الفتنة الطائفية – هل يُبررها تعدد المذاهب؟

د. رميز نظمي

فى هذا الشهر الفضيل، شهر رمضان المبارك، على الأمة أن تستوعب قول الرسول (ص): ” لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، و لن تؤمنوا حتى تحابوا”. غني عن البيان أنَّ الأمة العربية الإسلامية تعاني من مشكلات جمة، لعل أسوأها تمادي الشحن الطائفي و العنصري، شحناً يغذيه أعداء الأمة، الأجانب و المحليين، الذين يعتبرون وحدتها و نزاهتها تهددان مصالحهم و جشعهم.. المؤمنون الأتقياء أسمى من أن يبتدعوا الكراهية، و لكن الساسة الفاسقين، الأذلاء منهم و المرتزقة، لا يجدون حرجاً من خلق الفتن و العداء بين أبناء الأمة الواحدة خدمة لأطماعهم البائسة. يدرك هؤلاء الساسة الفتِّانون أن أنجع وسيلة للمحافظة على مواقعهم هو نشر السموم المُموّهة بغلاف مذهبي؛ و بذلك يغشون العوام بأنهم يعملون على إعلاء شأن طائفتهم! صدق المفكر الذي قال: “ويل لأمة تكثر فيها المذاهب و الطوائف، و تخلو من الدين”.

يتواجد الفتّانون على طرفي الشحن الطائفي، تكفيريون و شتامون، كلاهما يلفق خرافات و أساطير و تفاسير ما نزل الله بها من سلطان. ينبشون جروحاً، و ينكأون قروحاً، و يختلقون خزعبلات حدثت قبل 1400 سنة، ليس لها حالياً أى جدوى أو نفع، إذ يستحيل إرجاع الزمن إلى الوراء. مجريات حصلت قبل عشر سنوات يصعب الآن الاتفاق على وصفها بدقة، فكيف الحال لأمور أكل الدهر عليها و شرب؟ التشبث العقيم و الهوس بروايات حدثت أو لم تحدث قبل مئات السنين لا تعني “أن الأموات أحياء، بل إن الأحياء أموات”!.

أدى الاستقطاب الطائفي إلى توجه سياسي عند البعض يفتقد الموضوعية و العقلانية؛ فمثلا حزب واحد في قطرين، لهما عموماً نفس الأهداف و يتبنيان مبدأ “الحزب القائد” و يستخدمان القمع لإحكام قبضتهما، و على رغم هذا التشابه في مسلكيهما، إلا أن البعض أيده في البلد الأول، و لكن عاداه في البلد الثاني، و البعض الآخر العكس بالعكس؛ تفسير هذا التناقض العجيب يكمن في الانتساب الطائفي المختلف لزعيمي شقي الحزب، فهكذا سقط الوعي السياسي عند البعض في الأمة: بات التأييد و العداء لأي حزب أو تيار لا يستند على المبادئ والممارسات بل على الانتماء المفترض لقياداته!. و قد حذّر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) من خطر الاهتداء بالأشخاص على حساب المبادئ و المعتقدات عندما قال: “يعُرف الرجال بالحق  ولا يُعرف الحق بالرجال”، فلا وجود للكهنوت في الإسلام.

زوراً و بهتاناً، يدعي الفتانون التكفيريون أنهم سلفيون، و السلف الصالح براء منهم، و يدعى الفتانون الشتامون أنهم أتباع آل البيت، و آل البيت براء منهم. إن الفكر التكفيري، العاكس لبيئة أصوله القاحلة، أنتج زمراً تدعي الإيمان النقي، و لكنهم فعلياً يناقضون شعائر الإسلام الحنيف من ورع و رحمة و مخافة الله.. وسيلتهم للوصول إلى مبتغاهم هو الإرهاب و الدمار و إراقة شلالات من الدماء؛ يسبون و يذبحون الأبرياء  و العُزّل، و يفجرون المساجد و الكنائس و مراقد الأولياء حسب هواهم الأهوج، ينطبق عليهم قول النبي (صلى الله عليه و سلم): “أقوام تكون وجوههم وجوه الآدميين، و قلوبهم قلوب الشياطين، أمثال الذئاب الضواري، ليس في قلوبهم شىء من الرحمة، سفاكون للدماء لا يرعوون (يحجمون) عن قبيح..

الطرف الآخر من الفتانين ينعتون الخلفاء الراشدين الثلاثة الأوائل أبا بكر الصديق و عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان (رضى الله عنهم)، و المعاذ بالله، من البغاة، و لا تسلم من ألسنتهم البذيئة حتى زوجات الرسول الطاهرات. و يتمادى هؤلاء الغلاة في غيهم باختلاق فتاوى عوجاء، كالادعاء أن في زيارة كربلاء ثواب أكبر من أداء فريضة الحج إلى مكة المكرمة. ثار الحسين (عليه السلام)، سيد شباب أهل الجنة، ضد الفساد و البغاة و ليس من أجل أن يزار مثواه، و إقامة الطقوس حوله. إن أرادت الأمة حقاً أن تنتصر للحسين و للأئمة الكرام، فعليها لطم الفاسدين و طبر رؤوس الباغين. و قد دحض الفقيه الدكتور أحمد الوائلي، عميد المنبر الحسيني، الافتراء القائل بوجود عداء ما بين الإمام علي (عليه السلام) و الخلفاء الراشدين الثلاثة الأوائل، إذ صّرح: “الخلفاء الراشدون من الصحابة الكرام، و عندما وصلوا إلى تسنم ذروة الخلافة، بايعهم الإمام علي و اندمج في المصلحة العامة للمسلمين، و أرسل أبناءه للجهاد و القتال مع جيوش المسلمين. نظرية الإمام علي واضحة بأنه هو أحق بالخلافة، و لكن ليس معنى ذلك أن من تخلف (أصبح خليفة)، لا يطيعه الإمام و لا يقف إلى جانبه في دعم الإسلام. قال الإمام: ‘ لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين ‘، و لما رأى أن الأمور تسير في طريق تحقيق كلمة الله – عز وجل – وقف الإمام موقفاً إيجابياً في دعم المسيرة الإسلامية. نحن (الشيعة الإمامية الأثنى عشرية)   و إن كنا نرى أن الإمام علي أولى بالخلافة، ليس معنى ذلك أننا لا نقدر للخلفاء مكانتهم، نحن نحترمهم و نقدرلهم إنجازاتهم و نسير وفق ما أرشد إليه إمامنا الإمام علي بن أبى طالب في هذا الباب”. و جلّ رجال الدين الشيعة النجباء، و منهم الشهيدان الصدريان، شاركوا السيد الوائلي في دحضه للراويات الفتنوية المعارضة للدراية الرشيدة.

يتعمد الفتانون خلط الأوراق و تعميم الاتهام، فيصف الطرف الأول كل من يخالفهم الرأى بالروافض          و الصفويين،  و الطرف الآخر ينعت كل معارضيه بالنواصب و الأمويين، و بدأت هذه الألفاظ ينتشر استعمالها، فإن كان مُرددوها لا يدرون مغزاها فتلك مصيبة، و إن كانوا يدرون فالمصيبة أعظم. من الواضح أن الفتانين، من كلا الجانبين، يسعون إلى جر الاختلاف المذهبي إلى طلاق ديني، يؤدي إلى تفسخ الأمة،     و بذلك يحققون ما يصبو إليه الأعداء الذين يعتبرون الإسلام سرطاناً يجب استئصاله. نعم، يهدف الفتانون إلى إرجاع الأمة إلى العصر الجاهلي، حيث كانت الأمة ممزقة، متحاربة، متخلفة، الوثنية عبادتها، و الخرافات دينها، و العصبية مسارها، و الهجاء عقيدتها، و الجهل علمها و الوأد عادتها.

و قد أصاب الباحث الذي وصف الفتنة و الاقتتال الشيعي / السني بأنه “انتحار إسلامي جماعي”.. لعل من أهم الدروس التاريخية التي يجب أخذ العبرة منها هي الحروب الدموية التي جرت بين الدولتين الجارتين المسلمتين: الدولة العثمانية “السنية” و الدولة الفارسية (الصفوية، و الزندية، و القاجارية) “الشيعية” خلال أربعة قرون من السادس عشر إلى التاسع عشر .. أدت هذه الحروب إلى استنزاف كليهما كلياً، و مهدت الطريق إلى احتلالهما من قبل القوى الاستعمارية الأوروبية .. يالها من حماقة أن يفضل قادة هاتين الدولتين المسلمتين التعاون مع قوى أجنبية، و الاشتباك مع بعضهما في حروب عبثية دمرت كليهما، على أن يتعاضدا من أجل مصلحتهما المشتركة لإنشاء تحالف بارّ و متين في وجه القوى الخارجية الطامعة.. لم يؤد سلاطين  و ملوك هاتين الدولتين المسلمتين، على مدى السنين، فريضة الحج، فهذا يبين تقيدهم الهش بتعاليم الإسلام.. لو كانوا فعلاً ملتزمين بدينهم لما تحاربوا و تقاتلوا و أهدروا دماء شعوبهم و أذلوا الأمة. و أعاد التاريخ نفسه بنشوب الحرب الإيرانية/ العراقية في ثمانينات القرن الماضى، استشهد فيها مئات الألوف من خيرة شباب الجارتين، و أهدرت فيها مليارات الدولارات، حرب سعى الآثمون، و هم كثر، لإستمرارها 8 سنوات طوال، و تآمروا لإستغلال تداعياتها بخلق سلسلة من الكوارث اهلكت العراق: حرب الكويت، و الحصار الإجرامى، و الإحتلال الغاشم.

المذاهب الإسلامية و آل البيت

توجد في الدين الإسلامي خمسة مدارس فقهية رئيسية : الجعفرية، و الحنيفية، و المالكية، و الشافعية،         و الحنبلية .. ينتمي الفقه الجعفري الإمامي الاثنا عشري إلى المذاهب الشيعية، بينما تنتمي المدارس الفقهية الأربع الأخرى إلى المذاهب السنية. يزعم الفتانون التكفيريون أن المنتمين إلى الفقه الشيعي الجعفري الإمامي الاثنى عشري هم ضالون دينياً، إنه، و بدون أى جدال، ادعاء باطل و جائر، يعكس بهتان الفكر التكفيري     و ظلاميته، فالفقه الجعفري، شأنه شأن المذاهب الرئيسية الأربعة الأخرى، من أجلّ المذاهب الإسلامية. فكما أكده قطعياً في ستينات القرن الماضي، محمود شلتوت، شيخ الأزهر الشريف: “أن مذهب الجعفرية، المعروف بمذهب الإمامية الاثنى عشرية، مذهب يجوز التعبد به كسائر مذاهب أهل السنة. فينبغى للمسلمين أن يعرفوا ذلك ..” صدرت فتوى شلتوت في عهد جمال عبد الناصر، الذي منذ أكثر من نصف قرن، بحسه الوحدوي أدرك مخاطر التناحر الطائفي، إذ قال:” إنّ هناك معركة واحدة .. و هي معركة الأمة العربية ضد العنصرية الصهيونية المؤيدة بقوى الاستعمار .. نحن ضد أى صراع شخصي أو طائفي أو فكري، لا يكون من شأنه أن يضيف إلى المعركة و إنما يأخذ منها”. و في عام 2006، عززعلي جمعة، مفتي الديار المصرية، فتوى شلتوت، و صرّح بأن الأزهر الشريف يعترف بالمذهبين الشيعيين: الجعفري والزيدي.

و في هذا الصدد، لا بد من الإشارة أيضاً إلى الدور التوحيدي الذي أداه السيد حسين البروجردي، الذي كان خلال النصف الأول من القرن الماضى أهم مرجع للشيعة الإمامية الاثنى عشرية، و الذي تتلمذ عنده الكثير من الرموز الشيعية، مثل شريعتمداري و منتظري و الخميني و خامئني و السيستاني. سعى البروجردي مع مجموعة من كبار الشخصيات الإسلامية،  من مختلف المذاهب، إلى توحيد صفوف المسلمين، و توّجت جهودهم عام 1947 بتأسيس دار التقريب بين المذاهب في القاهرة. و عندما حاولت الحكومة الإيرانية استبدال الحروف العربية باللاتينية، كما فعلت تركيا، تدخل بقوة و منع حدوث ذلك. و اتخذ البروجردي مواقف حازمة ضد الغلوّعند بعض الشيعة، و شدد على نبذ التعصب المذهبي، و حث أتباعه على دراسة فقه المدارس السنية، و كان يتفادى طرح مسألة الأحقية في الخلافة، إذ كان يرى أنه أمرلا جدوى من مناقشته،   و لا يوجد داع  لإثارة النزاع حوله، و قال:” ما الفائدة للمسلمين اليوم أن نطرح مسألة من هو الخليفة الأول؟ إنما المفيد لحال المسلمين اليوم أن نعرف المصادر التي يجب أن نأخذ منها أحكام ديننا”.. مرض البروجردي في أواخر حياته و دخل في غيبوبة، وعندما أفاق  كانت أول الكلمات التي نطقها هي يجب التقريب بين المسلمين.. شلتوت و البروجردي يزودان الأمة بوميض من النور يدلّها على حبل الله الذي يجب الاعتصام به.

أما الفتانون الشتامون فيدّعون أن الشيعة هم فقط من يوالون آل بيت، إنه كذلك، و بدون أي شك، ادعاء باطل و جائر، فكل مؤسسي المذاهب السنية الأربعة الرئيسية بجّلوا آل البيت. أبو حنيفة النعمان، الإمام الرائد مؤسس المذهب الحنفي،  تجلى  تبجيله لآل البيت في دعمه لثورة زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ضد الأمويين، و كذلك في تأييده لثورة محمد النفس الزكية، حفيد الحسن بن علي بن أبى طالب، ضد العباسيين.. و يقال إن أبا حنيفة قد درس الفقه مع الإمامين محمد الباقر و جعفر الصادق (عليهما السلام). و قد عرض عليه الأمويون منصب قاضي الكوفة، إلا أنه رفضه مما أدى إلى حبسه و جلده، و في العصر العباسي عرض عليه أبو جعفر المنصور منصب قاضي القضاة، غير أن النعمان أبى أن يقبله، فسجنه المنصور، و تم تعذيبه حتى صعدت روحه إلى بارئها، و هو في السبعين من عمره. تمسك أبو حنيفة بمبادئه و انتصاره لأئمة آل البيت أدى إلى اصطفائه السجن و التعذيب و الموت على مسرات الدنيا            و مناصبها؛ و بذلك قد تنطبق عليه الآية الكريمة ” مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا”.

أما مالك بن أنس، مؤسس المذهب المالكي، فكان أيضاً صارماً في تأييده لآل البيت، و شأنه شأن النعمان، انتصر لمحمد النفس الذكية، مما نتج عنه اعتقاله و تعذيبه من قبل العباسيين حتى كاد أن يفقده حياته.. و قد وصف مالك الإمام جعفر الصادق الذي تتلمذ معه :” ما رأت عين، و لا سمعت أذن، و لا خطر على قلب بشر، أفضل من جعفر الصادق فضلاً وعلماً و عبادة و ورعاً”. و حُسن علاقتهما جعلتهما يؤديان فريضة الحج معاً، و قال مالك: “كنت أدخل إلى الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) فيقدم لى مخدة و يعرف لى قدراً، و يقول: يا مالك إنى أحبك، فكنت أسر بذلك و أحمد الله عليه”

و لم يكن محمد بن إدريس الشافعي، مؤسس المذهب الشافعي، أقل ضلوعاً من أبي حنيفة و مالك في حبه لآل البيت، فهو الذي قال: “إن كان رفضاً حب آل محمد، فليشهد الثقلان أنى رافضي” (الرافضة من رفض خلافة أبي بكر و عمر و عثمان، و الثقلان هما الإنس و الجن).. و عن شهادة الحسين أّلّف قصيدة جاء فيها “فمن مُبلغ عنى الحسين رسالة، وإن كرهتها أنفس و قلوب، لئن كان ذنبي حب آل محمد، فذلك ذنب لست عنه أتوب”. و من أروع قصائده الوحدوية، ثلاثة أبيات جاء فيها: “إن نحن فضلنا علياً فإننا، روافض بالتفضيل عند ذوي الجهل، و فضل أبي بكر إذا ما ذكرته،  رُميت بنصب عند ذكري للفضل، فلا زلت ذا رفض        و نصب كلاهما، بحبيهما حتى أوسد في الرمل”( الناصبة هم من نصب العداء لآل البيت).. و عندما كان قاضياً في اليمن، أثناء الدولة العباسية، اتهم الشافعي بدعمه لثوار مؤيدين لآل البيت ضد حكم هارون الرشيد، فأمر الرشيد باعتقاله و جلبه إلى بغداد مكبلا بالأغلال، و كاد أن يقطع الرشيد عنقه لولا شفاعة القاضي محمد بن الحسن الشيباني، أحد تلاميذ النعمان.

أما أحمد بن حنبل، مؤسس المذهب الحنبلي، فقد عرف عنه أيضاً حُبّهُ لآل البيت، فهو الذي قال:”ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه و آله، من الفضائل ما جاء لعلي”. و ذكر أيضاً “من لم يثُبّت الإمامة لعلي، فهو أضل من حمار أهله”، و قال كذلك “إن الخلافة لم تزين علياً، بل علي زينها” و “إن عليا أول من ابتلى في هذه الأمة بقتال أهل البغي” و عبّر عن رفع مكانة آل البيت عنده بأن سمى ولديه التوأمين بالحسن   و الحسين و بنته زينب تيمناً بأولاد علي .. و خصص في كتابه الكبير “المسند” أجزاء مهمة عن أهل البيت  و فضائلهم.

يتجلى من أعلاه، أن تدليس الفتانين الشتامين من أن الأمة منشطرة إلى قسمين: إمّا أتباع علي و الحسين و آل البيت أو أتباع معاوية و يزيد و الأمويين، و أن خصامهم مع أهل السنة هو امتداد لموقعة كربلاء، هو كذب رخيص و هتر خبيث للحقيقة .. و الجدير ذكره أيضاً أن صحابة كثيرين امتنعوا عن بيعة يزيد، منهم عبد الله بن الزبير؛ وعبد الله هو حفيد أبي بكر الصديق من ابنته أسماء، وأحد الذين شاركوا الحسن و الحسين (عليهما السلام) في الدفاع عن عثمان بن عفان.. بعد موت يزيد، امتنعت جل الأمة عن مبايعة بنى أمية، وطواعية بايعت عبد الله بن الزبير كخليفة عليها، أتت بيعته من مكة و المدينة و الكوفة و البصرة و مدن خراسان و مصر و معظم بلاد الشام ماعدا أجزاء منها بقيت موالية لبني أمية.. و يُذكر أن عبد الله بن الزبير عندما بلغه نبأ استشهاد الحسين، أجهش بالبكاء و ألقى خطبة في المسجد الحرام لعن فيها يزيد و الأمويين.. شقيق عبد الله هو مصعب بن الزبير،  والي العراق أثناء خلافة عبد الله؛ زوجته سكينة حفيدة علي، و كانت برفقة والدها الحسين في موقعة كربلاء، و سُبيت إلى يزيد بن معاوية بعد استشهاد الحسين. بعد تسع سنوات من خلافة عبد الله بن الزبير، تمكن الأمويون بدهائهم و أموالهم من استرجاع قواهم، و بعث حاكمهم الجديد،عبد الملك بن مروان، جيشاً كبيرا بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي، إلى مكة مقر الزبير، فاقتحمها بعد أن حاصرها و ضربها بالمنجنيق، و قتل عبد الله بن الزبير و قطع رأسه. لم يقتصر عداء عبد الملك بن مروان على آل البيت و صحابة كرام بل شمل أيضاً عمر بن الخطاب، فقد أصدر عبد الملك أمراً رسمياً منع بمقتضاه خُطاب الجوامع و المنابر من ذكر عمر و مآثره.

أن جلّ فقهاء المذاهب الإسلامية النجباء يبجلون آل البيت و يكرمون الخلفاء الراشدين… مما لا شك فيه، أن جذور الفتنة الطائفية نابعة من بيئة سياسية آثمة عفنة لا تمت للدين الحنيف بأى صلة .. و من استقراء مسيرة التاريخ و تطور الأمم. يجب على الأمة العربية الإسلامية، إن كانت جادة فى تحقيق طموحها لاستعادة عزتها و كرامتها، أن تنبذ كل مظاهر الطائفية. الإسلام ليس فقط دين التوحيد، بل هو أيضاً دين الوحدة، ” و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم”، “و اعتصموا بحبل الله جميعاً و لا تفرّقوا” .. إلا أن هذا لا يعني السعي إلى اندماج المذاهب الإسلامية في بعضها. إن الاختلاف المذهبى هو ظاهرة صحية، تدل على عمق الفقه الإسلامي و نشاطية وعيه و ثراء تراثه، و لكن ما ليس صحياً هو التنازع و الانشقاق .. لا يعيب أتباع أي مذهب أن يمتدحوا مذهبهم، و لكن من العار أن يُسقّطوا المذاهب الأخرى؛ فكما قال الشافعى ” رأيي صَوابٌ يَحتَمِلُ الخَطأ، و رأيُ غَيري خَطأ يَحتَمِلُ الصَّوابَ”. قال الرسول (ص): “سينصب حول العرش منابر من نور، عليها أناس وجوههم نور، و لباسهم نور، ليسوا بأنبياء و لا شهداء، قيل: من هم يا رسول الله؟، قال: المتحابون فى الله”… للأمة خياران لا ثالث لهما: أما أن تتناصر و تنهض، و أما أن تتنافر و تسقط.

Print Friendly, PDF & Email

8 تعليقات

  1. هى مشاغبات تاريخيه ولا علاقة لها بالدين من قريب أو بعيد. أما إذا كانت لها علاقة فهى اديان أرضية لها رسلها و كتبها و لذا يكثر الخلاف بينهما ليصل ما عليه نحن. تحياتي

  2. لو أن البترية صف واحد ما بين المشرق إلى المغرب ما أعز الله بهم دينا

    تأثر الكاتب الدكتور بالعلامة الوائلي وعلي الوردي واضح في هذا المقال الذي جاء معبئاً بالأماني والمثاليات البعيدة عن الواقع على الأرض في مجتمعاتنا آلتي تعدد فيها الملل والنحل

  3. لأول مرة اقراء مقال يتناول موضوع ديني و لا أستطيع ان اعرف طائفة الكاتب، ان دل هذا على شيء فانه يدل على وحدوية الكاتب و على نزاهة فكره، اذ انه يمارس عملياً ما يدعو اليه. نحمد الله انه لا يزال هنالك مفكرين عرب من أمثال الدكتور رمزي الذين لهم من الموضوعية و الفكر النير ما يمكنهم من مجابهة و دحض السونامي الطائفي الذي يتعرض له العالم العربي و الإسلامي. ان كان للمسؤولين العرب أي شعور بالمسؤولية تجاه مستقبل اوطانهم و شعوبهم فعليهم ان يتبنوا فحوى هذا المقال الثمين و يلتزموا بمضمونه النافع البناء، “فإما الزبد فيذهب جفاء و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض” صدق الله العظيم.

  4. كل ما ذكر في هذا المقال عن تاريخنا الأسود والمشين والشنيع والمخجل لا يعدو كونه القليل القليل من الكثير الكثير والذي ندعو الله أن لا يكتب له الظهور أبداً ومافينا يكفينا وشهد شاهد منّا وفينا فقال يا أمة ضحكت من جهلها الأمم !!!.

  5. كلام مستوى الأخلاق والجودة ولكن يأستاذ وعفوا إن خرجت بكلامي عن الخط المسموح مالذي يطمحون العراقيين إليه وخاصة الشيعة وتعرفت عن بعض منهم ودرست معهم لغة بلد الغربة وبعد إحتلالهم والقضاء عن النظام البعثي الديكتاتوري فيه هل تحقيق العدل والمساواة والديموقراطية (مصطلح معروف بالغرب) أم لحد الأن أمور السياسة فيه أسواء من عهد صدام وقبله والتشابه بالقتل والتعارض الأمويين لأهل البيت و طقوس وعادات لديهم بما يسمى اللطم والتطبير فى أرض كربلاء مقام زيارة الحسين أو مسجد أو زاوية من أجل الإنتقام له أو الإستغفار والتوبة ما فعلوه أجداد وعوائل و من لهم نسب إليهم أم أمور جنونية وشيطانية وتأجيج فتن وكره لأخر؟ سوريا وقيادة فيهم منتمين لأهل البيت الرسول ولكن ممكن غالبية شعبه سنة ومالذي منع إنهيار نظام فيه ومن إيران حتى وحزب الله البطل والشجاع والروس بينما كان ممكن بالعراق ذالك وأكثر خراب وتدمير وسفك الدماء فيه بالمقارنة مع الأول والصمت حتى في قول كلمة الحق في الغزاة والمتأمرين والمساندين في إنهيار وإنهاؤوه وحتى العرب الخرفان.

  6. شكراً جزيلا على هذا المقال الذي يسرد حقائق التاريخ الاسلام ويبدد الفتنه القائمة بين المسلمين
    الفتنه التي تضعف المسلمين ما هي الا مخطط أعداء الاسلام في سياسة فرق تسد للسيطرة على مقدرات الأمة بغير حق
    في الوقت الراهن فريقان يتزعمان الفتن بين المسلمين بدعم من الخارج المعادي
    الوهابية من المذهب السني
    الشيرازية من المذهب الشيعي
    قنوات فضائية تشعل الفتن سب وتكفير وما شابه ذالك
    الفتانون وجهان لعملة واحد
    عملة أعداء الاسلام

  7. لقد أحسن الاستاذ رميز بل و ابدع في كشف الحقيقة الناصعة للمذاهب الاسلامية الخمسة التي اثبت التاريخ انها كانت مكملة بعضها للبعض الاخر، وانها جميعا محبة لآل البيت و معتزة بالتعاون والتعاضد فيما بينها. ان محاولات بث الفتنة عن طريق التفريق الطائفي كان الأسلوب الأنجح في تمزيق الأمة الاسلامية منذ زمن الاقتتال بين الدولتين الصفوية والعثمانية والذي أدى في النهاية لانهيارهما معا. واليوم تحاول الدول الاستعمارية اثارة هذه الفتنة مرة ثانية، ومع الاسف فلقد نجحت هذه المحاولات ليس لانها ذكية، ولكن لان هناك من أبناء الأمة الاسلامي، سواء عن قصد او عن سذاجة في الترويج لهذه الفتنة.

  8. دعك من التفاصيل: منذ اكثر من مئتي عام كان هناك مستشرقون يجولون البلاد طولا وعرضا ويتعرفون على كل الطوائف والمذاهب والقوميات والفوارق واسسوا غزوهم للمنطقة بالاستفادة من هذه الفوارق . منذ أن نشأت المذاهب لم نسمع أن اقتتل جعفري مع حنبلي أو شافعي … فلماذا الان يقتتلون؟ ولمصلحة من؟ ومن المستفيد؟. في بعض الدول لا يوجد سنة وشيعة فتم لعب ورقة القومية كما حدث مع الاتراك والعرب والكرد والاتراك ….الخ. وفي بعض الدول لا يوجد فروقات مذهبية أو عرقية فاستعملوا ورقة الاقليمية في نفس البلد أو الورقة القبلية. انها لعبة سياسية قذرة وعلينا عدم الانجرار ورائها ويبقى أجمل ما في بلادنا هو التعدد والتنوع الذي يجب أن نحرص على بقائه ليصبغ هذه البلاد بالوانها الزاهية.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here