العربي الحميدي: مُعذِّب الهم الاجتماعي بالشعر

 

العربي الحميدي

بل بريح الموت السوداء التي تحيط بشعراء بلدان العالم العربي. معتبرا كل شاعر، ” تلٌ من تلال الرماد. والريح تكنس وتشطب وتمحو إهمالاً وقسوةً وجوعاً. ومتى ما استمر هبوبها التعسفي، ينتهون طيراناً إلى المجهول.”.

ولكنني دائما أحمل في كفي الوردة التي توبخ العالم..

أحمد بركات

من مواليد مدينة الدار البيضاء سنة 1960 من الشعراء الدين ساهموا في تحديث الشعر في المغرب. اشتغل بالصحافة.حصل على جائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب سنة 1990. وفي سنة 1994توفي بإحدى المصحات المغربية. صدرت له مجموعتان شعريتان

ـ أبدا لن أساعد الزلزال ،منشورات اتحاد كتاب المغرب،1991

ـ دفاتر الخسران،منشورات اتحاد كتاب المغرب،1994

أن يلتحق الشعر العربي المعاصر إلى الآداب الأخرى معناه أن هذا الشعر تحدى العوائق الداخلية من غير خشية إلى فضاء لا محدود للإبداع. لقد تعددت التجارب مند الخمسينيات وأفرزت شعراء حطموا حاجز الصمت وكسروا النمطية التقليدية.

ومن هذه التجارب تجربة الشاعر الراحل أحمد بركات. فأي حديث عن تجربة ما لا يمكن لأي ناقد فهمها إلا إذا توفرت له شروط فهم وإدراك عمق الجروح و شروخ الذات التي تبحث عن نفسها وسط محيط لا تجد فيه متنفسا يريح آمالها وأحلامها. بل فقط قيضا تحرق ما تبقى من صور الآمال وتدفن ما تبقى من أحلام.

تحمل كل نص آثار الوعي المبدع، والصيرورة الفنية للواقع في شاعرية كثيفة، ومن ثم تحمل يحمل النص إلى دلالة الاتساع الخيالي للذات، واندماجها بالعناصر الكونية، وذلك من خلال عوالم، أو مجالات تصويرية وليدة تقع بين الوعي وتداعيات الكتابة.

إن الحالة الإبداعية التي هيمنت على وعي هذا الشاعر تصور التباينات التي ذابت فيها ذاته داخل قصائده. إنه قناص الصور المركبة والعنيفة والسارد الغاضب الذي عبر عن الهم الاجتماعي والسياسي بالشعر.

ربما تكون تجربة الشاعر المغربي الراحل أحمد بركات واحدة من التجارب الشعرية التي سبقت زمانها. تجربة كتابة التمزق في أدق تفاصيلها، بلغة أقرب إلى البوح المتألم، الذي يعري ويكشف بطريقة ذكية في شاعرية كثيفة تحيل النص إلى دلالة الاتساع الخيالي للذات، دون أن يفقد هذا النقش العميق للقصيدة فنية الإبداع

إن قصائده أشبه بفضاء ضبابي يتمتع بحركة مستمرة في المدّ.مغلف بالقلق، محاولا تنظيف القضايا مما عَلِق بها من الخطايا والإخفاقات ،

بلغة ما بعد العدم. في صور لا تقبل التشكيل.لشعره جاذبية مثل الغيوم،كلما وصلت إلى غيمة،سرعان ما تكتشف أن أخرى تبوح بما خفي منها.وهكذا تستمر الصور المتمزقة.

في إنعاش النصوص وكسر قواعد اللعبة لتخبرنا بألم الشاعر. إنها الطاقة التي يتحملها فينتج عنها المزيد من الدراما اللغوية دون الحديث عن العذاب نفسه،فالقلق لم يعد بالأمر المخيف،بقدر ما كان يعاني من هبوب تلك الريح السوداء بداخله، رياح الشعر الهادر.

 

 

الشعر هو كل ذلك الغبار الفضي الذي يتساقط،دون أن يسوخ الأفكار بل يصقلها.

نصوص بركات فيض ندوب روح لشاعر حديث العهد بالحروب التي لم تتيح الفرصة ليقارعها لفترة أطول.

لقد عاش شاعرنا حياة قصيرة جدا، لكنها مكثفة في شاعريتها ورمزيتها وبانفراد شخصيتها، شعره مخالب  أسد مقاتل منحه قوة التحمل من خلال ما تولدّهُ حركية كتاباته.

كان من الشعراء الدين يحولون اللغة إلى حقل التأمل، فيتصاعد فعل الدوال في بناء النص. والى نزعة تبحث عن لغة تعتمد معجم الحياة اليومية المعاشة.

بهذا المعنى تكون قصائد أحمد بركات مفيدة كتجربة في المكان والزمان.

أبدا لن أساعد الزلزال

كأني أحمل في كفي الوردة التي توبخ العالم

الأشياء الأكثر فداحة:

قلب شاعر في حاجة قصوى إلى لغة

والأسطح القليلة المتبقية من خراب البارحة

حذر ، أخطو كأني ذاهب على خط نزاع

وكأن معي رسائل لجنود

وراية جديدة لمعسكر جديد

بينما الثواني التي تأتي من الوراء تقصف العمر

هكذا

بكثافة الرماد

معدن الحروب الأولى تصوغ الثواني صحراءها الحقيقية

وأنا حذر ، أخطو نحوكم وكأن السحب الأخيرة تحملني

أمطارها الأخيرة

ربما يكون الماء سؤالا حقيقيا

وعلي أن أجيب بلهجة العطش

ربما حتى أصل إلى القرى المعلقة في شموس طفولتكم

علي أن أجتاز هذا الجسر الأخير وأن أتعلم السهر مع أقمار

مقبلة من ليال مقبلة حتى أشيخ

وأنا أجتاز هذا الجسر الأخير

هل أستطيع أن أقول بصراحتي الكاذبة : لست حذرا لأنني

أعرفكم واحدا واحدا ؟

لكن ، أين أخبئ هذه الأرض الجديدة التي تتكون في عين

التلميذ ؟

وماذا سيقول المعلم

إذا سأله النهر ؟

حذر ، ألوح من بعيد

لأعوام بعيدة

وأعرف – بالبداهة – أنني عما قريب سأذهب مع الأشياء

التي تبحث عن أسمائها فوق سماء أجمل ولن أساعد الزلزال

فقط ، سأقف لحظة أخرى

تحت ساعة الميدان الكبيرة

هناك العربات تمر بطيئة

كأنها تسير في حلم

هناك قطع الغيم في الفضاء

لا تشبه سرب طائرات خائفة

هناك امرأة تقترب من الخامسة مساء تنتظرني

سأذهب عما قريب

دون أن أعرف لماذا الآن أشبه الحب بكتاب التاريخ

أحب

أحيانا أتوزع قبائل تتناحر على بلاد وهمية

أحيانا أضيع.

/  شاعر وكاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here