العراق: حكومة تدوير الكراسي

fadel-badrani.jpg888

د.فاضل البدراني

أقتربنا كثيرا من اعلان تشكيل الحكومة العراقية التي دعا لها قبل اكثر من شهر رئيس الحكومة حيدر العبادي ضمن اجراءات الاصلاح الحكومي والمالي التي رأى من مبررات اتخاذها خطوة ايجابية في هذا التوقيت للتخلص من الوجوه الوزارية المتكررة والضعيفة في حكومة التوافق الوطني واستبدالها بحكومة تكنوقراط.

وشغلت العراقيين التسريبات التي يتحدث بها كل من ارتدى ثوب السياسة او التحليل او من ادعى بانه قريب من كواليس اللعبة السياسية بشان اختيار هذا الوزير او ذاك، و أضحت في هذا التوقيت الحرج دعاية وحرب نفسية تلقى رواجا بين الناس، المهم علينا ان نتوصل الى ماهية النتيجة التي ستتجه نحوها بوصلة التغيير الحكومي  وموقف الشعب منها ؟.

ويبدو ان ضغط الكتل النيابية الكبيرة على العبادي خلال الاسابيع الماضية افرغ مبادرته الاصلاحية من محتواها الايجابي وجعله يتجه نحو تلبية مصالح هذه الكتل بأي خطوة تجعله يكسب خطبها لأجل ابقائه في موقعه رئيسا للحكومة الذي تعرض للتهديد باخراجه منه ان خالفها الرأي واختار وزراء تكنوقراط ،و ايضا ربما يتجه رئيس الحكومة مع كتل محددة تتناغم مع توجهاته الفكرية دون شمول وزراءها بالتغيير وهي مثار جدل بين متظاهري ساحة التحرير وحتى بعض الكتل النيابية الاخرى التي تعتبر انها خاسرة في هذا التغيير الحكومي كما تبدو مؤشراته ،و لنأخذ ما جاء في الشق الاول فان الكتل النيابية تمكنت من سرقة مبادرة المتظاهرين والمصلحين واجبرت رئيس الحكومة لأن يتنازل عن توجهه السابق في اختيار وزراء تكنوقراط من غير المؤدلجين حزبيا او كتلويا، وحتى هذه اللحظة فان التسريبات تشير الى ان بعض وزراء الحكومة سيتم تدويرهم لوزارات اخرى وهذه بالتاكيد ان حصلت سوف تؤلب الشارع العراقي،وفي هذا فانه يكون قد حمل بذرة الفناء في داخل حكومته.والامر الأخر الذي خيب ظن الشارع العراقي ان الغالبية العظمى من النواب اخذوا يطرحون انفسهم على رؤساء كتلهم بل واخذوا يتوسطون عند الكتل الاخرى لكسب اكبر عدد لاجل استيزارهم، حتى اصبح منصب الوزير كأنه فريسة او غنيمة وهي مسألة تؤجج النفوس وتفرض مشاعر الاحباط والقنوط وخيبة أمل.

وفي آخر جمعة خاطب المتظاهرون رئيس الحكومة العبادي بصوت الغاضبين ان اردت ان تكون قويا فهي اخر فرصة نمنحها لك في خطوة الاصلاح بيد ان تكون قويا امينا مستقلا،ولكن ان رضيت ان تكون اسيرا بيد الكتل النيابية، فلن يكون الاستقرار مصير حكومتك المقبلة التي تعاني أصلا من يوم تشكيلها قبل سنة ونصف السنة من الضعف والتلكؤ وانعدام الولاء لك شخصيا، بدليل ان الوزراء قدموا استقالاتهم لرؤساء كتلهم النيابية عندما سخنت اسوار المنطقة الخضراء وليس لك.

الوقت لن يطول كثيرا على ولادة حكومة التكنوقراط الجديدة التي لا تعرف من هذا التوصيف سوى الاسم، كونها ستأتي حكومة كتل نيابية تمثل احزابا سياسية و دينية، لطالما ان العبادي طلب منها تقديم مرشحيها للوزارة،وبنظر المتابعين للوضع العراق، فلن يطول عمر الحكومة المقبلة كثيرا، حيث ستواجه ضغطا عنيفا من الشارع العراقي، في ضوء الازمة الاقتصادية جراء انخفاض اسعار النفط والأستحقاقات المالية للحرب ضد داعش.لذلك فان حكومة التكنوقراط تحولت الى حكومة تدوير الكراسي باختيار الكتل النيابية، وهذا الذي يزعج الانسان العراقي الذي يبحث عن الحلول الفعلية.

كاتب وصحافي عراقي

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here