العراق وعودة الحديث عن الدولة الحضارية

 

عبد الجليل الزبيدي 

 

في غابر الدهور اقترن الحديث عن الحضارة بالانجازات العسكرية وتوسع الامم في اجتياح الامم الاخرى واستعبادها .

وقبل ذلك ،اي قبل نحو سبعة الاف عام ، اسمينا ما انتجه العراقيون الاوائل من  اشكال هندسية للكتابة ثم العجلة. وبناء اول بيت من احجار هندسية الشكل ، اسميناه بالحضارة السومرية ، حتى قال احد الباحثين الاميركيين  ان السومريين لو استمروا على تلك الوتيرة لاستطاعوا ان يصنعوا السيارة بحدود الاف الاخيرة  قبل الميلاد  بعد ان صنعوا العجلة والبطارية  المنتجة للطاقة  بشكلها البدائي. 

بعدهم جاء الاكديون ،ثم  امارات القطر البحري اللتي امتدت من اهوار جنوب العراق والى البحرين الحالية ،ثم السلالات البابلية فالاشوريين ، والى عام  ١٦. هجرية وهو اول دخول لجيوش المسلمين الى العراق من جهة البصرة . 

في كل تلك المحطات ، برزت ابداعات ونتاجات حضارية وكان قطبها  ومصدر الهامها العراق .. 

بعد سقوط بغداد سنة 656 هجرية ، بدات عصور الاحتلالات ، ولم يسجل التاريخ للعراقيين ولا للمحتلين اية انجازات وابداعات حضارية ، والى اواخر عقد الخمسينيات من القرن العشرين اي مع قرب نهاية الاحتلال البريطاني للعراق حيث ظهرت محاولات للتأسيس للدولة الحضارية بعد تشكيل مجلس الاعمار وفق اسس علمية وفي سياق رؤية ستراتيجية  وضع سقف لها لغاية عام ١٩٩٠  حيث كان الهدف الرقي بالعراق الى مستوى الدول الاوروبية . 

مما سبق ،يبدو : 

  اولا : ان الانتاج الحضاري هو حاجة المجتمع السكاني المتجانس والمتشارك في الجغرافيا والثقافة( اللغة ، التقاليد ومجموعة القيم والضوابط )  .

ثانيا: ان الصناعة الحضارية مرتبطة عقائديا بالانتماء المحلي وحجم ومقدار اندكاك  الصانع الحضاري بذلك المجتمع وتلك البيئة .

 

وعليه  نسأل ؛ ماهي اسباب التدني او التراجع الحضاري ؟ 

 

* لا انتاج حضاريا في ظل الاحتلال او سيطرة القوة الخارجية . 

*لا انتاج حضاريا ما لم ينشأ ويلد او ينمو او يتوفر المنتج او المصنع الحضاري والذي هو نتاج تنمية عقائدية  يفرزها المجتمع المتجانس على شكل هوية وطنية او نظام اجتماعي متطور. 

  والنظام الاجتماعي او ( العقد الاجتماعي) يتطور بعد ان يقضي  على امراضه وعاهاته وعناصر تخلف المجتمع . 

ايضا ، ان المناخ الايدلوجي ، عامل اساسي في تنشئة المجتمع او الكتلة السكانية اللتي تشكل القاعدة الصلبة لنشأة الحضارة ..

وكلما كانت التنشئة الايدلوجية مثالية ، كان الانتاج الحضاري اكثر رقيا واكثر مساهمة في بناء الدولة الحضارية .

وبعد هذه الاستنتاجات وتحديد الاطر العامة للنهضة الحضارية ، نسال ايضا : هل يمكن للعراق النهوض حضاريا بعد نحو نصف قرن من  الانحراف الحضاري والتصدع في البنى الاساسية  للبناء الحضاري ثقافيا وفكريا واجتماعيا ؟ 

 

بغض النظر عن النظام السياسي الحاكم في العراق ومايعيشه المتشاركون في هذا النظام ، من حالة اغتراب وانفصال ، فان العراق ، يمتلك عوامل اساسية متصلة بجذور حية قابلة لاستيلاد النهوض الحضاري شانه شأن العديد من  المجتمعات التي مرت باطوار حضارية سادت ثم بات ثم سادت مرة اخرى . 

وماحدث من انحراف حضاري قبل عقود في العراق هو نتاج اختلال حصل في عقلية النظام او الانظمة التي جنحت الى فكرة ( الحضارة – القوة ) وذلك على غرار البابليين المتأخرين والاشوريين  الذين اعتقد حكامهم بانهم العرق الاوحد والاخرين اقل شأنا ً فخاضوا الحروب و تبنوا العدائية منهجا في رؤيتهم للاخرين .

وليس هذا شأن العراقيين لوحدهم في فترة ما ، فالالمان ايضا ، وبعد ان انتجت الديمقراطية الالمانية قيادة جديدة بزعامة ادولف هتلر في عقد الثلاثينيات من القرن الماضي ، نجحت تلك الزعامة في استنهاض القيم الحضارية ووضعت الاطار العقائدي للنهضة الحضارية  ، لكن الانحراف حصل حينما اعتقد هتلر بان الحضارة تعني القوة  وان الالمان هم العرق والجنس الارقى والاقوى فانهار كل شئ .

ولان المجتمع  الالماني المتجانس بقيت في مكنوناته جذوره الحضارية ، عادوا مرة اخرى الى تلك الجذور والاسس  ونهضوا من جديد بعد الحرب العالمية الثانية . 

والصينيون ،كانوا اكثر وعيا واعمق رؤية ، حينما حددوا وقبل اربعين عاما انهم بحاجة للعودة الى القيم والجذور الوطنية لكي ينطلقوا نحو اقامة مجتمع صناعي يؤمن وقود بقاءه في القرن المقبل وبعد ان يبلغ تعداد سكانه المليارين . فتركوا ايدلوجية القوة والعدائية ،  وانتجوا ايدلوجية السلام مع الجميع لكي يسوقوا بضاعتهم للجميع حيث يتطور انتاجهم  الصناعي مع استمرار تقدمهم  في بناء حضارتهم  الوطنية  .

كاتب عراقي

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. الحضارة ليست هي القوة و لا هي السلام. هي فن التعاطي مع البشر.
    وَمَــنْ لم يُصـــــانِعْ في أمورٍ كثيرةٍ ***** يُضَرَّسْ بأنيابٍ ويُوطأ بِمَنْســِمِ
    وَمَنْ يجعَلِ المعروفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ ***** يَفِــرْهُ وَمَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ
    وَمَنْ يَكُ ذا فضْلٍ فيبْخلْ بفضْــــــلِهِ ***** على قومـــــهِ يُسْتَغْنَ عنهُ وَيُذْمَمِ
    وَمَنْ يُوفِ لا يُذْمَــــمْ وَمَنْ يُهَدَ قلبُهُ ***** إلى مُطـــمَئِنِّ البِرِّ لا يَتَجَمْحَـــــمِ
    وَمَنْ هــــابَ أسبابَ المنــــايا يَنَلْنَهُ ***** وَإنْ يَرْقَ أســــــبابَ السَّماء بسُلّمِ
    وَمَن يُجْعَلِ المعروفَ في غيْرِ أهْلِهِ ***** يَكُـــــنْ حَمـــــْدُهُ ذَمَّاً عليهِ وَيَنْدَمِ
    وَمَنْ يَعْصِ أطــــرافَ الزّجَاجِ فإِنَّهُ ***** يُطــــيعُ العوالي رُكِّبَتْ كُلَّ لَهْذَمِ
    وَمَنْ لمْ يَذُدْ عَنْ حوْضِهِ بِســــلاحِهِ ***** يُهَدَّمْ وَمنْ لا يَظْلــــِم النّاسَ يُظْلَمِ
    وَمَن يَغْتَرِبْ يَحْسَــبْ عَدُواً صَديقَهُ ***** وَمَنْ لمْ يُكَــــرِمْ نفْســــَهُ لم يُكَرَّمِ

  2. اسمح لنا يا استاذ أن نسأل سؤالاً واضحاً وبسيطاً هل تسمح أمريكا – صديقة وحليفة بعض القادة العراقيين – لأي دولة عربية تخصع هيمنتها أن تلحق باسرائيل علمياً أوتقنياً أواقتصادياً أوعسكرياً وبالتالي “حضارياً ” !!!؟؟؟.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here