العقوبات في القانون الدولي العام “العراق نموذجا”

د. نوري ألطيف

المفهوم العام للعقوبة هو إنزال جزاء مادي او معنوي جراء ارتكاب فعل او سلوك إجرامي حرمه القانون ،  او الامتناع عن فعل امر به القانون من قبل شخص طبيعي اعتباري .العراق البلد الوحيد في العالم على امتداد تاريخ منظمة الأمم المتحدة الذي تعرض لجميع أشكال العقوبات الدولية الواردة في ميثاق المنظمة وعقوبات إضافية مستحدثة وهنا سأتحدث عن موضوع العقوبات الدولية كإشكالية قانونية وليس الأساس السياسي لاتخاذها بسبب التصرفات الحمقاء والرعناء احيانا من قبل حكام الدول في كل زمان ومكان .

أنواع العقوبات التي وردت حصرا في الفصل السابع من ميثاق المنظمة وهي عقوبات ملزمة وتنفذ بالقوة اذا استدعى الامر وهي :

١- سياسية سلب سيادة الدولة .

٢- اقتصادية تتمثل بالحصار والمصادرة والمنع وفرض تعويضات .

٣- عسكرية باستخدام القوات الجوية والبرية والبحرية المادة ٤٢ .

٤- عقوبات تبعية الحرمان من استخدام الحقوق المشروعة

وقد نفذت هذه الأشكال من العقوبات وبأقسى تطبيق بحق العراق والعراقيين من ١٩٩٠-١٩٩٤ بواسطة ٢٩ قرار من مجلس الأمن . ابتدا بالقرار ٦٦٠  الذي ادان العراق بخرقه للسلم والأمن الدوليين باحتلال الكويت وطالبه الانسحاب منها ، وقد رفض صدام الانسحاب فاعقبه القرار ٦٦١ الذي فرض العقوبات الاقتصادية الشاملة وألزم حتى الدول غير  الأعضاء  التقيد بالعقوبات . وفي القرار ٦٩٢ انشا صندوق الأمم المتحدة للتعويضات وفي القرار ٧٠٥ قرر استقطاع ٣٠٪؜ من صادرات العراق النفطية وتخصيصها للتعويضات ، وتبعه بالقرار ٧٠٦ سمح به للعراق بتصدير محدود ومشروط لنفطه لغرض سد الاحتياجات الإنسانية . وتصرف مجلس الأمن كحاكم فعلي مطلق الصلاحية وأصبح العراق مسلوب السيادة بالكامل . وذهب المجلس ابعد من ذلك ولأول مرة في تاريخ العلاقات بين الدول رسم الحدود بين العراق والكويت بموجب القرار ٧٧٣ واقر نتائج اللجنة الدولية لرسم الحدود بين البلدين بقراره ٨٣٣ ، مما الحق أضرار جسيمة بالعراق يعاني منها لحد الان ولا زالت الكويت أيضا تستوفي التعويضات لحد الآن .

العقوبات الدولية :

لقد اوردت نموذج العراق والعقوبات التي تعرض لها بموجب القانون الدولي كمدخل لاستعراض ما يجري حاليا في العلاقات الدولية وخاصة في فرض العقوبات تحت واجهة ظاهرة انحسار دور القانون في العلاقات الدولية وما يجري حاليا وما يقوم به مستر ترامب !   الرئيس الأمريكي يدلل بوضوح على انكفاء القانون الدولي وركنه على الرف .

فقد بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تتصرف خارج إطار القانون فتهدد وتتوعد وتنزل عقوبات بارادة منفردة اتجاه الجميع ابتدا من حديقتها الخلفية امريكا اللاتينية وخاصة فنزولا وكوبا … الخ وصولا الى الشرق الأوسط وخاصا العراق وإيران وسوريا ولبنان واليمن …الخ وعبر البحار الى الصين وروسيا ، وحتى الأوروبيون حلفاءها في الحلف الأطلسي والترابط المالي الواسع أصبحت تحت صوت العقوبات الأمريكية بل ابعد من ذلك تحولت اوربا وكندا وأستراليا ونيوزيلاندا في مستوى دول تابعة الى امريكا وهذا يعني ان الدول بشكل عام أضحت بين منقوصة السيادة بل احيانا مسلوبة ومعدومة السيادة ، وهذا الامر ينطبق في السلوك الأمريكي على منظمة الأمم المتحدة وباقي المنظمات الدولية فقد فقدت حتى الاتفاقيات الدولية حرمتها وقيمتها القانونية ، فالانسحاب من الاتفاقيات والمنظمات الدولية بجرة قلم من مستر ترامب .

وتجاوز الامر بعدم احترام قرارات مجلس الأمن في العديد من القضايا الدولية ومنها فلسطين والجولان المحتل بل وتجاوز حتى العرف الأخلاقي عندما يصف الرؤساء الأمريكان الذين سبقوه بانهم اغبياء ، كما تحول الى حلفاءه العرب وهم بالدرجة الاولى حلفاء اقتصاديين مثل السعودية ويصفها عمليا بالبقرة الحلوب ويهين حكامها علنا .

اما الموقف من العراق فيبدو ان مستر ترامب لا يزال متمسك بان العراق بلد محتل وتابع ، ويتجاهل ان العراق استعاد سيادته بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1546 في عام 2004 كما وقع البلدان الاتفاقية الأمنية عام 2011 .

ان الإصرار على زيادة عدد القوات المسلحة من قوات تدريب الى قوات

مقاتلة بالإضافة الى انتشار القواعد العسكرية من اقليم كوردستان الى الوسط والجنوب ، كل ذلك يدلل ان العراق هو المقصود وليس إيران ، لان

العراق يشكل الحلقة الأهم والأخطر  في السياسة الاستراتيجية في المنطقة فهو الممر البري والجوي المباشر والمضمون الى كل من سورية ولبنان ، ولا سيما وجود قوى سياسية ومسلحة مهمة تدعم إيران وتأمن الطريق ، طالما ان هذا الطريق يشكل تهديدا مباشرا للجوهرة الاسرائيلية في المنطقة  ، وهي عقدة الأهم في الاستراتيجية الخارجية

الأمريكية ، وهي مقبلة على الشروع بتنفيذ صفقة القرن .

اما التعامل مع إيران فباب التفاوض مقترح ومفتوح ولا يحتاج الى كل هذا  الحشد العسكري غير المسبوق في المنطقة ، وهو لا يحتاج ولا يعتمد على حجم القوات الأمريكية في العراق ، فلدى امريكا قواعد عسكرية مهمة جدا ، في سبع دول مجاورة ( تركيا ، البحرين ، الكويت ، قطر ، الامارات ، السعودية والأردن فحدود معينة وحتى في سورية بالإضافة الى إسرائيل بكل ترسانتها من الأسلحة النووية والمعدات .

وهذه القواعد على أتم استعداد لأي عمل عسكري ، ولذلك اعود وأقول ان كل هذه الجعجعة العراق هو بيت القصد .

معالجة أخفاقات الشرعية الدولية :

سبل معالجة الإشكالية المطروحة

لكي يسًود القانون ويصبح فوق الجميع ويتحول المجتمع الدولي الى مجتمع قانون ومؤسسات ، لان ما هو سائد في النظام الدولي سيطرة وسيادة قرارات مجلس الأمن الوطني الأمريكي وبشكل خاص في مجال العقوبات ، وإذا  استمر  الامر على هذه الشاكلة ، فسنعود بالعلاقات الدولية الى ما قبل قيام عصبة الامم اَي أنعدام السيادة واستعمال القوة بدون قيود والاستعمار المباشر ، ولمعالجة الوضع والعودة لسيادة القانون واحترام سيادة الدول والتعايش السلمي والتعاون في جميع المجالات وتبادل المنافع ، وحل مشاكل المجاعة في العالم وندرة المياه والصحة والتعليم والقضاء على التخلف  بدل التركيز على الحروب وتجارة الأسلحة ، فلا بد من :

١- ان تستعيد الدول وتحترم سيادتها ومنع قانونياً،  اَي تجاوز عليها ، وهذا فرضه القانون .

٢-اعادة احترام المنظمات الدولية والالتزام بقرارتها .

٣- الاتفاق بين جميع الدول بالتخلي تدريجيا عن الدولار كوحدة لتصفية الحسابات بين الدول ، واستخدام سلة عملات ، وطريقة اخرى التعامل بالعملات الوطنية الخاصة في المعاملات الثنائية بين الدول .

٤- إصلاح ميثاق منظمة الامم المتحدة وخاصة معالجة حق الفيتو لانه ليس حق في الواقع بل تجاوز على المبادئ التي قامت عليها المنظمة الدولية وهو خرق فاضح لمبدأ المساواة في السيادة وتم تثبيت ذلك في :

١- المادة ٢ تقوم الهيئة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضاءها .

كما ثبت ذلك قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ١٩٧٠ اعتبار مبدأ السيادة من الركائز الاساسية لعلاقات التعاون بين الدول .

وفي خطاب للمستر تشرشل في مجلس العموم البريطاني في فبراير ١٩٤٥ قال ( اذا كان على الامم العظمى صيانة السلم فان من واجبها ان تحترم العالم لا ان تسيطر عليها ) .

وأعقبه تصريح الرئيس الأمريكي ترومان في مؤتمر سان فرانسسكو ( لا يحق للأمم التي خرجت من الحرب ظافرة قوية ان تسيطر على العالم بل من واجبها توحيد  الإنسانية نحو السلام الدائم ) .

١- أستاذ القانون الدستوري والقانون العام دراسات أولية وعليا سابقا في جامعات ( المستنصرية ، بغداد،الجزائر) UCK لندن والجامعة العالمية للعلوم الاسلامية لندن .

٢- رئيس قسم الدراسات العليا في معهد الحقوق والعلوم الإدارية جامعة الجزائر المركزية .

٣- عميد كلية القانون والفقه المقارن – الجامعة العالمية للعلوم الاسلامية .

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here