سورية: الفاسدون والمفسدون كانوا وما زالوا أكبر مؤامرة على بلدنا

د. عبد الحميد فجر سلوم

أولا : لا يخفى أن الشعب السوري يعيش ظروفا معيشية خانقة.. فالدولار تجاوز الألف ليرة بكثير ونحن في أواسط الشهر الأول من العام 2020 ، وباتت الأسعار أعلى بأضعاف مُضاعفة من مقدرة الناس الشرائية حتى لأبسط الضروريات.. الكل يشكو من الغلاء والحاجة لغاز الطهو، وندرة المازوت، وتقنين الكهرباء القاسي الذي لم يحصل في عز أيام الحرب، ما عدا الأثرياء وأهل السُلطة والمناصب فلديهم المولدات كبديل حينما تنقطع الكهرباء، وأعتقد أنهم لن ينقطعوا من الغاز، ولن يبردوا هُم وأولادهم ..

ثانيا: لا يكفي السوريين هذه الحالة البائسة، وإنما (البعض) ينعتونهم بالخيانة والعمالة، ويهددونهم ويشتمونهمٍ، لأنهم يشكون تدهور أحوالهم المعيشية.. أو أن شكواهم تخدم أعداء الوطن المتربصون، وكأن هناك أعداء للوطن أكثر من الفاسدين والمفسدين وسارقي لقمة العيش.. ممن ساءت أياديهم، أو عقولهم..

نصيحتي لهؤلاء: يجب التوقف عن لغة التخوين، بحق حتى من يشكو من شدة الفقر وضيق الحال، أو التهديد ( يعني فوق الموتة عصّة القبر) .. هذا غير مقبول، ومن يعتقد أن لديه جينات وطنية أكثر من غيره فعليه أن يرينا نتيجة التحاليل الجينية وكم هي لديه نسبة الجينات الوطنية لنرى إن كانت أعلى مما هي عند الآخرين.. عليه أن يقنعنا أن ما يمتلكه من أملاك منقولة وغير منقولة قد جمعها بشرف ونزاهة وليس بشتى طرق الفساد واستغلال السُلطة أو النفوذ، أو ليس من خلال المحاباة والمحسوبيات.. عليه أن يؤكد لنا أنه يعاني مما يعاني منه عموم الناس العاديين أو الفقراء والمساكين والمُستضعفين بالوطن.. أي ليس في بيته غاز ولا مازوت وليس عنده سوى راتبه، ويعيش على حافة الجوع مع أفراد أسرته، ويعاني من البرد.. ولا توجد مولّدة كهرباء تعوضهُ عن انقطاع التيار.. ولا سيارة تحفظ كرامته ولا ينتظر طويلا في عز البرد ليأتي الميكرو.. الخ.

ثالثا: الطفل الذي يشكو من الجوع أو البرد هذا لا يعي بعدْ إن كانت هناك دولة عدوة اسمها إسرائيل، ولا دولة ظالمة اسمها الولايات المتحدة، حتى نتهمه بالعمالة .. هذا مُضحِك.. والأب الذي يرى أطفاله أمامه وهو عاجز عن إطعامهم وتدفئتهم، هذا لا يُلام مهما علتْ صرخته.. وهذا يُحرِّضه لِرفع الصوت، أطفاله ومَعِداتهم الفارغة، وشيئا من داخل أحشائه، وليس  أحدا من خارِجها..

رابعا: إلقاء اللوم دوما على الخارج بكل شيء، أو على المؤامرة، هذا غير صحيح.. المؤامرة تتحملُ قِسما، ولكن القسم الأكبر يتحمله الفاسدون في البلد على مدى عقود طويلة، ممن شغلوا، سابقا ولاحقا، مراكز المسؤولية، ومواقع قيادية مهمة في شتى قطاعات الدولة، مدنية وغيرها.. أو ممن هُم متنفذون بِحُكم وجود أقارب لهم في السُلطة.. والبرهان على ذلك ما جاء في مذكرات نائب الرئيس السابق ” فاروق الشرع” وعنوانها ” الرواية المفقودة” ، حيث قال في الصفحة 42 حرفيا: أنه حينما كان يتمُّ التعرُّض للفساد، كان الرئيس يقول : ( أن القيادة السابقة على الرغم من حماقة بعض أعضائها ويساريتهم الطفولية، أكثر نظافة من القيادة التي جاءت بعد الحركة التصحيحية) .. إذا هذا كلام فاروق الشرع في مذكراته، نقلا عن الرئيس المرحوم حافظ الأسد.. يعني الفساد قديم، ولكنه ازداد في سنوات الحرب.. يعني أن الفاسدون كانوا هم من يتربعون على مراكز الدولة ومواقعها القيادية، في هذا القطاع أو ذاك، منذ زمن.. ويمنحون شهادات بالوطنية للآخرين، وللأشراف!.

خامسا: بما أنني ابن البعث منذ العام الدراسي 1968 ــ 1969 ، فقد عايشتُ الدولة، وحالة الفساد، ولاحظتُ أنها كانت تزداد توازيا مع زيادة إضعاف دور المؤسسة الحزبية لصالح المؤسسات الأخرى.. وهذا رأيي الشخصي وقابل للنقاش..

فإنْ كان الفساد تعدِّيا على عموم أبناء الشعب، وتجويعهم وإفقارهم، واستباحة ثرواتهم ووطنهم، وتأجيج المشاعر على الدولة، ونشر الظلم والقهر والبغضاء والعداوات، وتعطيل القانون، وسيادة شريعة الغاب.. الخ، فمعناها أن الفاسدين كانوا أدوات المؤامرة وليس غيرهم.. مَن هُم؟. أعتقد معروفون وملفاتهم موجودة ولكن لن يتم فتحها إلا  إن تجاوز واحدهم الخط الأحمر وأعلنَ موقفا مغايرا..

سادسا: لم تكن هناك في أي وقت مشكلة مع أي مسؤول فاسد طالما هو مع الحُكم.. المشكلة كانت فقط مع من يُخالف.. وأكبر دليل أن أحد كبار المسؤولين، وكبار الفاسدين هو وأولادهُ ، لم يتحاسبوا قيد شعرة على فسادهم الذي كنا نتحدث عنه في الاجتماعات الحزبية.. وبقي نائب رئيس حتى عام 2005 وخرج من البلد مُعزّزا مُكرّما، ليقيم في باريس، وهناك أعلن انشقاقه، وحينها فقط فتحوا كل ملفاته وشرشحوه.. وهذا لم يكن مسموحا به إطلاقا لولا أنه أعلن الانشقاق.. ماذا يعني ذلك؟. إنه ببساطة يعني أن المشكلة ليست في أن تكون فاسدا ولصا وسارقا ومهربا ومستوردا حتى للنفايات النووية، المشكلة أن تكون ضد الحُكم.. هذا ما شجّع على الفساد.. فالجميع أتقن اللعبة: إرفعْ يافطة الولاء ومن خلفها مارسْ كل أشكال الفساد، فاليافطة تغفر لك..

 سابعا: كفى هروبا للأمام وإلقاء اللوم دوما على الخارج وكأن البلد كان فيها ملائكة على مدى حوالي نصف قرن ولم تكن مزرعة لأهل السُلطة( في كل الميادين وليس ميدان واحد) وسادت فيها كل أشكال الفساد المالي والإداري والقانوني والأخلاقي والسياسي) .. دون أن يكون هناك تصميما حقيقيا لمكافحة الفساد، والكل كان يسكت عن الكل لأن الكل كانوا مستفيدين.. وكما قال الفنان دريد لحام: مين بدو يحاسب مين؟..

 ثامنا: كل هذه السنين والناس صابرة حتى على فقدان فلذات أكبادها، وعلى فقرها، ولكن حينما تتدهور الأوضاع إلى حدود الجوع، فحينها تنتهي حدود الصبر.. وإن صبرَ الكبار فكيف سيصبر الصغار والعجائز والمرضى!. الجوع خط أحمر.. إنه كافر!. الإمام عليٍّ (كرّم الله وجهه) قال لو كان الفقر رجُلا لقتلته!.. هذا عن الفقر، فكيف لو وصل لحدود الجوع والحرمان!.

 تاسعا: هناك أشخاصا يعتقدون أن عموم الناس(أطفالا) ويمنحون أنفسهم الحق في توجيه التعليمات، بل والأوامر، لهم، وعلى الآخرين فقط الالتزام والتطبيق، وتسكير أفواههم..

إنهم يعتقدون أن الوطن جزءا من ممتلكاتهم الخاصة، وحقهم التصرف به كما يشاؤون، ولا يرون في عموم أبناء الوطن، من الضعفاء والمغلوب على أمرهم، سوى عبيدا مُستورَدين من الخارج عبر مكاتب استقدام وتشغيل الخادمات الأجنبيات، وعليهم فقط الانصياع لأوامر أسيادهم وسيداتهم، وأن يقبلوا بما يرمونه لهم، ليس من بقايا فُتات موائدهم العامرة، وإنما من بقايا (مؤ ..  ) ..

عاشرا: حان الوقت على أصحاب هذه العقول أن يُدرِكوا أن البشر ليسوا (مانيكانات) أي أشكالا بلاستيكية مُلبَّسة ثيابا ومعروضة بواجهات المحلات.. وليسوا دريئات( أي لوحات يتعلم عليها المتدربون أصول الرمي) . هذا التفكير بحد ذاته هو شكل من أشكال الاستفزاز..

البشر هم البشر، لديهم أحاسيس ومشاعر وعواطف وانفعالات وطموحات ولديهم كرامات كما أي مسؤول في العالم، ويجب أن تُحترَم..

 حادي عشر: ما عرفناه من خلال التجربة الطويلة مع مسؤولي بلدنا(مع استثناءات بالطبع) أنهم يتعاملون مع الناس بعنجهية، وكأن الناس بلا كرامة.. تشعر أن بعضهم حاقدون على البشر، ولو استطاع هذا البعض أن يقطع الهواء عن بقية البشر لفعل ذلك، وأبقى الهواء لأولاده وعائلته وأقاربه فقط..  لا تستغربوا هذا الكلام، فقد جسّده بأسوأ معانيه سفيرا لعشر سنوات في الجزائر، وقبلها وزيرا، وكان من أزلام الفاسد الذي غادر إلى باريس ومن هناك أعلن انشقاقه عن الدولة..  كما جسّده سفيرا لعشر سنوات في ألمانيا ثم معاون وزير، وكان يتلذذ بمهانة الناس وإلحاق الضرر بها.. كما أي سادي.. وما أن وقعتْ الواقعة في البلد حتى حمل نفسه وغادرهُ إلى حيث استثماراته وأمواله خارج الوطن..

ثاني عشر : لقد عشتُ في نيجيريا، في وسط غرب أفريقيا، واحتكَّيتُ مع شعوب أفريقية متعددة، وخاصة بالبُلدان القريبة من نيجيريا التي كنتُ مُعتمدا فيها كممثل غير مقيم لِبلادي، كما توغو، وبِنين، وغانا، وبوركينا فاسو، والكاميرون، ولم المس هناك مثل هذه العقول الهمجية المتخلفة والكيدية، التي تعبر عن نفسها بنفسها في بلادي..

ثالث عشر : كل ما أشرتُ إليهم آنفا، هم عناوين لمصائب بلدنا، إما بسوءات أياديهم، وإما بمساوئ عقولهم..

وهؤلاء هم من كانوا يُهمِّشون وبشكل ممنهج كل جريء وشريف، من داخل الحزب ومن خارجه، يرفع الصوت عاليا ويقول كلمة حق في وجه الفساد والأغلاط والتجاوزات والمحسوبيات، لأن أصواتهم لم تكُن مقبولة في ظل نهج الفساد السائد، ويأتون بِمن يُجسِّدون اللوحة الصينية السريالية: ما شفتْ، وما حكيتْ ، وما سمعتْ ..

أحدهم ما زال على رأس عمله وقد حوّل المؤسسة إلى مزرعة لا يحكمها معيار سوى المزاجية والمحسوبية والكيدية، أفرغ المؤسسة من خيرة كوادرها وخبراتها، هكذا: كيدا، كيدا، كيدا.. ثم وقف يقول: عندنا نقص كوادر..

فكفى اختباء خلف الأصابع وتحميل المسؤولية دوما للخارج.. وكل المحبة لسورية..

كاتب سوري ووزير مفوض دبلوماسي سابق

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. المشكلة أن هناك من لا يفرقون بين البعث واعضائه الشرفاء المغلوب على أمرهم وبين من اختطفوا الحزب وامتطوا صهوة السُلطة باسمه واساءوا له بفسادهم ولصوصيتهم ولم يكن بيد قواعد الحزب أي حيلة لمحاسبتهم ومعاقبتهم. . مبادئ الحزب جيدة ولكن قياداته كانت سسئة وخاصة بعد عام السبعين .

  2. الفساد موجود في كل مكان لكن في سوريا هو الأساس الذي بنية المجتمع المدني عليها و هذا من فضل و انجاز الحزب البعث العربي الاشتراكي و انقلبه على جميع مؤسسات الدولة في 1968 و خصوصا في 1970 تم تصفيات الدولة السورية المدنية و نقلها إلى الدولة المخابرات و الفساد

  3. الحقيقة المرة هكذا حال كل الدول العربية، شعوب متخلفة في فهم حقوقها وواجباتها المدنية.
    وكنتيجة حكومات الفرد الشمولي المطلق. والدول تكون حسب الرقي الإنساني من ثقافة ومعرفة للشعوب في كل مضمار.
    الامم العربية فاشلة شعوبا وحكومات في بنيان الاستقلال الحقيقي والاعتماد على الذات للتنمية الإنسانية.
    لذلك وجب وضع الشعوب العربية تحت الانتداب بإشراف المنظمة الأممية الدولية.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here