا تؤدي عادة  الى النتائج المرجوَّة منها. بل على العكس تماما، قد تؤدي الى عدم الثقة بالذات، والى كرهها ونبذها وإنكارها، وبالتالي الى فشلها أو حتى تحطيمها؛ ولا أظن أن أحدا منا يرغب بذلك. إذن؛ لعله من الأجدر والأنفع لنا، أن نتَّبع أسلوب التقييم بهدف التقويم، لا جلد الذات الذي لا طائل منه، ويكون ذلك، عن طريق النقد البناء. فالنقد البناء هو عملية ضرورية، بواسطتها نستطيع أن نكشف عن مواطن ضعفنا وعن مكامن قوتنا، ومن ثمة تُبنى الخطط وتوضع الإستراتيجيات للتغيير نحو الأفضل؛ وهذا بالطبع إذا توفر المناخ الذي يتيح حرية  الرأي وحرية التعبير.

لا أحد منا ينكر أن الدول العربية  اليوم متخلفة علميا وتكنولوجيا عن الدول الأوروبية وأمريكا واليابان وغيرها من دول صناعية ؛ ويعود ذلك  للعديد من الأسباب لا مجال لذكرها هنا؛ كما أنه لن يُجدينا نفعا كنس قمامتنا ووضعها تحت السجادة؛ لكن في نفس الوقت، يجب أن لا نتجاهل أمورا ايجابية يمتلكها العرب؛ والحديث هنا عن الحاضر وليس عن الماضي، حتى لا يُفهم بأننا نُجيد التغنّي في الماضي والبكاء على الأطلال فقط، كما يحلو للبعض أن يصفنا.  إن العرب يملكون الطاقات، وبالطبع هم لا يفتقرون الى الأدمغة الفذة والعقول النيِّرة والذكاء الحاد؛ ودليل على ذلك  تفوُّق أبنائنا العرب في مجال العلوم والتكنولوجيا والطب والإقتصاد… عندما يجود عليهم حظهم بفرصة التعليم والعمل في بلاد الإغتراب؛ كأمريكا أو إحدى الدول الأوروبية؛ بل نجد أيضا في الدول العربية، ناجحين ومبدعين في العديد من المجالات: مجال الصحافة، والأدب، والفن… وليس صحيحا أن العرب لم ينتجوا سوى الكلام والأغاني الوطنية الكاذبة والهابطة فقط، كما جاء في مقالة الدكتور عطاالله؛  بل قدَّموا فناً راقيا، وأدبا جيدا، وفِكرا لا يُستهان به؛ وهذا ليس عيبا لنعيب العرب عليه وندَّعي بأن العرب لم يقدموا أي خدمة للعالم سوى الكلام… كما جاء في المقال.

أما عن الخدمة الأخرى التي قدمها العرب للعالم، وهي صور القتل في الصحف ونشرات الأخبار كما كتب الدكتور عطاالله في مقاله؛ فلا بد أن الكثيرين يعرفون أن هذه الخدمة، هي مدفوعة الأجر على يدي تلك الدول، والتي نسميها “بالعظمى”؛ حيث دفعت هذه الدول ثمن هذه الخدمة سلاحا فتاكا،  قتل به العرب بعضهم البعض لصالح غيرهم. وهنا، لا حاجة لأي عربي لأن يقف على مسافة في أية عاصمة غربية خارج وطنه، كما أوصى كاتب المقال، ليراقب خيط الدم من ليبيا حتى العراق مروراً بمصر وسورية واليمن والصومال وما بينهما، لأن العرب يعيشون مأساتهم الدامية كل لحظة، ويموتون هربا من شبحها كل يوم.  ثم؛ تجدر الإشارة، الى أن صور القتل والدماء هذه، ليست مقتصرة على العرب وبلادهم فحسب، إذ علَّمنا التاريخُ دروسا كثيرة عن أوروبا الدامية ومجازرها في حق الإنسانية.

وأخيرا وليس آخرا، ليس خفيا على أحد بأننا، نحن العرب، نعيش اليوم الحروبات القاسية ، والانقسامات اللعينة، وأوضاعنا الإقتصادية والإجتماعية  صعبة، وأن حجم العقبات التي تعترض طريق الإنسان العربي كبير، وكبير جدا؛ الأمر الذي حال بينه وبين تحقيق أحلامه وطموحاته. إذن إذا أراد أحدُ، أي أحد، أن يلوم على العرب حالهم، فلْيَلُم حكامهم وأنظمة الحكم في بلادهم وتحالفها مع مصالح غير مصالح العرب وبلادهم.

كاتبة وشاعرة فلسطينية// الناصرة

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. ان جاز لنا التعليق توضيحا وان خالفتك الرأي حول وصم شر أعمال خفافيش الظلام ممن اتاحت لهم منابر الصحافة الغربيه صهوتها ؟؟؟ولا أقل من” السم الزعاف ” لاوبل أشد وطاءة من فعل ومخططات اعداء الأمه العربيه ؟؟؟ وكسر العظم اهون من كسر الإراده ؟؟؟ وما سمهم الزعاف إلا من باب كسر الإراده العربيه وليس من باب النقد وفق تعليمات من استعملوهم “مدولرين”؟؟؟؟؟؟ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟”وجعلنا على قلوبهم أكنه أن يفقههوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا ادبارهم نفورا” صدق الله العظيم

  2. أعتقد أنه عندما يفقد الشخص بصره وبصيرته وأطرافه السفلى والعليا ؛ فلن تشتكي “النظارة” من قلة من يلبسها ؛ ولا المساجد من قلة روادها ؛ ولا القرآن من فلة متدبريه ولا الساحات من قلة من يرتادها ولا الأرض من قلة من يمشي عليها ؛ ولا السماء من قلة من تضلله ؛ وتستمر الحياة بكل مآسيها وملهاتها
    “بسم الله الرحمن الرحيم ؛ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) ” صدق الله العظيم

  3. ملخص قول الكاتب : أن العرب في حالة تحقق فرضيته الأثيرة في الإختفاء الكامل والمفاجي للعرب، فإن العالم لن يتأثر قيد أنملة كمايقال! كما أن العرب ليس لهم مايقدمونه إلا مشاهد الدم والقتل والخراب ! والسؤال الآن ؟ ما أهمية هذا الكلام، وماهي قيمته في ميزان الفكر والتحليل ؟ وماهي الإضافة المعرفية أو المنهجية التي يقدمها ؟ وما الفائدة في أن يحمل شخص ما صفة كاتب عربي، إذا كان لايستطيع أن يقدم إلا هذه الخزعبلات ، ويتخلى عن قوميته ومصير أمته في اللحظات الصعبة، أو في مواجهة التحديات الحاسمة، وردا على هذا الكاتب المتخصص في جلد ذاته وشخصيته بالذات، لأن ماقاله لن يؤثر أبدا في المؤمنين بالغد العربي الأفضل، ردا على تمنياته وإساءاته لقومه العرب، أقول : لنفترض أن العرب لم يقدموا شيئا ، ولنفترض أنهم يجمعون كل مساوئ العالم ، ولكن مع ذلك، فالعالم كله اليوم يتمحور حول العرب وبلاد العرب، يكفي أن يُصغي المرء إلى مختلف الفضائيات ليرى مدى الهوس بالعرب وبلاد العرب، فكل مخططات الدول العظمى ومشاريعها ومستقبلها له علاقة بالعرب بكيفية أو أخرى، والآت العربي لن يكون كالحاضر الراهن، وهذا ليس تنيؤا بل معاينات تستند إلى حقائق التاريخ وقواعد الإجتماع ، فإذا كان العرب لايساوون شيئا كما يدعي الكاتب ، فلماذا كل هذه الحروب ، ضد العراق وسوريا والمقاومة ..اللبنانية …إلخ ولماذا الحرص الدائم على قتل العلماء العرب….بكلمة واحدة أفكار الكاتب لاقيمة لها في ميزان المعرفة الحقة بتاريخ ومسار الحضارات الإنسانية، والحق أقول: أن هذا الكاتب لو إختفىفجأة فإن الواقع والمستقبل العربي لن يتأثر أبدا ، لأن جزء من العدمية واليأس والقنوط القاتل يكون قد إختفى….وفي الأخير لايفوتني أن أعرب عن تقديري للكاتبة والشاعرة جميلة شحادة على ردها على الكاتب والصحفي أكرم عطاء الله……

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here