العراق: كسر الإرادات تعيق تشكيل الوزارات

د. فاضل البدراني

أن يتحول رئيس الحكومة العراقية الى رجل مساعي حميدة للتوسط وإقناع رؤساء الكتل النيابية لمساعدته بإكمال تشكيلة حكومته المنقوصة العدد، فهذا أمر يجعل المراقب للشأن العراقي على يقين بأن المشهد السياسي، أمام عقبة كبيرة ،وأيضا يفصح عن وجود حكومة معلنة يتزعمها عادل عبد المهدي أسيرة لحكومات عميقة لكنها تعمل بالخفاء ، وحتى يحين الوقت الذي قد تتدخل أطراف خارجية بإقناع الأطراف المتصارعة المختلفة، أو أن يتفهم المختلفون خطورة سياسة كسر الإرادات التي تحكم طبيعة العلاقة بينهم .

فالبرلمان أصبح عاجزا عن اختيار ثمانية وزراء لشغل الحقائب الشاغرة ،أبرزها حقيبتي الدفاع والداخلية ،وهما المعضلة الأساسية ، وعلى وجه التحديد وزارة الداخلية التي تشكل ليست عقبة بين الاطراف العراقية المختلفة لكنها خلاف عميق بين اطراف خارجية دولية ،وقد شهدنا في السنوات الماضية ان الخلاف كان خلافا سنيا- شيعيا، بينما في هذه الدورة الانتخابية 2018 تحول الى خلاف شيعي – شيعي بالدرجة الأساس، وكردي – كردي، وكذلك سني – سني، وهذا التشظي والخلاف بين كتل المكون الاجتماعي الواحد، فبقدر ما هو خروج عن الخلاف الطائفي والمذهبي الأكثر ضررا على المجتمع، لكنه أفصح عن غياب بالوعي السياسي لدى الأحزاب التي تقود دفة العملية السياسية، وأثبت بان بوصلة العمل السياسي ليست في بغداد ،فالمؤثر الخارجي موجود وهو لاعب فاعل ومؤثر، وزعامات النفوذ صارت قوية، ومن الصعب على أي رئيس وزراء تخطيها ،بل أصبح أسيرا لها، وهو الحال الذي يواجه رئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي، فانه يسير وسط حقول الغام ، قد تنفجر عليه بأي لحظة سواء من يمينه، أو من شماله ،تلك الألغام السياسية التي تتجسد في كتلتي الاصلاح والبناء ،إذ يجد نفسه مقيدا تماما، فان رفض مرشح كتلة البناء لوزارة الداخلية فالح الفياض ،فلن تغفر له ،وان وافق كتلة البناء على قبول مرشحها، فانه سيواجه عقوبة قاسية من كتلة الاصلاح ، وقد تلقى بهذا الصدد رسالة من السيد مقتدى حذره فيها من انه سيرفع عنه الدعم الذي كان يلقاه منه، في حال ترشيح الفياض للداخلية .

 في مفهوم العمل السياسي، الأحزاب الناضجة تتبنى مشاريع تمتد باستراتيجيات طويلة تحيط الانسان بكل ما يريد ،تتجاوز أمور تخص الخسارة ،أو الربح ، والتنازل عن حق معين أمام خصم آخر ،فانه لا يعد خسارة ،لطالما يتعلق الوضع بالمعطيات ،أو المصالح، وفي هذا الحال فان مصلحة العراق ينبغي أن تكون هي الفيصل الذي تتحطم عن اسواره كل المصالح الذاتية ،او الشخصية، ثم أن الخسارة في جولة، لا يعني أبدا انها خسارة آخر جولة، فالجولات المقبلة قد يكون النصيب أفضل فيها ،وقد تكون جولة الخسارة مكسب في نظرها، كونها تعد ،وقت استراحة ومراجعة ،ونقد للماضي، فسياسة كسر الارادات تمثل تراجعا خطيرا في الأداء السياسي للأحزاب العراقية وغياب للنضوج في الوعي السياسي، وقد شكلت خيبة أمل للعراقيين الذين يتفرجون على حراجة الموقف ،وهم ينتظرون، ان يتفق السياسيون على تشكيل حكومة تقدم لهم الكثير من الخدمات المفقودة على مدى سنين طويلة، ولكن وبعد ان تيقنت جميع الأطراف بأن كسر الإرادات ستكون مثل الماء الساخن قد ينسكب عليهم ،ويكتوون به قبل غيرهم، فانه من المتوقع ،أن تطرح الكتل النيابية في الايام المقبلة شخصيات جديدة ،وفي حال لم تنجح فان الحكومة سيكون مصيرها الاستقالة التي لطالما لوح بها رئيس الوزراء عادل عبد المهدي حتى قبل ان يكلف بتشكيل الوزارة واثناءها، والميدان الحالي هو المختبر الفعلي ولكنه الأخير.

           أكاديمي وكاتب عراقي

 Faidel.albadrani@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. عزيزي الدكتور فاضل المحترم
    انك تقول (( … في هذه الدورة الانتخابية 2018 تحول الى خلاف شيعي – شيعي بالدرجة الأساس، وكردي – كردي، وكذلك سني – سني، وهذا التشظي والخلاف بين كتل المكون الاجتماعي الواحد، فبقدر ما هو خروج عن الخلاف الطائفي والمذهبي الأكثر ضررا على المجتمع، … )) ان هذه الحقيقة تؤكد بأن الافراد والجماعات الموجودين في الوزارة والبرلمان لا يمثلون الشعب بل انهم يختلفون فيما بينهم على حساب مصلحة الشعب. ( تذكر ان اكبر كتلة في البرلمان ، السائرون، نالوا 7% فقط من اصوات كل الناخبين.) والحل الوحيد هو طرد هؤلاء ومنعهم من تحطيم العراق وهذا الحل يحتاج الى منظمة مدنية ترفض الافكار الدينية والطائفية والقوم
    ية وتجعل المصالح الوطنية العراقية هي الاساس. فمن الضروري التركيز على مهمة انقاذ الشعب من آفالة هؤلاء الذين دخلوا العراق على الدبابات الامريكية، عن طريق طردهم من المؤسسات الحكومية ومنع تقسيم الشعب على اسس مضرة بحجة الدفاع عن الدين او الطائفة او القومية. دون هكذا منظمة جديدة لا يتغير العراق الى ما هو احسن من الموجود . وشكرا ً
    مع التقدير
    البروفيسور كمال مجيد

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here