العلاقات الأمريكية السعودية.. برود في عهد أوباما ودفء يعود مع ترامب

إسطنبول/ إحسان الفقيه/ الأناضول: شابت حالة من التوتر وعدم الاتفاق، علاقات المملكة العربية السعودية، والولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة من سلطة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، فيما يتعلق بالرؤية تجاه الملفات العالقة في الشرق الأوسط. 

 

لكن هذا التوتر تبدد في الوقت الذي سادت لدى الأوساط السعودية حالة من التفاؤل مع إعلان فوز الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، في 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2016. 

 

ومثلت استراتيجية أوباما تجاه الشرق الأوسط، أهم معالم سياساته الخارجية المتسمة بالمزاوجة بين واقعيتها وواقع المنطقة، خلافا لكل الرؤساء الذين تعاقبوا على البيت الأبيض. 

 

لكن السعودية رأت في استراتيجياته بالانسحاب التدريجي من المنطقة، خسارة لبلد حليف، ما يشكل خطرا وجوديا عليها وعلى مصالحها في الأجل الطويل؛ لاعتمادها على “مظلة الحماية الأمريكية”، كما أنها ستؤدي إلى زيادة في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران العدو “الأخطر” للمملكة في المنطقة. 

 

وخلافا لرؤية الدول الخليجية وفي مقدمتها السعودية، تبنى أوباما دعم الحريات وحقوق الإنسان والإصلاح السياسي في منطقة الشرق الأوسط، بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، نهاية عام 2010. 

 

وأدت سياساته بعدم إبداء ما يكفي من “الحساسية” تجاه صعود حركات الإسلام السياسي في ثورات الربيع العربي، إلى حالة من “القلق” في الدول الخليجية المناهضة لهذه الحركات التي ترى فيها تحديا أمنيا مباشرا وتهديدا لاستقرار المنطقة. 

 

وبلغت الخلافات الأمريكية السعودية مرحلة متقدمة من التصعيد عندما وجه أوباما في مارس/ آذار 2016 اتهامات صريحة للمملكة، من خلال مجلة “ذي أتلانتيك” الأمريكية، “بتأجيج الصراعات في الشرق الأوسط عبر تمويل التعصب الديني ورفض التعايش مع إيران”. 

 

وهي الاتهامات التي رفضها تركي الفيصل الذي شغل منصب مدير الاستخبارات السعودية لأكثر من عشرين عاما، ورفض الطلب الأمريكي بالتعايش مع إيران التي “لا تزال تسلح وتمول الميليشيات الطائفية في العالمين العربي والإسلامي”.

 

وخلال الأشهر الأخيرة من رئاسة أوباما، بدت العلاقات الأمريكية السعودية في أدنى مستوياتها مع قيام الكونغرس بالتحقيقات في “تواطؤ سعودي رسمي” بهجمات 11 سبتمبر. 

 

هذا من جهة، أما من جهة ثانية؛ فقد ساءت العلاقات بعد الدفع بإيران إلى أعلى مستوى من النفوذ بالمنطقة، من خلال توقيع الاتفاق النووي، في ظل تجاهل أمريكي واضح لواقع العلاقات بين البلدين التي مثلت على مدى عقود، الأساس في اهتمامات السياسة الخارجية الأمريكية. 

 

وفي 14 يوليو/ تموز 2015، أبرمت إيران ومجموعة “5+1” (الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا)، الاتفاق النووي الذي يلزم طهران بتقليص قدرات برنامجها النووي، مقابل رفع العقوبات المفروضة عليها. 

 

وفي مقابل ذلك، تفاقمت حدة الخلافات بين السعودية وإدارة أوباما، إلى حين ظهور الإدارة الأمريكية (الجديدة) التي أظهرت قدرا كافيا من الابتعاد عن الانخراط في قضايا التغيير والإصلاح السياسي والحريات المدنية وحقوق الإنسان. 

 

وخاض ترامب حملته الانتخابية رافعا شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مجددا”. وحال وصوله إلى البيت الأبيض رفع شعار “أمريكا أولا”، ما دفع إدارته للتركيز أولا على مصالحها بعيدا عن الدول الأخرى سواء الحليفة أو الصديقة، والعمل أكثر على بناء شراكات مع دول بعينها تكفل تحقيق المصالح الحيوية لواشنطن. 

 

بعد فوز ترامب برئاسة الولايات المتحدة، بدأت الأمور بخصوص السياسة الامريكية الخارجية تعود إلى طبيعتها في الشرق الأوسط بشكل متسارع، فيما انتقل ملف عودة العلاقات الأمريكية السعودية إلى شكله التقليدي كحليف موثوق إلى صدارة اهتمامات تلك السياسة. 

 

ومع وصوله البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2017، وضع ترامب على قائمة أولويات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، العثور على أرضية لعلاقات ثنائية واستراتيجية منسجمة مع بلدان المنطقة، ضمن إطار أكثر واقعية في التعاطي مع تهديدات مشتركة من طرف نفوذ إيران، وتنظيمات إرهابية؛ كـ”داعش” و”القاعدة”. 

 

ولا تبدو إدارة العلاقات الأمريكية السعودية بتلك السهولة المُتخيلة، في ظل شراكة أمنية عميقة وتداخلات اقتصادية واسعة، وتقارب أو تفاوت وجهات النظر بشأن الملفات الساخنة في المنطقة التي تشهد صراعات وحروبا أهلية في بلدان عدة. 

 

بنى الرئيس الأمريكي استراتيجياته تجاه عموم منطقة الشرق الأوسط، على ثنائية استثمار العلاقات مع الدول الغنية، مثل السعودية وقطر، لتعزيز الاقتصاد الأمريكي، وإعادة دور الولايات المتحدة في المنطقة بعد تراجعه في عهد أوباما. 

 

وفي دلالة على إيلاء الإدارة الامريكية الجديدة أهمية غير اعتيادية لعلاقاتها مع السعودية، اختار ترامب السعودية في مايو/أيار 2017، كمحطة أولى في مستهل رحلاته الخارجية بعد وصوله إلى البيت الأبيض. 

 

هذه الزيارة أثمرت عقودا ضخمة بلغت 360 مليار دولار، منها 110 مليارات في مجال بيع أسلحة أمريكية للسعودية؛ بهدف التصدي لما يرونهما تهديدات مشتركة من إيران والتنظيمات “الإرهابية”. 

 

وشكلت القمة الأمريكية الخليجية في مايو 2017، محطة فارقة في تاريخ العلاقات بين الجانبين للخروج من دائرة سياسات أوباما تجاه المنطقة. 

 

كما أكدت تلك القمة حالة الاقتراب الزائد من وجهة النظر الأمريكية ورؤيتها لمصالحها في المنطقة، وفق “شراكة استراتيجية جديدة” تخدم أمنها القومي، وتعزز قدراتها الاقتصادية، من خلال صفقات التسليح وصفقات أخرى بمجالات عدة، تسهم بشكل مباشر في خلق فرص عمل للأمريكيين. 

 

وتمثل “الشراكة الاستراتيجية الجديدة” خطوة متقدمة للابتعاد عن سياسات الرئيس الأمريكي السابق تجاه السعودية وملفات المنطقة، بعد أن أبدى انفتاحا أكبر على إيران، في مقابل “تقليص” بعض الصفقات العسكرية مع السعودية على خلفية الضربات الجوية في اليمن (ضمن التحالف العربي الذي تقوده المملكة). 

 

كما تمثل هذه الشراكة خطوة متقدمة في مسار إصلاح العلاقات مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة التي “أضرت” بها سياسات أوباما. 

 

ويحاول ترامب بناء شراكة عميقة مع السعودية ممثلة بولي العهد الجديد محمد بن سلمان، والذي يمسك بملفات استراتيجية عدة ذات اهتمام مشترك؛ مثل الملف الأمني والاقتصادي من خلال برنامج رؤية 2030. 

 

ومنذ أيام يجري “بن سلمان” زيارة إلى الولايات المتحدة هي الأولى بعد توليه منصب ولي العهد في يونيو/ حزيران 2017، والثانية بعد وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. 

 

وهناك ثمة سعي سعودي أمريكي مشترك لتعزيز العلاقات بين البلدين وتعميقها في مجالات شتى، ومواصلة بناء الثقة بينهما لمواجهة التحديات الإقليمية المشتركة. 

 

وبدا واضحا من خلال زيارة ولي العهد السعودي (إلى الولايات المتحدة) أن هذا المسار يحكمه المزيد من استثمار العلاقات في الجانب الاقتصادي، كحجر زاوية في علاقة متعددة الأبعاد؛ لتأمين المصالح والاستثمارات الأمريكية في التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها السعودية وفقا لرؤية 2030. 

 

ووفقا لبيان نشرته وكالة الأنباء السعودية الرسمية “واس” في 21 مارس/آذار الحالي، فإن محادثات “بن سلمان” في واشنطن ركزت على “الأمن الإقليمي، وضرورة تحميل النظام الإيراني وقوات حرسه الثوري مسؤولية زعزعة الأمن والاستقرار بالمنطقة”. 

 

كما تناولت، حسب البيان، “الجهود المشتركة لإبرام صفقات تجارية إضافية بين البلدين ستساهم في خلق المزيد من الوظائف فيهما”. 

 

ولا تعد سياسة ترامب المغايرة لسلفه أوباما “انقلابا” كليا في سياساته تجاه منطقة الشرق الأوسط والنقطة الخلافية حول إيران، كما أن الأول لم ينخرط بملفات المنطقة كليا، باستثناء ما له صلة مباشرة بمصالح بلاده العليا. 

 

وتتفق الولايات المتحدة والسعودية حول الدور الإيراني في بلدان المنطقة التي تشهد نزاعات مسلحة، مثل سوريا واليمن، وتتطابق وجهتا نظريهما حول ضرورة العمل المشترك لمكافحة “الإرهاب” وتمويله والحد من النفوذ الإيراني؛ كما أن كليهما يتفقان على “مراجعة” اتفاق 5+1 مع طهران. 

 

في كل الأحوال، هناك حالة تفاؤل تعيشها الأوساط السياسية السعودية حول العلاقات بين الولايات المتحدة وعموم الدول الخليجية لإعادة الدور الأمريكي للمنطقة، بعد أن شهد تراجعا واضحا “وانسحابا” من ملفات ساخنة في السنوات الأخيرة من رئاسة أوباما.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here