الغوطة وعفرين: تفاهمات إيران وتركيا في سوريا

عمر الردّاد

يطرح التزامن في “تحرير ” مدينتي الغوطة من قبل روسيا والجيش السوري ومليشيات إيرانية، وعفرين من قبل الجيش التركي بالتعاون مع “الجيش السوري الحر” جملة  من التساؤلات ، تشير إلى أنه تم إنجاز صفقة ، ترتقي إلى درجة التأكيد، وليس مجرد شكوك، مضمونها عفرين مقابل الغوطة.

 الصفقة عكست بلا شك حجم الضعف العربي في المشهد السوري، رغم أحاديث عن محاولات  لادوار قطرية وسعودية ومصرية حول حصار وقصف الغوطة ، إلا أن الواضح أنها كانت محاولات محدودة، اصطدمت بأدوار ومواقف الأطراف الأكثر فاعلية في المشهد السوري ، وتحديدا روسيا  وتركيا وإيران إلى جانب أمريكا، التي يبدو أنها في إطار براغماتية تعزز مساحة الشكوك المتداولة حول إمكانية تخليها عن الأكراد ،وإذا كان لكل من أمريكا وروسيا فهم مشترك عنوانه المعلن مكافحة الإرهاب، واختلاف تكتيكات هذه المكافحة،مع تقارب في وجهات نظر الطرفين تجاه شكل ومضمون سوريا الجديدة،في إطار القطبية الدولية الجديدة بالنسبة لروسيا، وإعادة إنتاج سوريا ،بما يضمن خروجها مما يسمى حلف الممانعة العربي والإسلامي، واحتواء التهديد لحلفاء أمريكا وفي مقدمتهم إسرائيل  ،إلا أن القضية بالنسبة لإيران وتركيا مختلفة، إذ أن إستراتيجيتهما تجاه سوريا ، محكومة بمطامع الدور الإقليمي الذي يتطلع الطرفان للعبه في المنطقة، وما يلفت النظر أن القاسم المشترك في هذه الإستراتيجية هو التغيير في الخارطة الديموغرافية لسوريا، لفرض وقائع جديدة ،ستكون نتائجها في خدمة تطلعات تركيا وإيران، في إطار تفاهمات “التواطؤ المشترك ” لتحديد مناطق النفوذ، على غرار التفاهمات الأمريكية الروسية ، و” تقسيم ” سوريا عمليا بين شرق وغرب الفرات، والتعامل عسكريا مع اية تجاوزات روسية وإيرانية وقوات النظام السوري في شرق الفرات، كما جرى قبل اشهر في دير الزور.

التهجير المتبادل للمواطنين السوريين، والتغيير الديموغرافي في الغوطة وعفرين، هو عنوان الصفقة ،إضافة للأهداف الأخرى، إذ بدت المعارك في المدينتين تركية وإيرانية، ففي الوقت الذي يتم فيه تهجير سكان الغوطة(السنة) عدو إيران ، تم تهجير سكان عفرين(الأكراد) عدو تركيا ،فتركيا تحقق انتصارا على الأكراد في عفرين ، في إطار إستراتيجيتها الهادفة للتعامل مع الملف السوري ، بالحيلولة دون قيام كيان كردي في شمال سوريا ، لأسباب مرتبطة بالأمن القومي التركي، فيما تدرك إيران أن بقاء الفصائل الإسلامية، وخاصة جبهة النصرة وفيلق الرحمن وجيش الإسلام، في الغوطة يشكل  تهديدا لمخططاتها بضمان دمشق آمنة، وهو ما استثمرته بمساومة تركيا المستعدة للتفاهم مع ” الشيطان” في سبيل إفشال الطموح الكردي ليس بالاستقلال فقط، بل حتى في كونفدرالية، ضمن الدولة السورية ، من هنا كان تراجع القوات الموالية للنظام السوري في الانضمام للأكراد، ضد الجيش التركي في عفرين، فيما مارست تركيا ضغوطا على فصائل المعارضة الإسلامية في الغوطة للقبول بوقف القصف مقابل التهجير إلى إدلب، ولم يعترض النظام السوري على رفع العلم التركي فوق عفرين، رغم الحديث عن السيادة الوطنية، وأنه لا يسمح بدخول أية قوات أجنبية إلا بموافقة الحكومة السورية.

ومع ذلك ،فإن تقييم الصفقة يؤكد أن تركيا هي الطرف الأكثر خسارة في هذه الصفقة ، إذ أكدت مجددا تعاونها الوثيق مع داعش والقاعدة ، وهذا الملف عاجلا أم آجلا سيتم فتحه من قبل أمريكا وروسيا والدول الغربية باتجاهات لن تكون في صالح تركيا ، كما أنها طرحت شكوكا عميقة خاصة لدى السوريين بمصداقية الشعارات التركية بدعم المعارضة السورية وخاصة الإسلامية ،وأنها فقط لخدمة أهداف تركية ، كما أن شعارات تركيا بقيادة العالم السني والدفاع عن المسلمين أصبحت عرضة للتدقيق والفحص ، بعد قبول حرق سكان الغوطة مقابل الاستحواذ على عفرين، وبموازاة ذلك فإن الصفقة جاءت على المقاسات الإيرانية، اذ تشترك مع تركيا في هدف إفشال الطموح الكردي بالاستقلال والحكم الذاتي،وحققت هدفها بإخراج سكان الغوطة من منازلهم،والعمل على إحلال “شيعة “مكانهم ، وهو ما سيظهر خلال الأيام المقبلة، في الغوطة وبقية المناطق التي تم خلالها إنجاز صفقات تهجير إلى إدلب، خلال الأعوام السابقة ، رغم إعلانات الحكومة السورية بإعادة السكان إلى منازلهم، بعد القضاء على الإرهابيين .

 إن الأهم في هذه الصفقة أنها كانت العنوان الأكثر مصداقية ، في كشف حقيقة الأهداف التركية والإيرانية ، وكيف يتم تلك تحقيق تلك الأهداف بأيدي السوريين ، نظاما ومعارضة ، والتصورات الإيرانية والتركية لشكل ومضمون سوريا  “المفيدة والجديدة” ، هذه أل ” سوريا” التي أصبح مؤكدا أنها لن تعود إلى ما قبل عام 2011،  بما في ذلك احتمالات أن لا يبقى التراب الوطني السوري موحدا.

كاتب ،وباحث بالأمن الاستراتيجي.

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. السلام عليكم
    مع كل احتراماتي لأكن هذا التحليل لا يتقبله العقل

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here