العلاقات الهندية الأمريكية بين الاملاءات الامريكية والتحديات الاقليمية

د. وائل عواد

حّل وزير الخارجية الأمريكي مايكل بومبيو ضيفا”على  العاصمة الهندية نيودلهي بكل ثقله للتباحث مع القادة والمسؤولين الهنود حول  العلاقات الثنائية بين البلدين وقضايا اقليمية وعالمية ذات اهتمام مشترك وذلك قبيل قمة العشرين المتوقع عقدها في اليابان .تزامنت هذه الزيارة مع احداث ساخنة تعصف بالمنطقة من جهة ،الازمة بين الولايات المتحدة وإيران وتداعيات ذلك على الأمن القومي الهندي ، المباحثات الامريكية مع حركة طالبان، العلاقات التجارية والتوترات بعد حذف الهند من دول الأفضلية التجارية مع الولايات المتحدة وفرض تعريفات جمركية على حزمة من المنتجات من كلا الطرفين، محاربة ظاهرة الإرهاب والتعاون الأمني ، التعاون العسكري ، شراكة الهند –باسيفيك ،صفقة اس-400 مع روسيا التي تعارضها واشنطن ،ملف حقوق الإنسان والحريات الدينية في الهند و النفوذ الصيني المتنامي في المنطقة .

شهدت العلاقات الهندية الامريكية ازدهارا” ملحوظا” منذ اوائل التسعينات بعد ان فتحت الهند اقتصادها للعالم الخارجي وبدأت  البضائع الأمريكية تتدفق إلى الهند .وابرمت واشنطن العديد من الصفقات العسكرية لتصبح  نيودلهي الدولة الاولى في استيراد الأسلحة الأمريكية .وعزز الجانبان التعاون العسكري والاستراتيجي بينهما وفتح الجانبان  حوارا” استراتيجيا” للارتقاء بهذه العلاقات إلى مستواها المطلوب .تدريجيا” بدأت الهند تميل إلى المعسكر الأمريكي الذي يهدف إلى  تحجيم دور التنين الصيني المتنامي في المنطقة وإن كانت نيودلهي تنفي ذلك وتؤكد ان قرارها مستقل براغماتي وعلاقاتها مع دول العالم  تستند على حاجياتها الاقتصادية والعسكرية .

مودي  2

تعد هذه الزيارة الاولى لمسؤول أمريكي رفيع المستوى بعد إعادة انتخاب رئيس الوزراء ناريندرا مودي دورة انتخابية ثانية بأغلبية عظمى وسلّم حقيبة وزارة الخارجية التكنوقراطي د.سوبرامانيام سوامي الذي عمل سفيرا” لبلاده في واشنطن وبكين وتربطه علاقات حميمة مع العديد من المسؤولين في البيت الأبيض. ويعتبره البعض من عرّاب التقارب الاستراتيجي بين الهند والولايات المتحدة .حيث عمل في عهد حزب المؤتمر سفيرا” لبلاده في واشنطن ومن ثم وكيل لوزارة الخارجية مع حكومة مودي الاولى وشارك في ابرام العديد من الاتفاقيات مع واشنطن بما فيها الاتفاق النووي للتعاون السلمي بعد أن تحولت الهند نوويا” عام 1998.

اللاءات الأمريكية

يرى العديد من المراقبين أن السياسة  الخارجية للولايات المتحدة في ظل الرئيس دونالد ترامب لم تعد سياسة قابلة النقاش حتى مع الحلفاء ولكنها إملاءات والخدمة أمريكا أولا” .

1-    لا للنفط الإيراني : فقد أوقفت الهند استيرادها للنفط الايراني منذ الثاني من مايو ايار الماضي بعد ان كانت تستورد 11% من حاجياتها النفطية من هناك.

2-    لا لصفقة اس -400: مازالت الولايات المتحدة تعارض شراء الهند لمنظومة الصواريخ الروسية التي وقعت عليها العام الماضي وتقدر بحوالي 5 مليار دولار أمريكي وهددت واشنطن  بفرض عقوبات في حال مضت نيودلهي بالصفقة . وإذا مضت الهند بالصفقة فمن المتوقع ان يكون لها  تداعيات سلبية حول الحوار الهندي –الباسيفيكي.

3-    لا لنقل التكنولوجيا العسكرية المتطورة .

4-    لا لاستخدام تكنولوجيا ج5 من الصين: بعد الصراع مع الشركة الصينية العملاقة

الاملاءات

1-    نعم لشراء النفط الامريكي من زيت الصخر

2-    نعم لإبرام صفقات عسكرية وشراء معدات امريكية

3-    نعم لشراء مفاعلات نووية هندية والحد من قدرات الهند النووية.

يعد اللقاء بين وزيري خارجية البلدين في نيودلهي تحضيرا” للقمة المقبلة بين زعيمي البلدين على هامش قمة دول العشرين في أوساكا باليابان .ولذا فالحديث ركّز على العلاقات الثنائية والإرهاب عبر الحدود والمستجدات على الساحة الاقليمية  في أفغانستان و إيران . أما فيما يتعلق بقضايا تأشيرات الدخول للهنود للهند والتعاون في مجال تكنولوجيا المعلومات والتواصل بين شعبي البلدين فإن وزير الخارجية  بومبيو أشار إليها في كلمة ألقاها خلال الزيارة . سياسيا”,من المعروف أن نيودلهي تعارض فتح حوار مع حركة طالبان في أفغانستان وواشنطن تحاول إقناع نيودلهي بفتح حوار وإرسال قوات إلى هناك لكن نيودلهي مازالت تعارض .واستمع  الجانب الأمريكي جيدا” للموقف الهندي تجاه الازمة مع طهران والمخاوف من اندلاع حرب في منطقة الخليج الأمر الذي سوف يهدد مصالح الهند القومية وأمن الطاقة ويشكل خطرا” على الجالية الهندية في المنطقة والتي تقدر بحوالي 7 مليون شخص .وبالتالي التأكيد على الحل السلمي للخلافات الامريكية مع إيران .

مما لا شك فيه أن رئيس الوزراء ناريندرا مودي في دورته الانتخابية الثانية يختلف عن السابقة بعد ان حصل على أغلبية الأصوات في البرلمان وعزّز من قبضته على السلطة في البلاد. ولذلك فإن المسؤولين في البيت الأبيض سوف يأخذون بعين الاعتبار مواقفه وتطلعاته خصوصا” وان  الولايات المتحدة  تتجه للانتخابات العام المقبل .ولن تتوقع واشنطن الحصول على الكثير من التنازلات من الجانب الهندي أو الانصياع للاملاءات الامريكية في تعاملها مع حلفائها التقليديين لأن ما هو جيد للولايات المتحدة قد يضر بمصالح الهند القومية خصوصا” وان واشنطن لم تف بوعودها بنقل التكنولوجيا العسكرية  للهند . وربما تكون قد استجابت للتهديدات الأمريكية واوقفت استيرادها النفط الايراني إرضاء واشنطن ولكن ماهو البديل للنفط الإيراني لكي تحقق الهند أمن الطاقة وتلبي حاجياتها بأسعار مقبولة وعقود مغرية ؟قد تكون الهند قد وقعت على اتفاقيات للتعاون الأمني واللوجستي والعسكري ولكن ما هي المغريات الامريكية لتصبح الهند  حليفا” قويا” قادرا” على مواجهة التحديات الإقليمية؟

على أية حال، تسعى واشنطن لتضييق الخلافات مع نيودلهي لموقعها الاستراتيجي ورغبتها في الاستفادة من الأجواء الهندية والدعم اللوجستي والعسكري في المستقبل وإبقائها ضمن المعسكر الأمريكي وهذا ما أكده بومبيو بالقول إن الخلافات متوقعة بين الأصدقاء الكبار .وبالنسبة للهند لا يمكن لها ان تبقى رهينة السياسة الأمريكية القصيرة الرؤية تجاه حلفائها التقليديين روسيا وإيران وتبحث عن مصلحتها القومية والحفاظ على علاقات وثيقة مع واشنطن بأقل الخسائر باعتبار أن واشنطن  لن تكون الضامن لأمنها على المدى الطويل.

قمة العشرين مشكلة والمسبب واحد

يتوجه قادة دول ج20 نهاية الأسبوع لعقد القمة في أوساكا في اليابان وسط خلافات حادة بين الدول الأعضاء وستشهد هذه القمة نقاشات حادة ولقاءات ثنائية بين زعماء دول العالم الأعضاء لحل الخلافات العالقة والتوصل إلى تفاهمات وتقارب في وجهات النظر .

واشنطن مسّلحة برئيسها ترامب وأمريكا أولا”، أحرجت جميع الحلفاء ووسعت الخلافات والحرب الاقتصادية والتجارية  مع الجميع  ولن يكون بمقدور واشنطن الحصول على كل ما تريده دون الاخذ بعين الاعتبار مصالح الدول الاخرى. لم تعد سياسة التهويل والوعيد تجدي نفعا” مع دول ذات شأن على المسارح الدولية ولا يمكن لواشنطن تجاهلها .

محاور الثلاثيات ستكون الأبرز والتي سوف يكون لها تداعياتها على مستقبل الأمن والاستقرار في منطقة آسيا باسيفيك مثل ثلاثية  الهند-اليابان-الولايات المتحدة ، وثلاثية قادة مجموعة البريكس : الهند –الصين-روسيا

الكاتب الصحفي السوري المقيم في الهند

www.waielawwad.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here