العراق والصراع الأميركي الإيراني

د. فاضل البدراني

يزداد الحراك السياسي بالعراق في أروقة البرلمان هذه الأيام للمطالبة بإلغاء اتفاقية الاطار الاستراتيجي الموقعة بين بغداد وواشنطن في 2008، والتي جاءت في اعقاب تحرك عسكري اميركي كثيف في قواعد عسكرية من اقصى غرب البلاد وحتى جنوبها بشكل تدريجي، فضلا عن محاولة طرح مشهدية جديدة للوجود العسكري في شوارع العاصمة بغداد ومدن كانت تعد معقلا لمقاومة للوجود الاجنبي ومنها الفلوجة.

وبالرغم من ان بعض الاتهامات الحزبية والنيابية وجهت سهامها للتيار الصدري بالتواطؤ مع الجانب الاميركي على حساب الوجود الايراني الذي يبسط سيطرته على جميع المدن العراقية، حتى الحدود الغربية مع سوريا ، لكن أول دعوة تطرح في اروقة البرلمان جاءت من رئيس الكتلة الصدرية بالبرلمان النائب صباح الساعدي، عندما قدم مقترحا لرئاسة البرلمان بالتصويت على إنهاء الاتفاقية الأمنية (صوفا، المعنية بتنظيم عملية الانسحاب الأميركي من العراق)، وإلغاء القسم الثالث من اتفاقية الإطار الاستراتيجي (المعنية بتنظيم عملية التعاون العسكري والأمني بين العراق وأميركا) الموقعتين بين العراق والولايات المتحدة الأميركية في 2008 في زمن حكومة نوري المالكي الاولى، واعقب ذلك عملية جدولة للانسحاب العسكري الاميركي ،انتهت بالانسحاب الفعلي في 31 كانون الاول 2011.

 وفي ذات الوقت انتقدت اطرافا سياسية عراقية الانسحاب العسكري الاميركي، واعتبرته خطأ جسيما ارتكبته ادارة الرئيس السابق باراك اوباما، ذلك يتماشى مع رأي سابق لرئيس البرلمان العراقي الأسبق اسامة النجيفي ،عندما قال ان الانسحاب يمثل في جوهره تنصل واشنطن عن التزاماتها من العراق ،كونها تركت البلاد بوضع غير مستقر، وكانت نتائج ذلك تدهور الوضع الامني ،ودخول تنظيم داعش مطلع 2014 في المحافظات الغربية من العراق بمساحة تزيد عن ثلثي مساحة العراق الاجمالية ،ودمر كل شيء واستمر حتى نهاية 2017.

والولايات المتحدة تتواجد بالوقت الحاضر عسكريا في قاعدتي (عين الاسد وk2  ) في الانبار، فضلا عن معسكرات على حدود العراق مع سوريا، وقاعدة التاجي شمال بغداد ،والصينية، والشرقاط بصلاح الدين، ومطار البكارة في الحويجة جنوب كركوك قرب حقول النفط، وقواعد في الموصل واربيل .

وبطبيعة الحال فأن التواجد العسكري الاميركي الحالي والذي يتزامن مع تصريحات أميركية معادية لإيران ، يشكل تهديدا لأصدقاء ايران في العراق في ظل غياب التنسيق بين الادارة الاميركية والحكومة العراقية التي لم تحظى برسالة مباركة عند تشكيلها قبل 100 يوم من الآن، باعتبارها جاءت بتأثير ايراني، كما ان زيارة ترامب لقاعدة عين الأسد في الانبار غربي العراق في 26 ديسمبر 2018، دون اللقاء بالمسؤولين العراقيين، فضلا عن جولة نائب قائد القوات الاميركية بشوارع بغداد ،وتزايد الانتشار العسكري في أكثر من مكان من البلاد، دفع العديد من القيادات السياسية والبرلمانية باستنكار التوجهات الاميركية الجديدة ،والمطالبة بإلغاء الاتفاقية الأمنية ،أو تعديلها.

وتعليقا على هذا الوضع، يقول الكاتب والمفكر حسن العلوي، باستثناء الاحزاب التي تضم فصائل مسلحة ،وهي التي وضعت تحت وطأة قرارات الكونغرس الاميركي بالحظر ،فالبقية يرحب بالتواجد الاميركي ،ويبحثون عن تدابير، أن لا تجعل العراق ساحة للصراع بين الولايات المتحدة الاميركية وايران .

ولا يتوقع أن يحقق البرلمان العراقي النصاب الكامل، عند تشريع قانون يلزم القوات الاميركية الانسحاب من العراق، اذ أن لأميركا حلفاء وأصدقاء يرحبون بتواجدها، مثلما لإيران اصدقاء يدافعون عنها، لكن قد تحدث متغيرات سياسية جديدة عبر اتصالات من تحت الطاولة بين الخصمين (واشنطن وطهران) للتفاهم على قضايا تخص شأنهما ،وسيكون ذلك ،إن لم يكن مثل هكذا اتفاقات على حساب مصالح العراق، أو بمعنى آخر ضده ،فالأمر قد يحقق استقرارا أفضل للعراق .

كاتب وأكاديمي

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here